“عودة الجد الأكبر” شعرية الإنجاز القصصي

صورة الكاتب
بقلم: أ.د. حسين حمزة الجبوري
التاريخ: 21 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3647
“عودة الجد الأكبر” شعرية الإنجاز القصصي

“عودة الجد الأكبر” شعرية الإنجاز القصصي

قصص عبد الامير المجر في هذه المجموعة القصصية التي تطرح أسئلة كبيرة من ظواهر تجري على الأرض والواقع اليومي ، و قد بدت هذه القصص وكأنّها مرآة كبيرة يرى المرء من خلالها تحولاته الذاتية ، وتحوّلات ما يشعر به المجتمع من خوف في ظل ” أزمة كبرى ” يمرّ فيها ، فهذا المجتمع والإنسان فيه يبحث عن المصير الفردي الذي يقلقه ، ويثير مخاوفه الوجودية بعمق ، في إطار الهم الاجتماعي العام ، لتبدو أسئلته إلى متى وإلى أين من المظاهر الأساسية في هذه النصوص ومعانيها وخصوصيتها ، مع ذلك لا نجد ثمة خلاص أو حتى أمل في هذا الخلاص – كما نعتقد – فالواقع بات مشوها مضطربا فيه الكثير من مشكلات الحياة ، و اختلالات الوعي الفردي والجماعي ، وهذه المشكلات هي امتداد لصور الماضي البعيد والقريب ، وتتكشف فيها أحداث و ظواهر قديمة في التاريخ الاجتماعي والثقافي ، وهي ماتزال تتفاعل في الحاضر ، بما فيها الكثير من ” الطيات ” الثقافية المضمرة التي تنفجر مع كل أزمة من أزمات الدهر ، لهذا أخذت هذه القصص سبيل الواقعية ” النقدية ” نهجا أدبيا ، لتجسيد عوالم هذا التخييل السردي الإبداعي الذي يقرأ التاريخ ، وظواهر الإنسان وثقافته المتنوعة بتنوع المجتمع ، و ظهرت العوالم الغرائبية في الحياة والنقدية لاختلالات و تشوهات الوعي واضطرابه ، ومن ثم مثلت هذه المجموعة التجربة / التجارب الإنسانية بمفاعليها المختلفة برمزية بيّنة ، و كثيفة في الوقت نفسه انطلاقا من كثافة القصة القصيرة ؛ وقد ظهرت سمات الشعرية الخاصة في هذه القصص التي عمّد إليها القاص وقصدها ، ولعل أبرز هذه السمات ادخالنا في ” لجة ” الأزمة الكبرى منذ الاستهلال ،بكوابيسها وصورها ” البشعة ” / – ينظر قصص ” مرآتي في اليوم الخامس “و قصة ” رؤوس ” وقصة ” حارسان ” وقصة ” ذئاب بعيدة ” …إلخ ، / و تترافق مع هذه الأزمات طرح أسئلة مختلفة لتتبين من خلالها صور أو مشاعر – الخوف والضياع والدهشة والتأمل والغرائبي والقلق والانتظار والاغتراب والتوحش …إلخ – لما جري قديما ، و تكرر في الحاضر ، وكأن المجتمع ذاته يكرر نفسه في كل حين ، وهو يسعى دوما إلى استلهام هذه الأزمات دون نقدها أو في الرفض السوي لها ولقيمها المتخلفة ، والمختلة ، وهي قيم مأساوية ، وساذجة تثير الاختلافات القاتلة والانشقاق المختلفة ، و تبدو فيها اختلال المفاهيم والقيم ” الإنسانية ” ، ومن ثم فان كل هذه الاختلالات تعبر عن هذه المعاني لا على نحو إبداعي للتغيير الإيجابي بل في اضطرابها من جديد ودون هوادة ” عند اعلى قريته القديمة كان واقفا يتأمل بصمت التلّة التي وقف عليها قبل أربعين سنة وأكثر ، ممسكا بكتاب ( الوجود والعدم ) ….. كان يعتقد أنه يبحث عن أجوبة لأسئلة صارت تتوالد بسذاجة داخلَه ، واكتشف أخيرا أنه كان يضيف المزيد منها حتى كّبلته وجعلته يعيش في دوّامة تاهت فيها أعوام عمره …” 17 أو ” كان صوت الشاب غاضبا وهو يُكلّمه بالهاتف ..