الرؤیة والحداثة

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان الشويلي
التاريخ: 21 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3426
الرؤیة والحداثة

باديء ذي بدء علينا أن نقرر سلفا ان الحداثة التي طالت مستويات الأدب، والفنون، وكل شيء في حياتنا، وأحدثت تحولا جذريا في ما طالته، ومنه أجناس الأدب، والفنون كذلك، إذ زعزعت الكثير من المفاهيم في هذين المجالين، والتي كانت سائدة في عصور سابقة، وهي العصور التي يمكن تسميتها بعصر ما قبل الحداثة، وقد جاءت هذه الحداثة بعد نضال طويل من الأدباء، والفنانين، الأوروبيين خاصة، لايجاد طرق جديدة في التعبير في مجالي الأدب، والفن.
وقد قيل الكثير عن مصطلح، ومفهوم، الحداثة على كافة المستويات، وخاصة في مجالي الأدب، والفن. إذ ينظر البعض الى ان الحداثة في الشعر، مثلا، هي مغادرة عمود الشعر أولا، عند ذلك تم ميلاد شعر التفعيلة، أو الشعر الحر، على يد السياب، ونازك الملائكة، فقلنا ان ذلك حداثة. وكذلك عندما غادر بعض الشعراء الشعر العمودي، القالب الخليلي، وشعر التفعيلة، الشعر الحر، وأسس شعر ليس فيه عمود يتكيء عليه في قصائده، ولا فيه وزن، ولا قافية، وانما فيه شروط غير هذه، وتلك، وأطلقوا عليه مصطلح الشعر النثري، أو قصيدة النثر، فقلنا ان هذه حداثة.
وعلى مستوى النثر، ومجاله القصص القصيرة، والرواية، فقد غادر الكتاب طريقة الحكاية، والسالفة، والحدوتة، واستوردوا من الغرب القصة القصيرة، والرواية الفنية، ذات الأسلوب المتغير عن الاسلوب الذي غادروه، كما كتبها الكتاب الغربيين منذ قرنين من الزمن، فقلنا هذه هي الحداثة.
وعلى مستوى الفن فقد غادر الفنانين العرب رسوم الواسطي الواقعية الى النخاع، واستوردوا المدارس الفنية من الغرب بشتى تجلياتها، وتحت أسماء كثيرة، فقلنا هذه حداثة.
فهل الحداثة هي كل ما استوردوه من الغرب، أم ان هناك ما هو حقيق بأن يحمل هذه التسمية؟
هل المطلوب من الحداثة أن تصيب الشكل أم المطلوب منها أن تصيب الشكل، والمضمون، سوية؟ بحيث يخلق تجربة تتسم بالعمق، وهذا ما سنتحدث.
بعد أكثر من خمسين سنة قضيتها في قراءة، وكتابة، الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، ومزاولة الرسم التشكيلي، أقول ان الحداثة ليست هي كذلك التي قيل عنها، ليست هي في الشكل الخارجي غير المستقر، وعرضة للتغير، والتبدل، انها أعمق من كل ذلك.
في الشعر مثلا، وعلى مستوى الشعر العمودي، كل الشعراء منذ قيل أوّل بيت شعري الى الآن، ينظمون قصيدة هجائية، والكل يقول ما قاله زميله من الشعراء في الهجاء، إلا في بعض التفصيل الذي لا يخرج الشاعر من نقل أفكار، ومشاعر، شاعر آخر، أو تتبعه الحذو بالحذو. وكذلك القول عن شعر الوصف، وشعر المديح، …الخ، وكأنهم يسيرون على سكة الحديد التي يسير عليها القطار في نزوله من بغداد الى البصرة، أو في صعوده من البصرة الى بغداد، ويمر بالمحاط ذاتها، والراكب يقاسي الظروف نفسها.
نتساءل: هل يمكن أن نسمي هذا الذي حدث على انه حداثة؟
فعلى مستوى الشعر، لقد كتب الشاعر بدر شاكر السياب شعره الذي أطلق عليه الشعر الحر، شعر التفعيلة، فإنبرى النقاد، والمهتمين بالشعر، وقالوا هذا شعر حديث، فيما لو قرأنا كل شعر السياب الحر سنخرج بالكثير من القصائد التي كتبت على طريقة شعر التفعيلة التي لا يمكن أن نصفها على انها قصيدة حديثة، فما هو السبب في ذلك؟
الحداثة الحقيقية كما ترى هذه السطور، ولا أعمم هذا الرأي، هو مجال الرؤية التي يملكها الشاعر، وكذلك القاص، والروائي، والفنان التشكيلي، ويصبها في نتاجه، هذه الرؤية التي تعطي صفة الحداثة لكل كاتب أو فنان.
كيف كان هذا الشاعر ينظر الى هذه الأشياء، هل كان ينظر لها بمنظار زميله الشاعر المعاصر له، أو الشاعر الذي عاش قبل مئات السنين؟ أم كان يحمل منظارا مختلفا يريه الأشياء حسب زمنها، ومكانها؟
