برفْقَة ” وجه الغُراب ” لشوكت الربيعي في المَهاجِر

صورة الكاتب
بقلم: فیصل عبدالحسن
التاريخ: 21 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 3
برفْقَة ” وجه الغُراب ” لشوكت الربيعي في المَهاجِر

برفْقَة ” وجه الغُراب ” لشوكت الربيعي في المَهاجِر

 

ما أشبه ما رسمه الفنان شوكت الربيعي عام 1979 وما حدث للعراق منذ ذلك العام، وإلى يومنا الحالي، هي لوحة (أنطباعية ــ  Impressionism) لكنها تقول لنا قصصاً كثيرة مستقبلية عرفها الفنان قبلنا جميعاً:

احداث كثيرة قال رأيه فيها، بالرغم من أن تلك السنة التي رسم فيها الفنان لوحته كانت كما تبدو في الظاهر من أكثر سنوات العراق أستقراراً وثراء ماعدا ممارسات العنف الحكومي ضد معارضيها، و الذي كان يمارس في العلن، والخفاء سواء ضد من كانوا مع الحكومة واعتقد مسؤولوها انهم خانوهم أو ممن وقفوا ضدها.

شوكت الربيعي وضع في لوحته حزنه العراقي، تراه مبثوثاً في سوادها وألوانها الساخنة، المحصورة بين الأحمر والأصفر، وقد اختار اللون الأصفر، وأضاف إليه كمية صفرة أزادته توهجاً وحرارة.

وجه الغُراب

أتذكر ان هذه اللوحة التي أسمتها أبنتي الصغيرة شيري لأول مرة ” وجه الغراب “، كنت اتأملها وقتها، عندما نادت عليَّ زوجتي من المطبخ، فلم أجبها لأنشغالي باللوحة، فصرخت صغيرتي:  ” أنه برفقة وجه الغُراب !”.

هذه اللوحة تم تكريمي بها في مناسبة أدبية، واصطحبتها معي إلى الأردن عام 1995، وعرض عليَّ كثيرون شراءها، وبالرغم من حاجتي للمال وقتها لم أبعها.

وصاحبتني في رحلتي إلى مصر، وقضيت معها وقتاً طويلاً، وأنا اتأملها في ليالي القاهرة، وفي وحشة ليالي تونس، وعلى ساحل الأبيض المتوسط هناك، وفي ليبيا، وبعد استقراري في مدينة سبها، وعملي أستاذاً لسنتين في معهدها العالي.

راقفتنا وجه الغراب إلى المغرب لسنة كاملة في شقة مفروشة بالمحمدية على ساحل الأطلسي، وبعد ذلك انتقلت معنا إلى الدار البيضاء العام 1998 ثم إلى الرباط العام 2004 لتستقر معنا في صالون شقتنا حتى الوقت الحالي 2026.

عقود من السنوات منذ رُسمت” وجه الغراب”، لكنها لا تزال تنبض بحيوية ألوانها وجدة موضوعها، وكابوسية تنبؤاتها.

وكلما حلت مصاعب جديدة أمام العراقيين أو حل خطر داهم بهم، وقفت قبالتها وهمست:  يا وجه الغراب، أظن أن من الحكمة أن توقفي تنبؤاتك السيئة عن وطني.

الرائي الذي يشاهد تفصيلات لوحة أخرى مرسومة داخل اللوحة الأصلية، وبدا في اللوحة كالشبح هو ذاته الفنان، الذي يرى، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فقد عقد ذراعيه خلف ظهره لينظر كف الفتاة المسجاة، التي برزت في قلب اللوحة، كالصرخة في هدوء الليل.

الألوان الباردة كالأزرق والأخضر أندمجت لتؤلف عتمة تغطي اللوحة من أعلى إلى أسفل، أما ظل تلك الفتاة التي ترفع يدها الرافضة، فهي صورة أخرى لجان دارك الثائرة، والقديسة الفرنسية، التي أُحرقت حية لوقوفها في وجه المستعمر الإنجليزي.