بتحدّث له عمّا رآه في فضائية (النور الجديد ) قبل أن يختم كلامه بعبارة اخترقت صدره كالسهم : للأسف لم أكن اعتقد أنك كُنت كذلك !” 31 و يظهر في الاستهلال – أيضا – أسئلة الضياع أو هذه الثيمة وذلك رغبة الوصول إلى الأرض – المستقر – وإلى الأهل وإلى الأم – التي يتكرر ضياعها – ” صرتُ أُغذّي أيامي بطيف أمي التي تسكنني ولم أشعر بطعم يشبه أيامي معها ” وكانت القصة قد بدأت بهذا الاستهلال المؤلم “أمك ماتت يا بُنيّ !!” 6 وهكذا كان البحث عن الأب أو الجد ، كما نجد – أيضا – ثيمة أساسية في المجموعة ، ونعني بها ” الرحلة والبحث ” واقترانهما ” بالتيه ” والبحث عن الجذور كما في قصص ” الظل ” ، و ” رحلة العائلة ” وقصة ” رحلة البحث عن الأب ” و” وعودة الجد الأكبر” وقصة ” يوم الإعصار الرهيب “…. إلخ ؛ ونجد هنا أيضا ثيمة الاستغراب كما في قصة ” القطار القديم ” ( عندما وصلت الباب الضيق الذي يضيق ويتّسع ،وجدته مفتوحا فهبطت بهدوء وحدي ..كان طيف أمي يطفو في الأفق كالسراب ويبتعد كثيرا عن سكّة القطار الذي كان يتمدّد ولم أجد له مقدّمة أو مؤخرة ..طيف أمي يتلاشى وأنا خلفها يغمرني الأفق بنشوة وخدر ولم اعد أشعر بشيء ولم أعرف إلى أين كان يتّجه القطار!” 25 وفي قصة ” فُقداناتٌ ” ( عندما خرجت من بيتي صباحا ، لفت انتباهي وجود أناس كثيرين يقفون عند لوحات الإعلانات التي في الشوارع .. … صعقني وجود صورتي مع إعلان يتحدث عن فقداني ..) 37 . وفي ” قصتي ” يوم اختفى الشهود ” و في ” الباب الأخير ” 26 و تظهر سمات الأوهام الكبيرة وخرافاتها ، لاسيما وان القصة القصيرة أصلا جاءت من ” الخرافة ” لهذا بدت الخرافة بصور غرائبية مقترنة باغتراب الإنسان ، وتوحش صورته ، وتشويهها نتيجة لما يجري ، فقد استطالت ” أذان ” الفتي على نحو غرائبي واستطال شعر رأسه بكثافة ، وانعزل عن الناس بحجز نفسه في غرفته في قصة ” زمن الفني الجميل ” ؛ حتى أضحت القصص كأنها كوابيس تحيط الشخصية من كل مكان وتحبط مسعاه الإنساني ، وهذه الكوابيس تحيط بالمجتمع كله ، وهي تعكس ما تشعر به هذه الشخصية / الشخصيات إزاء اختبار المصير في إطار رحلة التيه ، المصاحب لوقائع الأحداث التي تجرى في إطار وقائع تاريخية أسطورية تأخذ مداها الزمني البعيد، و القريب و الحاضر ، وهي كلّها وقائع مؤلمة وقاسية ، وخطيرة تهدد الكيان الإنساني وتشوهه ، حتى لكأن كل الأسئلة تسهم في الإيحاء إلى ” التجنيس ” أو ” التنميط ” أو ” دمج ” الإنسان في اغترابه الذي يشعر به ، والذي فُرض عليه على نحو عنيف دون رحمة في ظل الأزمة الموحشة ، وتبرز هنا – أيضا – أسئلة ” الهوية ” كما في ” عودة الجد الكبير ” وفي قصة ” الظل ” و قصة ” رحلة البحث عن الأب ” ولكل صورة من هذه الصور رمزها الذي يتمثل في سياق النصّ سواء أكان داخل الذات القلقة الخائفة المستلبة – دائما – أم في الخارج من وقائع العالم الخارجي المأزوم والمضطرب ، بمعنى أن الواقع الخارجي هو الآخر يشبه عالم القصص مع الانزياحات الضرورية في كل تخييل فني للعالم الشعري ، وهنا