فقصيدة جرير التي يرثي فيها زوجته أمّ حَزْرة، أكثر حداثة من السياب في قصيدته التي يرثي بها جدته، والقصيدتان كتبتا كشعر عمودي.
يقول جرير في أوّل القصيدة:
لولا الحياءُ لـــــهاجَني استعبارُ
ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
وَلَقَد نَظَرتُ وَما تَمَتُّعُ نَظــــرَةٍ
في اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفارُ
ويقول كذلك:
ولقد أراكِ كُسيتِ أجــملَ منظرٍ
مع الجَمالِ سكينةٌ ووقــــارُ
فيما يقول السياب:
أسلمتني أيدي القضا للشجون
إذ قضى من يردني لسكوني
و رمى سهمه بقية آمالــــــي
فخرت صريعة مــن عيوني
ويقول السياب في قصيدة أخرى يرثي بها حبيبته السابقة:
شبّاك وفيقة بالقريه
نشوان يطلّ على الساحه
كجليل تنتظر المشيه
ويسوع ينشر ألواحه
ايكار يمسّح بالشمس
ريشات النسر وينطلق
ايكار تلقّفه الأفق
ورماه إلى اللجج الرمس
إذن هذه قصيدة تحمل رؤية ذات طابع حداثوي ينهل من مضان الأسطورة الكثير مما يفجر نبضات قصيدته، ويجعلها قصيدة حديثة ليس كما في قصيدة “جدتي” ذات الرؤية القديمة للأشياء، والأمور.
هكذا كتب الشاعران جرير، والسياب، قصيدتيهما برؤية حداثية رغم ان جرير هو شاعر ولد قبل ألف عام.
ويكتب الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى معلقته المشهورة، ويذكر العراق فيها(1)، إذ يقول:
فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها
قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ
فيما يكتب السياب قصيدته “غريب على الخليج” وكلها حيوية، ونشاط، ورؤى جديدة تختلف عن رؤية الشاعر الجاهلي. يقول فيها:
أعلى من العبَّاب يهدر رغوُهُ ومن الضجيج
صوتٌ تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق
كالمد يصعد، كالسحابة،
كالدموع إلى العيون
الريحُ تصرخ بي عراق
والموج يُعوِل بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!
البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
والبحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررتُ بالمقهى، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانهْ
هي دورة الأفلاك من عُمُري، تكور لي زمانهْ
ويقول فيها أيضا:
لو جئت في البلد الغريب إليَّ
ما كمل اللقاءْ!
الملتقى بك والعراق على يدي
هو اللقاءْ!
وهكذا أيضا جعلنا الرؤية واحدة من كفوف الميزان المتعدد الكفوف الذي نقيس به حداثة الشعر، لا شكله المتغير فقط. أما على مستوى الكتابات النثرية الابداعية، كالقصة القصيرة، والرواية، فإنها لا تخلو من مثل هذا القول الذي يجب على الحداثة أن تغير الرؤية لا تغير الشكل. ولو تصفحنا الروايات الأولى للكاتب العراقي حازم مراد لوجدناها لا تعدو ان تكون حكاية شعبية يحكيها “القصة خون” في مقاهي بغداد، لا رواية فنية تحمل حداثة الرؤية في كل عناصرها، بل انها لا تعدو أن تكون قصة قصيرة في الأفكار، والموضوع، فحسب.
وكذلك القول نفسه ينطبق على كتابات الكاتب المصري عبد الحميد جودة السحار، وقبله المنفلوطي، واللبناني جرجي زيدان، على سبيل المثال لا الحصر.
أما على مستوى الفن التشكيلي فتكفينا لوحات عبد القادر الرسام، لنقارنها مع نصب جواد سليم، في نصب الحرية، ونصب السجين السياسي، وكذلك رؤى الفنان الدكتور علاء بشير خاصة في نصب الصرخة. ولوحات حافظ الدروبي، وشاكر آل سعيد، وكيف ان رؤاهم غيرت نظرتهم للفن التشكيلي لا تغيرالشكل هو الذي أوحى لهم بتلك اللوحات، والنصب.
اذن تغير الشكل لا يأتي بالحداثة، الذي يأتي بها أولا الرؤية. وسنتحدث عن بقية العناصر الجالبة للحداثة، فالشكل غير مهم في النصوص الأدبية، المهم هو الرؤية، وماذا، وكيف تقول هذه الرؤية، وحتما ان الشكل سيتغير بتغير الرؤية، والعناصر الأخرى.