هيئة المرأة عارية الصدر يوحي للرائي بتلك القديسة، وعري صدرها لا يثير في الرائي أية عاطفة، لأنها بلا ملامح لكنها تقف نادبة، الفتاة المسجاة، والتي تنبثق من بيت محترق تحيطه العتمة.

السحر العراقي

الغراب الذي يحدق بالقادم البعيد، بدا وكأنه نذير شؤم، العين الظاهرة للغراب يبدو بياضها المعتاد بلون أحمر، أهي نبوءة بما سيفعله النظام السابق بالعراق ؟ اللوحة تعود كما يبدو التاريخ المدون في يسارها إلى العام 1979.

هذه اللوحة المحصورة بين الرمزية والأنطباعية، والمحددة من الأعلى بذراع امرأة مرفوعة، وكف فتاة مبسوطة، وهيئة غراب له عين محمرة تنظر نحوك، عاشت معنا أياماً صعبة وأخرى سعيدة، كنا في المناسبات نرى فيها وطننا نراه بطيبة أهله، وخبز تنانيره الساخن.

كبر أطفالنا وهم ينظرون إلى ذلك السحرالعراقي، يتأملونه صباحاً، ويضعونه مع سندويجات الصباح المغلفة بورق الكلينكس، والذاهبة معهم إلى مدارسهم.

شوكت الربيعي الفنان الذي رسم ” وجه الغُراب ” ولد 1940 في منطقة الجديدة بالعمارة، وأنهى دراسته في معهد الفنون الجميلة 1963 وبعد عام واحد أسس جماعة الجنوب للفنون التشكيلية في العمارة، وحصل على العديد من الجوائز لاعماله التشكيلية، وما كتبه في النقد الفني.

من كتبه ” الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي من 1885م إلى 1985م  ” لقد أضاف هذا الكتاب غير التسجيل البيوغرافي لأسماء ونشاطات الفنانين خلال قرن، سجل رؤاهم حول شكل الفن التشكيلي، وعلاقة فنونهم بالحياة الواقعية، التي عاشوها، وتأثير تأريخهم القديم على فنونهم توفي الفنان سنة في يناير 2024 وترك اثرا فنيا لا ينسى .

عن الکاتب / الکاتبة

فیصل عبدالحسن
فیصل عبدالحسن
روائي . کاتب / العراق مقیم في المغرب

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


برفْقَة ” وجه الغُراب ” لشوكت الربيعي في المَهاجِر

بقلم: فیصل عبدالحسن | التاريخ: 21 يوليو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

برفْقَة ” وجه الغُراب ” لشوكت الربيعي في المَهاجِر

 

ما أشبه ما رسمه الفنان شوكت الربيعي عام 1979 وما حدث للعراق منذ ذلك العام، وإلى يومنا الحالي، هي لوحة (أنطباعية ــ  Impressionism) لكنها تقول لنا قصصاً كثيرة مستقبلية عرفها الفنان قبلنا جميعاً:

احداث كثيرة قال رأيه فيها، بالرغم من أن تلك السنة التي رسم فيها الفنان لوحته كانت كما تبدو في الظاهر من أكثر سنوات العراق أستقراراً وثراء ماعدا ممارسات العنف الحكومي ضد معارضيها، و الذي كان يمارس في العلن، والخفاء سواء ضد من كانوا مع الحكومة واعتقد مسؤولوها انهم خانوهم أو ممن وقفوا ضدها.

شوكت الربيعي وضع في لوحته حزنه العراقي، تراه مبثوثاً في سوادها وألوانها الساخنة، المحصورة بين الأحمر والأصفر، وقد اختار اللون الأصفر، وأضاف إليه كمية صفرة أزادته توهجاً وحرارة.

وجه الغُراب

أتذكر ان هذه اللوحة التي أسمتها أبنتي الصغيرة شيري لأول مرة ” وجه الغراب “، كنت اتأملها وقتها، عندما نادت عليَّ زوجتي من المطبخ، فلم أجبها لأنشغالي باللوحة، فصرخت صغيرتي:  ” أنه برفقة وجه الغُراب !”.

هذه اللوحة تم تكريمي بها في مناسبة أدبية، واصطحبتها معي إلى الأردن عام 1995، وعرض عليَّ كثيرون شراءها، وبالرغم من حاجتي للمال وقتها لم أبعها.