تتمظهر المفارقة الشعرية في القصص ، في سيماء الصورة السردية التي تخلقها لغة العامة ،- مثلا – وملفوظاتها ووجهات نظرها اللغوية والنفسية والإيديولوجية مرّة ؛ و لغة النخبة ” السياسية ” مرّة أخرى بثنائيات تريد منها بيان إشكاليات النص والعالم ، فالرموز بكل مفاصلها تتبادل ” الدوال ” وتتبادل المواقع بين اللغتين ” لغة العامة ولغة النخبة ” أو تتبادل دوال الخطابين على نحو أدق – مثلا – في لغة العامة كانت السخرية من ” الألقاب ” – الرؤوس – شائعة عند العامة وتحمل نقدا لمقولة ” الرؤوس الكبيرة ” ودالها ، في حين أن ” الرؤوس ” هم القادة والمسؤولين عند “مؤدلجي ” السلطة ،وخطابها فهم ” تيجان الرؤوس ” بحسب وجهات نظر السلطة ، وهذه النخبة تعتز و تفتخر بهذه التسمية أو الألقاب مع أن هذا هو الوهم اللغوي الكبير والمختلف عليه ، وهو تحريف دلالي في خطاب هذه النخبة بحسب وجهة نظر خطاب العامة أو الشعب الناقم ،والناقد للنخبة وللرؤوس والساخر منهم ومن خطابهم المزيف ، و اخبارهم الكاذبة في كل حين وساعة مما أدى إلى أن استطالت أذان الفتى الجميل كما في قصة ” زمن الفتي الجميل ، وقد كان القاص يريد هذا الأمر – كما نرى – للنقد ،و للسخرية ” الكوميديا السوداء ” من السلطة ورجالها ، و الإضاءة والكشف للزائف في الخطابات النخبة ، و من ثم بيان الفوارق بين الخطابين – وهذه السمة ونعني التناقض في الخطابات نجدها في كل خطابات القصص في المجموعة – وهي ” حوافز ” تركيبية ، ومع ذلك نظل جميعا نعاني ” الاغتراب ” على الرغم من المقاومة الثقافية للعامة – الشعب لخطاب السلطة المهيمنة ، ولاسيما في بيان الفوراق في الوقائع الحياتية اليومية في ظل الأزمة الكبرى التي نعيشها في القصص ، و لا نجد لهذه الأزمة والاسئلة أجوبة لاسيما تلك التي تخص مصائرنا ، مع تتابع الأزمات منذ زمن بعيد ، وليس الان ، بمعنى أنها بدت وكأنها مسار ثقافي افترضته كل السلطات القديمة والحديثة للحياة والمجتمع ، – ينظر مثلا ” عودة الجد الأكبر ” – فضلا عن ذلك فأننا نجد في هذه الشعرية التخيلية ثمة أصرار على التنوع الأسلوبي سواء في الزمن كما هو الحال في الاسترجاع و التلخيص والحذف والاستباق ..إلخ لبيان وقائع تاريخنا مختلفة ” وقفت قبل أربعين سنة أو أكثر ..” أم في لعبته اللفظية التي تلخص الزمن بما يتسق مع شعرية القصة القصيرة كما ” في قصة ” لعبة الزمن ” ( يأخذني إلى عوالم بعيدة وقريبة ) 57 وفي قصة “صفحة واحدة تكفي ! ” …إلخ فلقد لجأ القاص إلى جمل لغوية زمنية قصيرة تلخص تاريخ الشخصية الأولى ، ولحظة ” تنوير ” الراوي المستمع الذي يبث الحكاية/ أو المروى له الضمني / لما تقوله تلك الشخصية في القصة ، وهنا أيضا تبرز ثيمة ” ضياع الزمن والإنسان معا ” كأننا نعيش أوهاما فرضت علينا ، أو أننا بتنا لا نشعر بشيء من أثر الزمان والمكان لاغترابنا عن العالم الذي نعيشه ” مددت يدي لأحتضنه وأواسيه ، لكنني أمسكت بفراغ . كررت المحاولة لكني صرت كمن يدور حول نفسه ، حتى اعيتني الحركة وشعرت بالدوار . تقدم اثنان من النُدل وأمسكا بي ، فكنت بين أيديهما كالرضيع ” 59 ولقد أسهمت