الهوامش:
1 – هذه القصيدة هي رد لمن يقول ان العراق قد ولد بعد عام 1921، وقد أنشأه الانكليز من تجميع ولايات متنافرة.

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان الشويلي
داود سلمان الشويلي
ناقد .شاعر .روائي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“وجه أمي”

“وجه أمي”

وجه أمي ((رغيف خبز عند الفجر وجه أمي ورشفة شاي تكبيرة تصدح في السماء وصلاة…

صورة الكاتب داود سلمان الشويلي
25 مارس 2026
اقرأ المزيد
في يوم المرأة العالمي نودع السيدة لطفية الدليمي

في يوم المرأة العالمي نودع السيدة لطفية الدليمي

في يوم المرأة العالمي نودع السيدة لطفية الدليمي : تعازينا الحارة للأخوة الأدباء العراقيين، والعرب،…

صورة الكاتب داود سلمان الشويلي
9 مارس 2026
اقرأ المزيد
الحركات والمجموعة الشعرية (قبل أن يستيقظ البحر)     قصيدة “عيني عليكِ ترسمني” للشاعر حسين السياب إنموذجا

الحركات والمجموعة الشعرية (قبل أن يستيقظ البحر) قصيدة “عيني عليكِ ترسمني” للشاعر حسين السياب إنموذجا

الحركات والمجموعة الشعرية (قبل أن يستيقظ البحر)   قصيدة “عيني عليكِ ترسمني” للشاعر حسين السياب…

صورة الكاتب داود سلمان الشويلي
27 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الرؤیة والحداثة

بقلم: داود سلمان الشويلي | التاريخ: 21 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

