جنود الشيطان

صورة الكاتب
بقلم: أبو الحسنين الدعساوي
التاريخ: 19 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 3226
جنود الشيطان

جنود الشيطان

بدأ الأمر بضيق غريب وغير مبرر في صدره. كان يقف على عتبة بيته، الذي لطالما كان ملاذه الدافئ، فيشعر فجأة بجدرانه تضيق عليه كأنها تبتلع أنفاسه. كان يلتفت ليرى زوجته، المرأة التي أحبها وكافح لسنوات ليتزوجها، فيتخيل وجهاً غريباً، كالحاً، يبعث في قلبه غضباً ونفوراً لا يملك له دفعاً. كان يصرخ في وجهها لأتفه الأسباب، وداخله يصرخ مستغرباً: ما الذي تفعله؟ لماذا تؤذيها؟ لكن جسده ولسانه لم يعودا ملكاً له، بل كان كالسجين المعتقل داخل عقله، يقوده جلاد مجهول من خلف الستار.
لم يقتصر الانهيار على بيته، بل امتد بسرعة ليعصف بنجاحه المهني فغابت رغبته في العمل، وتشتت ذهنه بالكامل، وخسر صفقات كبرى كان قد سهر الليالي لإتمامها، وبات التراجع يلاحقه في كل خطوة. وفي المنزل، ساءت الأمور لدرجة لا تطاق؛ هجر غرفتهما المشتركة، وأصبح مجرد سماع صوت زوجته يشعل في داخله رغبة عارمة في تحطيم الأثاث، وتملكه هاجس يومي واحد وملح، وهو أن ينهي هذا الزواج ويطردها مع الأطفال خارج حياته، بينما كانت هي تبكي صامتة، تنظر إليه بعينين مليئتين بالرجاء والخوف.
وفي الليلة التي قرر فيها حزم حقائبه ومغادرة المنزل بلا عودة، حدثت نقطة التحول. كانت زوجته قد بدأت تدرك بحسها وإيمانها أن هذا النفور المفاجئ ليس من طباعه، فرفضت الاستسلام لفكرة الفراق، ولجأت إلى الدعاء والرقية الشرعية، وملأت البيت بصوت القرآن الذي كان يسبب له في البداية صداعاً قاتلاً ويجعله يثور، لكنها كانت تتحمل وتصبر.
وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت تقوم بتنظيف دقيق وعميق للمنزل علها تطرد تلك الكآبة الخانقة، عثرت في إحدى زوايا البيت المهجورة، خلف خزانة خشبية ثقيلة لم يتم تحريكها منذ سنوات، على كيس غريب متسخ ملفوف بعناية.
عندما فتحته بمساعدة أحد الثقات، وجدا بداخله أوراقاً تالفة كُتب عليها اسمه واسم زوجته بطلاسم مبهمة، وخيوطاً معقودة بعقد غريبة، وصورة قديمة لهما ممزقة من المنتصف. وبمجرد أن قاما بحل تلك العقد وغسل تلك الأوراق بالماء المقرّب من الطهارة، شعر وكأن جبلاً كبيراً كان جاثماً فوق صدره قد تفتت وتلاشى فجأة. استنشق الهواء بعمق لأول مرة منذ أشهر، ونظر إلى زوجته فرأى وجهها الحقيقي النقي الذي اشتاق إليه، وارتمى في حضنها يبكي كطفل خائف اعتصرته الكوابيس.
ولم يطل الوقت حتى افتضح أمر تلك القريبة التي قادها الغل والحسد للجوء إلى الدجالين لتدمير بيته، بعد أن اختلف معها الساحر على المال وسرّب تسجيلاتها الصوتية لتنكشف حقيقتها وتصبح معزولة تواجه عواقب فعلتها.
عاد الدفء إلى البيت تدريجيآ، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي. لكنه، في لحظات السكون التي تلي صخب اليوم، كان يجد نفسه واقفاً يتأمل تلك الزاوية المظلمة خلف الخزانة الثقيلة.. ينظر إلى الغبار المتطاير في ضوء الشمس المتسلل من النافذة، ويفكر في تلك العقد التي حلت… وتلك التي ما زالت معقودة في زوايا أخرى من هذا العالم، بعيداً عن الأعين.