الشعرية في هذه المجموعة القصصية في بيان دالها من خلال ” التركيب ” الذي اهتم به النقد الشكلي لاسيما و أن ” الصنعة الشعرية ” التي اكتسبتها القصة القصيرة مع الراوية ، هي من نتاج العصر “العلمي النقدي ” كما يقول فرانك أوكونور في الصوت المنفرد : 24 وهذا العصر العلمي جعل من النقد ” علما ” فكانت قيم أو ” قوانين” النظرية الشكلية عميقة في قراءة التركيب الشعري ، ومنها شعرية القصة القصيرة التي كانت” تُعرّف ” للوهلة الأولى في كثافتها وطولها ، وفردية حدثها الذي ربما يقتصر على مشهد واحد ، أو شخصية واحدة ، ولكن في قضايا ” الشكلية ” تمت إضافة سمات أخرى للقصة القصيرة الجديدة ، بحسب وجهة نظر سوزان لوهافر التي تقول فيها : ” ما يجعل القصة الجديدة مختلفة هو ” تملقها للذات على أنها محور العالم ، وربما يكون العالم صغيرا او مزيفا أو مأساويا او غبيا … وقد يكون مألوفا ، أو غريبا ، محسوسا او مجردا ، موجودا أم متخيلا ، وربما يكون مجرد الجزء الأكثر غرابة ومع هذا فإنه يلقي ظلا كاملا على عقولنا أنه سيتمحور حول الذات . ذات من؟ ذات شخص واحد في الأغلب ،دائما ذات الكاتب وذات القارئ لكن ذلك تخمين …” الاعتراف بالقصة القصيرة : 21 – لهذا فان كثافة القصة القصيرة واهتمامها و” تملقها ” للذات فضلا عن ” الحافز ” الذي يحرك الفعل بحركة أفقية وعمودية للقصة ، أسهمت في إظهار لعبة الزمان والمكان ، و كل هذه سمحت للقصة القصيرة أن تفرض تحليلها للشخصية من داخلها ، وما تشعر به ، وتتابع تطوره ، و تطرح أسئلته الوجودية على نحو مكثف وموجز – أيضا- ،من خلال التركيب الشعري ، وفي هذ ا ” التركيب ” المكثف الموجز نجد في القصة القصيرة – دائما – مضمرات ومساحات بيضاء لقصرها ، و إيجازها الذي يحول من دون أن تفصّل القصة في بنية الشخصية أو في اسهابها في وصفها للشخصية ، و وجهات نظرها أو في شعرية الزمان والمكان أيضا ، و في إطار هذه السمات تبدو” معاني ” القصة القصيرة ، وكأنّها ” موتيفات وشذرات ” مبثوثة بإيجاز في القصة القصيرة ، منها نصية وأخرى معلقة فوق القصة ، تجعل المتلقي أو ” تفرض ” عليه الكشف عن معانيها من حلال التأويل لأن لا وجود لمعنى مركزي واحد أبدا في أي نص شعري فثمة ” طيات “و معان مختفية في كل نص من النصوص ، ومن ثم يسعى المتلقي إلى ” اضاءة “الداخل و مقاصده ، ليتأمل في ذوات الشخصية وقلقها وخوفها وآمالها المعلقة ، ويؤول رؤيتها للعالم، حتى يدرك معانيها ، ولهذا لا يترك المتلقي هنا أي علامة من العلامات إلا وقد حفر في دوالها ، وهو ما يمكن ان نراه في هذه المجموعة القصصية ، فثمة كثافة وإيجاز تجسدتا في القصص كلها بدقة لغوية دون ترهل ، مثل ذلك في أدراك أو معرفة مشاعر الطفل الذي ضاع في العاصفة أو في القطار ، وكان قد فقد أمه في العاصفة ، أو في أزمة المضي في زمن القطار، هذا القطار الذي يرمز الى التحول ، والتحرك ليس في المكان فحسب بل في التطور النفسي والفكري والزماني للطفل ، وهكذا كان التحوّل المكاني – الزماني الذي غير وجه العالم المحيط به ، وغير وجهة نظر الطفل التي نمت ، وتطورت إلى أسئلة مكثفة عن الضياع