باديء ذي بدء علينا أن نقرر سلفا ان الحداثة التي طالت مستويات الأدب، والفنون، وكل شيء في حياتنا، وأحدثت تحولا جذريا في ما طالته، ومنه أجناس الأدب، والفنون كذلك، إذ زعزعت الكثير من المفاهيم في هذين المجالين، والتي كانت سائدة في عصور سابقة، وهي العصور التي يمكن تسميتها بعصر ما قبل الحداثة، وقد جاءت هذه الحداثة بعد نضال طويل من الأدباء، والفنانين، الأوروبيين خاصة، لايجاد طرق جديدة في التعبير في مجالي الأدب، والفن.
وقد قيل الكثير عن مصطلح، ومفهوم، الحداثة على كافة المستويات، وخاصة في مجالي الأدب، والفن. إذ ينظر البعض الى ان الحداثة في الشعر، مثلا، هي مغادرة عمود الشعر أولا، عند ذلك تم ميلاد شعر التفعيلة، أو الشعر الحر، على يد السياب، ونازك الملائكة، فقلنا ان ذلك حداثة. وكذلك عندما غادر بعض الشعراء الشعر العمودي، القالب الخليلي، وشعر التفعيلة، الشعر الحر، وأسس شعر ليس فيه عمود يتكيء عليه في قصائده، ولا فيه وزن، ولا قافية، وانما فيه شروط غير هذه، وتلك، وأطلقوا عليه مصطلح الشعر النثري، أو قصيدة النثر، فقلنا ان هذه حداثة.
وعلى مستوى النثر، ومجاله القصص القصيرة، والرواية، فقد غادر الكتاب طريقة الحكاية، والسالفة، والحدوتة، واستوردوا من الغرب القصة القصيرة، والرواية الفنية، ذات الأسلوب المتغير عن الاسلوب الذي غادروه، كما كتبها الكتاب الغربيين منذ قرنين من الزمن، فقلنا هذه هي الحداثة.
وعلى مستوى الفن فقد غادر الفنانين العرب رسوم الواسطي الواقعية الى النخاع، واستوردوا المدارس الفنية من الغرب بشتى تجلياتها، وتحت أسماء كثيرة، فقلنا هذه حداثة.
فهل الحداثة هي كل ما استوردوه من الغرب، أم ان هناك ما هو حقيق بأن يحمل هذه التسمية؟
هل المطلوب من الحداثة أن تصيب الشكل أم المطلوب منها أن تصيب الشكل، والمضمون، سوية؟ بحيث يخلق تجربة تتسم بالعمق، وهذا ما سنتحدث.
بعد أكثر من خمسين سنة قضيتها في قراءة، وكتابة، الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، ومزاولة الرسم التشكيلي، أقول ان الحداثة ليست هي كذلك التي قيل عنها، ليست هي في الشكل الخارجي غير المستقر، وعرضة للتغير، والتبدل، انها أعمق من كل ذلك.
في الشعر مثلا، وعلى مستوى الشعر العمودي، كل الشعراء منذ قيل أوّل بيت شعري الى الآن، ينظمون قصيدة هجائية، والكل يقول ما قاله زميله من الشعراء في الهجاء، إلا في بعض التفصيل الذي لا يخرج الشاعر من نقل أفكار، ومشاعر، شاعر آخر، أو تتبعه الحذو بالحذو. وكذلك القول عن شعر الوصف، وشعر المديح، …الخ، وكأنهم يسيرون على سكة الحديد التي يسير عليها القطار في نزوله من بغداد الى البصرة، أو في صعوده من البصرة الى بغداد، ويمر بالمحاط ذاتها، والراكب يقاسي الظروف نفسها.
نتساءل: هل يمكن أن نسمي هذا الذي حدث على انه حداثة؟
فعلى مستوى الشعر، لقد كتب الشاعر بدر شاكر السياب شعره الذي أطلق عليه الشعر الحر، شعر التفعيلة، فإنبرى النقاد، والمهتمين بالشعر، وقالوا هذا شعر حديث، فيما لو قرأنا كل شعر السياب الحر سنخرج بالكثير من القصائد التي كتبت على طريقة شعر التفعيلة التي لا يمكن أن نصفها على انها قصيدة حديثة، فما هو السبب في ذلك؟
الحداثة الحقيقية كما ترى هذه السطور، ولا أعمم هذا الرأي، هو مجال الرؤية التي يملكها الشاعر، وكذلك القاص، والروائي، والفنان التشكيلي، ويصبها في نتاجه، هذه الرؤية التي تعطي صفة الحداثة لكل كاتب أو فنان.
كيف كان هذا الشاعر ينظر الى هذه الأشياء، هل كان ينظر لها بمنظار زميله الشاعر المعاصر له، أو الشاعر الذي عاش قبل مئات السنين؟ أم كان يحمل منظارا مختلفا يريه الأشياء حسب زمنها، ومكانها؟
فقصيدة جرير التي يرثي فيها زوجته أمّ حَزْرة، أكثر حداثة من السياب في قصيدته التي يرثي بها جدته، والقصيدتان كتبتا كشعر عمودي.