وصاحبتني في رحلتي إلى مصر، وقضيت معها وقتاً طويلاً، وأنا اتأملها في ليالي القاهرة، وفي وحشة ليالي تونس، وعلى ساحل الأبيض المتوسط هناك، وفي ليبيا، وبعد استقراري في مدينة سبها، وعملي أستاذاً لسنتين في معهدها العالي.

راقفتنا وجه الغراب إلى المغرب لسنة كاملة في شقة مفروشة بالمحمدية على ساحل الأطلسي، وبعد ذلك انتقلت معنا إلى الدار البيضاء العام 1998 ثم إلى الرباط العام 2004 لتستقر معنا في صالون شقتنا حتى الوقت الحالي 2026.

عقود من السنوات منذ رُسمت” وجه الغراب”، لكنها لا تزال تنبض بحيوية ألوانها وجدة موضوعها، وكابوسية تنبؤاتها.

وكلما حلت مصاعب جديدة أمام العراقيين أو حل خطر داهم بهم، وقفت قبالتها وهمست:  يا وجه الغراب، أظن أن من الحكمة أن توقفي تنبؤاتك السيئة عن وطني.

الرائي الذي يشاهد تفصيلات لوحة أخرى مرسومة داخل اللوحة الأصلية، وبدا في اللوحة كالشبح هو ذاته الفنان، الذي يرى، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فقد عقد ذراعيه خلف ظهره لينظر كف الفتاة المسجاة، التي برزت في قلب اللوحة، كالصرخة في هدوء الليل.

الألوان الباردة كالأزرق والأخضر أندمجت لتؤلف عتمة تغطي اللوحة من أعلى إلى أسفل، أما ظل تلك الفتاة التي ترفع يدها الرافضة، فهي صورة أخرى لجان دارك الثائرة، والقديسة الفرنسية، التي أُحرقت حية لوقوفها في وجه المستعمر الإنجليزي.

هيئة المرأة عارية الصدر يوحي للرائي بتلك القديسة، وعري صدرها لا يثير في الرائي أية عاطفة، لأنها بلا ملامح لكنها تقف نادبة، الفتاة المسجاة، والتي تنبثق من بيت محترق تحيطه العتمة.

السحر العراقي

الغراب الذي يحدق بالقادم البعيد، بدا وكأنه نذير شؤم، العين الظاهرة للغراب يبدو بياضها المعتاد بلون أحمر، أهي نبوءة بما سيفعله النظام السابق بالعراق ؟ اللوحة تعود كما يبدو التاريخ المدون في يسارها إلى العام 1979.

هذه اللوحة المحصورة بين الرمزية والأنطباعية، والمحددة من الأعلى بذراع امرأة مرفوعة، وكف فتاة مبسوطة، وهيئة غراب له عين محمرة تنظر نحوك، عاشت معنا أياماً صعبة وأخرى سعيدة، كنا في المناسبات نرى فيها وطننا نراه بطيبة أهله، وخبز تنانيره الساخن.

كبر أطفالنا وهم ينظرون إلى ذلك السحرالعراقي، يتأملونه صباحاً، ويضعونه مع سندويجات الصباح المغلفة بورق الكلينكس، والذاهبة معهم إلى مدارسهم.

شوكت الربيعي الفنان الذي رسم ” وجه الغُراب ” ولد 1940 في منطقة الجديدة بالعمارة، وأنهى دراسته في معهد الفنون الجميلة 1963 وبعد عام واحد أسس جماعة الجنوب للفنون التشكيلية في العمارة، وحصل على العديد من الجوائز لاعماله التشكيلية، وما كتبه في النقد الفني.

من كتبه ” الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي من 1885م إلى 1985م  ” لقد أضاف هذا الكتاب غير التسجيل البيوغرافي لأسماء ونشاطات الفنانين خلال قرن، سجل رؤاهم حول شكل الفن التشكيلي، وعلاقة فنونهم بالحياة الواقعية، التي عاشوها، وتأثير تأريخهم القديم على فنونهم توفي الفنان سنة في يناير 2024 وترك اثرا فنيا لا ينسى .