أو التيه أو الاحتيار مع متابعة تحولات الطفل الزمانية وقد صار ” عجوزا ” ، في حين لم نجد ذات الأم أو مشاعرها إزاء الفقد إلا على وفق ما نعرفه على نحو يسير من خطاب الراوي العليم أولا ومن خبرتنا الحياتية ثانيا . و ثالثا فأن االراوي يدخل في وعي الأم على نحو موجز ويسير جدا وموجز أو في شذرة موجزة لا أكثر ، وهذا يفرض على المتلقي أن يدرك أو يؤول مشاعر الأم بحسب الوقائع اليومية التي يعرفها من خبرته في الحياة ،وطبيعة العلاقة بين الأم ، و مشاعرها إزاء ضياع الأبناء أو موتهم في الواقع ،و من ثم لا يحتاج الراوي ان يصف وجهة نظر الأم على نحو تفصيلي ، بمعنى ان المتلقي يؤول ما يراه من الواقع الاجتماعي أو من ” الاحتمالية ” من خلال ” الشحنة الانفعالية ” للأم والإنسان التي يقول عنها سعيد بنكَراد ” الإنسان لا يفعل فقط ، إنّه بالإضافة إلى ذلك يُضمّن الفعل شحنة انفعاليّة تحدد درجة الكثافة التي يحقق من خلالها هذا الفعل وهي إشارة أيضا إلى كينونة الذّات الفاعلة وتأثرها في فعلها …” سيميائيّات الأهواء – أما ما كان يشعر به الطفل / الرجل فندركه من خلال النص في خطابه سواء أكان الخطاب المباشرة ، أم غير المباشر بحسب موقع الراوي في السرد ، وهكذا كانت استراتيجية القاص الشعرية الذي يحاول من خلالها رصد العالم ، وطرح أسئلته وأزمته ، وتلخيصها بكثافة لغوية ، و هنا ظهرت ثيمة ” الطيف ” المقترن ب” التيه ” فالطيف يقوم على ما يفقده المرء ، ويظل يتمنى أن يعود الماضي إليه ، وهو يتطلع إلى تحقيق مصيره في المستقبل ” نبوءة الرؤيا ” فيبدو الطيف وسيلة ونهجا للإنسان في البحث عن الأمل ، ومن ثم تبدو ثيمة التيه مصاحبة للطيف دائما ، لهذا كان الطيف ثيمة بارزة في القصص ، فالعاصفة هي الزمن ، والواقع المضطرب الذي يعيشه المرء ، وقد ظهرت في إطار صور أسطورية يختلقها الإنسان في القصص الشعبي ، إذ إن الانسان دائما هو مولّد و منتج لخرافاته ، وللتخييل والأساطير على طول مراحله التاريخية – حتى في العصر الحداثي وما بعد الحداثي – ، وهو يبحث في سيمياء الطيف للوصول إلى حل للمحنة التي يعيشها في إيجاد الأرض – الوطن التي تسكنه روحه وآماله في المجموعات البشرية منذ آدم وحواء / يمكن النظر إلى قصة آدم وحواء في تاريخ الطبري / كما في قصة “يوم الأعصار الرهيب ” وفي رحلة العائلة ” …إلخ و قصة ” أرض الله ” بما فيها من تسامح ” نعم انها ارض الله ” ولكن في هذه القصة عمق أكبر -ربما – فهي من الموضوعات الروحية المقدسة ، و الميثيولوجيا ” بمعنى أن ” التيه والطيف ” الذي أخذ سيماء البحث عن المصير الوجودي فرض تنوعا للأسئلة مع الزمن جعل هذه الاسئلة وجودية لا حدود لها في ظل عالم بدائي – أسطوري ، و عالم الحاضر الحداثي – أيضا – لأن صور النصوص تحمل هذه الأزدواجية ” اسطوري – حداثي ” ومن ثم فأن القراءة تفترض كما يقول مارتن مكويلان : ” الفهم و التساؤل ..” و تعني أيضا ” النسيان والمحو ” في الوقت نفسه ، لتفكيك محور المجاز ، و الصوت الواحد ” الإنعزالي ” ، ولا يمكن تحاشيه لأن الأسئلة مسلك حياتي بالنسبة لمن يستخدم اللغة ، ولهذا تمثلت الأسئلة