يقول جرير في أوّل القصيدة:
لولا الحياءُ لـــــهاجَني استعبارُ
ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
وَلَقَد نَظَرتُ وَما تَمَتُّعُ نَظــــرَةٍ
في اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفارُ
ويقول كذلك:
ولقد أراكِ كُسيتِ أجــملَ منظرٍ
مع الجَمالِ سكينةٌ ووقــــارُ
فيما يقول السياب:
أسلمتني أيدي القضا للشجون
إذ قضى من يردني لسكوني
و رمى سهمه بقية آمالــــــي
فخرت صريعة مــن عيوني
ويقول السياب في قصيدة أخرى يرثي بها حبيبته السابقة:
شبّاك وفيقة بالقريه
نشوان يطلّ على الساحه
كجليل تنتظر المشيه
ويسوع ينشر ألواحه
ايكار يمسّح بالشمس
ريشات النسر وينطلق
ايكار تلقّفه الأفق
ورماه إلى اللجج الرمس
إذن هذه قصيدة تحمل رؤية ذات طابع حداثوي ينهل من مضان الأسطورة الكثير مما يفجر نبضات قصيدته، ويجعلها قصيدة حديثة ليس كما في قصيدة “جدتي” ذات الرؤية القديمة للأشياء، والأمور.
هكذا كتب الشاعران جرير، والسياب، قصيدتيهما برؤية حداثية رغم ان جرير هو شاعر ولد قبل ألف عام.
ويكتب الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى معلقته المشهورة، ويذكر العراق فيها(1)، إذ يقول:
فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها
قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ
فيما يكتب السياب قصيدته “غريب على الخليج” وكلها حيوية، ونشاط، ورؤى جديدة تختلف عن رؤية الشاعر الجاهلي. يقول فيها:
أعلى من العبَّاب يهدر رغوُهُ ومن الضجيج
صوتٌ تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق
كالمد يصعد، كالسحابة،
كالدموع إلى العيون
الريحُ تصرخ بي عراق
والموج يُعوِل بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!
البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
والبحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررتُ بالمقهى، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانهْ
هي دورة الأفلاك من عُمُري، تكور لي زمانهْ
ويقول فيها أيضا:
لو جئت في البلد الغريب إليَّ
ما كمل اللقاءْ!
الملتقى بك والعراق على يدي
هو اللقاءْ!
وهكذا أيضا جعلنا الرؤية واحدة من كفوف الميزان المتعدد الكفوف الذي نقيس به حداثة الشعر، لا شكله المتغير فقط. أما على مستوى الكتابات النثرية الابداعية، كالقصة القصيرة، والرواية، فإنها لا تخلو من مثل هذا القول الذي يجب على الحداثة أن تغير الرؤية لا تغير الشكل. ولو تصفحنا الروايات الأولى للكاتب العراقي حازم مراد لوجدناها لا تعدو ان تكون حكاية شعبية يحكيها “القصة خون” في مقاهي بغداد، لا رواية فنية تحمل حداثة الرؤية في كل عناصرها، بل انها لا تعدو أن تكون قصة قصيرة في الأفكار، والموضوع، فحسب.
وكذلك القول نفسه ينطبق على كتابات الكاتب المصري عبد الحميد جودة السحار، وقبله المنفلوطي، واللبناني جرجي زيدان، على سبيل المثال لا الحصر.
أما على مستوى الفن التشكيلي فتكفينا لوحات عبد القادر الرسام، لنقارنها مع نصب جواد سليم، في نصب الحرية، ونصب السجين السياسي، وكذلك رؤى الفنان الدكتور علاء بشير خاصة في نصب الصرخة. ولوحات حافظ الدروبي، وشاكر آل سعيد، وكيف ان رؤاهم غيرت نظرتهم للفن التشكيلي لا تغيرالشكل هو الذي أوحى لهم بتلك اللوحات، والنصب.
اذن تغير الشكل لا يأتي بالحداثة، الذي يأتي بها أولا الرؤية. وسنتحدث عن بقية العناصر الجالبة للحداثة، فالشكل غير مهم في النصوص الأدبية، المهم هو الرؤية، وماذا، وكيف تقول هذه الرؤية، وحتما ان الشكل سيتغير بتغير الرؤية، والعناصر الأخرى.

الهوامش:
1 – هذه القصيدة هي رد لمن يقول ان العراق قد ولد بعد عام 1921، وقد أنشأه الانكليز من تجميع ولايات متنافرة.