عن الکاتب / الکاتبة

أبو الحسنين الدعساوي
أبو الحسنين الدعساوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

ثلاجة الموتى

ثلاجة الموتى

….. ثلاجة الموتى….. لم اكن اتخيل يوما ان عملي خلف هذه الابواب الحديدية الصامتة سيكون…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
15 يوليو 2026
اقرأ المزيد
أحلام مهدومة

أحلام مهدومة

أحلام مهدومة…….. كان طقسي المفضل كل مساء هو تنظيف حقيبتي المدرسية وكي صدريتي الكحلية وترتيب…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
3 يوليو 2026
اقرأ المزيد
الفصلية

الفصلية

الفصلية ​(عندما تصبح الروح ثمناً لدم لم تسفكه) لم يكن لي ذنب بما حدث، حتى…

صورة الكاتب أبو الحسنين الدعساوي
22 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جنود الشيطان

بقلم: أبو الحسنين الدعساوي | التاريخ: 19 يوليو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

جنود الشيطان

بدأ الأمر بضيق غريب وغير مبرر في صدره. كان يقف على عتبة بيته، الذي لطالما كان ملاذه الدافئ، فيشعر فجأة بجدرانه تضيق عليه كأنها تبتلع أنفاسه. كان يلتفت ليرى زوجته، المرأة التي أحبها وكافح لسنوات ليتزوجها، فيتخيل وجهاً غريباً، كالحاً، يبعث في قلبه غضباً ونفوراً لا يملك له دفعاً. كان يصرخ في وجهها لأتفه الأسباب، وداخله يصرخ مستغرباً: ما الذي تفعله؟ لماذا تؤذيها؟ لكن جسده ولسانه لم يعودا ملكاً له، بل كان كالسجين المعتقل داخل عقله، يقوده جلاد مجهول من خلف الستار.
لم يقتصر الانهيار على بيته، بل امتد بسرعة ليعصف بنجاحه المهني فغابت رغبته في العمل، وتشتت ذهنه بالكامل، وخسر صفقات كبرى كان قد سهر الليالي لإتمامها، وبات التراجع يلاحقه في كل خطوة. وفي المنزل، ساءت الأمور لدرجة لا تطاق؛ هجر غرفتهما المشتركة، وأصبح مجرد سماع صوت زوجته يشعل في داخله رغبة عارمة في تحطيم الأثاث، وتملكه هاجس يومي واحد وملح، وهو أن ينهي هذا الزواج ويطردها مع الأطفال خارج حياته، بينما كانت هي تبكي صامتة، تنظر إليه بعينين مليئتين بالرجاء والخوف.
وفي الليلة التي قرر فيها حزم حقائبه ومغادرة المنزل بلا عودة، حدثت نقطة التحول. كانت زوجته قد بدأت تدرك بحسها وإيمانها أن هذا النفور المفاجئ ليس من طباعه، فرفضت الاستسلام لفكرة الفراق، ولجأت إلى الدعاء والرقية الشرعية، وملأت البيت بصوت القرآن الذي كان يسبب له في البداية صداعاً قاتلاً ويجعله يثور، لكنها كانت تتحمل وتصبر.
وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت تقوم بتنظيف دقيق وعميق للمنزل علها تطرد تلك الكآبة الخانقة، عثرت في إحدى زوايا البيت المهجورة، خلف خزانة خشبية ثقيلة لم يتم تحريكها منذ سنوات، على كيس غريب متسخ ملفوف بعناية.
عندما فتحته بمساعدة أحد الثقات، وجدا بداخله أوراقاً تالفة كُتب عليها اسمه واسم زوجته بطلاسم مبهمة، وخيوطاً معقودة بعقد غريبة، وصورة قديمة لهما ممزقة من المنتصف. وبمجرد أن قاما بحل تلك العقد وغسل تلك الأوراق بالماء المقرّب من الطهارة، شعر وكأن جبلاً كبيراً كان جاثماً فوق صدره قد تفتت وتلاشى فجأة. استنشق الهواء بعمق لأول مرة منذ أشهر، ونظر إلى زوجته فرأى وجهها الحقيقي النقي الذي اشتاق إليه، وارتمى في حضنها يبكي كطفل خائف اعتصرته الكوابيس.
ولم يطل الوقت حتى افتضح أمر تلك القريبة التي قادها الغل والحسد للجوء إلى الدجالين لتدمير بيته، بعد أن اختلف معها الساحر على المال وسرّب تسجيلاتها الصوتية لتنكشف حقيقتها وتصبح معزولة تواجه عواقب فعلتها.
عاد الدفء إلى البيت تدريجيآ، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي. لكنه، في لحظات السكون التي تلي صخب اليوم، كان يجد نفسه واقفاً يتأمل تلك الزاوية المظلمة خلف الخزانة الثقيلة.. ينظر إلى الغبار المتطاير في ضوء الشمس المتسلل من النافذة، ويفكر في تلك العقد التي حلت… وتلك التي ما زالت معقودة في زوايا أخرى من هذا العالم، بعيداً عن الأعين.