لصور التيه ” بطيف الأم ، و طيف والأرض ، وطيف الجد و طيف المستقبل وطيف الزمان والمكان ، ومن ثم فأن هذا الطيف كان ضروريا يريد منه الراوي أدراك الوعي في حقيقته وحقيقة هويته العامة ” الهويات ” و في أدراك حقيقة ” الأصل ” الذي يربك كل تصورات الإنسان في وجوده ، وتكوينه ، وقد أربكت هذه المعاني ثيمة التيه – أيضا -، وربما دمرت ” الأصل ” كما في ” عودة الجد الأكبر ” وهذا الإرباك للأصل كان سبيل الفكر الحديث المتخضر والمدني ، وحين نصل إلى أرض ما ، ونشكل المكان أو نصنعه ، أو نؤسس وطن ما ، فأننا نؤسس ” لهويتنا “في الوقت ذاته ، وهي الأخرى ظاهرة مربكة ومضللة ، لأن الهوية مرتبطة دائما بالحضور ” المكاني ” والحضور هنا الأرض أو الأثر ، الذي يفرض حضوره فينا ، لتمكين الهويات أيا كانت من خلقنا وخلقها ، مع أن ” الهويات ” يمكن أن تنتج ” الهويات القاتلة ” وقد شهد التاريخ الإنساني هذه الهويات ، لاسيما وان ” كلمة – هوبة – مضللة ” فهي توحي في بادئ الأمر بحقٍّ مشروع ثم تصبح أداة قتال ، وهذا الانزلاق من دلاله إلى دلاله أخرى يبدو خفيا وطبيعيا ؛ ونحن ننخدع به أحيانا ، فنشجب ظلما يمارس وندافع عن حقوق شعب يعاني ، ولا نلبث أن نجد أنفسنا متواطئين مع مجزرة ترتكب ” 50 – بحسب أمين معلوف في الهويات القاتلة ، ومع ان القاص حاول أن يبتعد عن هذا الجدل بتأكيد أن ” طيف الأم ” المرتبط بمحبة الأم / المرأة كان انسانيا ، يفرض البحث عن وطن برؤية روحية واخلاقية كما في قصة ” أرضُ الله ” لإيجاد مستقر لهم ” نعمْ ، إنها أرض الله وستبقون فيها ! ” 48 ” ولكن في النهاية حضرت ” الهوية القاتلة ” حين توزّع الأبناء في أرض الله وهم يحملون أهواء كثيرة ، بعد أن حلّت المدارس – المعرفة – ، والسلطة التي فرقت بينهم ، وزادت في فضاءاتها الأسئلة الجديدة التي أدهشت شبابها ، وأثارت اضطرب وعيهم أو في تنوعه ، وتلبست بهويات أخرى ” فتنازعوا حتى سال دم كثير في أزقة الحيّ الضيقة ، وسهرت الدموع مع عيون الأمهات الباحثات عن مصائر أولادهن الذين راح بعضهم يبحث عن الله على طريقته ليجد للناس خلاصا ! ..” 49 . وهذه الثيمة – أيضا – كانت في قصة “رحلة العائلة ” يقول لهم الأب الكبير : ” كلكم تقولون هذا وانا لم أعدْ أحدا بشيء ولم أترك أرثا لأحد ..هذا الكوخ هو كل ما املك منذ الاف السنين . ” ..وبدأ السؤال القاتل ” كيف سنواجه العائلة الأخرى التي حطت قربنا ، وغدت منافسا لنا على الإرث الذي أنكره علينا جدنا ” 23 . ومن هنا ربما تبدأ صراعات ” الهويات ” التي كانت هي الأساس والمركز للأزمات أو لأزمتنا الكبرى كلها ” في مجموعة عبد الامير المجر، بما تحمله من ” اغتراب وتوحش وبحث وأطياف ” التي تعيشه الشخصيات كلها منذ التيه الأول وضياع الأم إلى اللاعدالة والاغتراب الإنسان كما هو حال الرجل الذي ضحى من أجل وطنه في قصة ” شخصية وطنية ” ولكنه ظل يعاني شظف العيش والفاقة فيما يتنعم الجلاد والرأس أو الرؤوس واعوانهم بالخيرات حتى صاروا كأنهم آلهة ، فشخصية القصة قاتلت ، ودافعت عن وطنها ، ولكنه خرج خالي الوفاض في هذا الزمن المضطرب العجيب …واللعين.

عن الکاتب / الکاتبة

أ.د. حسين حمزة الجبوري
أ.د. حسين حمزة الجبوري
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“عودة الجد الأكبر” شعرية الإنجاز القصصي

بقلم: أ.د. حسين حمزة الجبوري | التاريخ: 21 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

“عودة الجد الأكبر” شعرية الإنجاز القصصي

قصص عبد الامير المجر في هذه المجموعة القصصية التي تطرح أسئلة كبيرة من ظواهر تجري على الأرض والواقع اليومي ، و قد بدت هذه القصص وكأنّها مرآة كبيرة يرى المرء من خلالها تحولاته الذاتية ، وتحوّلات ما يشعر به المجتمع من خوف في ظل ” أزمة كبرى ” يمرّ فيها ، فهذا المجتمع والإنسان فيه يبحث عن المصير الفردي الذي يقلقه ، ويثير مخاوفه الوجودية بعمق ، في إطار الهم الاجتماعي العام ، لتبدو أسئلته إلى متى وإلى أين من المظاهر الأساسية في هذه النصوص ومعانيها وخصوصيتها ، مع ذلك لا نجد ثمة خلاص أو حتى أمل في هذا الخلاص – كما نعتقد – فالواقع بات مشوها مضطربا فيه الكثير من مشكلات الحياة ، و اختلالات الوعي الفردي والجماعي ، وهذه المشكلات هي امتداد لصور الماضي البعيد والقريب ، وتتكشف فيها أحداث و ظواهر قديمة في التاريخ الاجتماعي والثقافي ، وهي ماتزال تتفاعل في الحاضر ، بما فيها الكثير من ” الطيات ” الثقافية المضمرة التي تنفجر مع كل أزمة من أزمات الدهر ، لهذا أخذت هذه القصص سبيل الواقعية ” النقدية ” نهجا أدبيا ، لتجسيد عوالم هذا التخييل السردي الإبداعي الذي يقرأ التاريخ ، وظواهر الإنسان وثقافته المتنوعة بتنوع المجتمع ، و ظهرت العوالم الغرائبية في الحياة والنقدية لاختلالات و تشوهات الوعي واضطرابه ، ومن ثم مثلت هذه المجموعة التجربة / التجارب الإنسانية بمفاعليها المختلفة برمزية بيّنة ، و كثيفة في الوقت نفسه انطلاقا من كثافة القصة القصيرة ؛ وقد ظهرت سمات الشعرية الخاصة في هذه القصص التي عمّد إليها القاص وقصدها ، ولعل أبرز هذه السمات ادخالنا في ” لجة ” الأزمة الكبرى منذ الاستهلال ،بكوابيسها وصورها ” البشعة ” / – ينظر قصص ” مرآتي في اليوم الخامس “و قصة ” رؤوس ” وقصة ” حارسان ” وقصة ” ذئاب بعيدة ” …إلخ ، / و تترافق مع هذه الأزمات طرح أسئلة مختلفة لتتبين من خلالها صور أو مشاعر – الخوف والضياع والدهشة والتأمل والغرائبي والقلق والانتظار والاغتراب والتوحش …إلخ – لما جري قديما ، و تكرر في الحاضر ، وكأن المجتمع ذاته يكرر نفسه في كل حين ، وهو يسعى دوما إلى استلهام هذه الأزمات دون نقدها أو في الرفض السوي لها ولقيمها المتخلفة ، والمختلة ، وهي قيم مأساوية ، وساذجة تثير الاختلافات القاتلة والانشقاق المختلفة ، و تبدو فيها اختلال المفاهيم والقيم ” الإنسانية ” ، ومن ثم فان كل هذه الاختلالات تعبر عن هذه المعاني لا على نحو إبداعي للتغيير الإيجابي بل في اضطرابها من جديد ودون هوادة ” عند اعلى قريته القديمة كان واقفا يتأمل بصمت التلّة التي وقف عليها قبل أربعين سنة وأكثر ، ممسكا بكتاب ( الوجود والعدم ) ….. كان يعتقد أنه يبحث عن أجوبة لأسئلة صارت تتوالد بسذاجة داخلَه ، واكتشف أخيرا أنه كان يضيف المزيد منها حتى كّبلته وجعلته يعيش في دوّامة تاهت فيها أعوام عمره …” 17 أو ” كان صوت الشاب غاضبا وهو يُكلّمه بالهاتف ..بتحدّث له عمّا رآه في فضائية (النور الجديد ) قبل أن يختم كلامه بعبارة اخترقت صدره كالسهم : للأسف لم أكن اعتقد أنك كُنت كذلك !” 31 و يظهر في الاستهلال – أيضا – أسئلة الضياع أو هذه الثيمة وذلك رغبة الوصول إلى الأرض – المستقر – وإلى الأهل وإلى الأم – التي يتكرر ضياعها – ” صرتُ أُغذّي أيامي بطيف أمي التي تسكنني ولم أشعر بطعم يشبه أيامي معها ” وكانت القصة قد بدأت بهذا الاستهلال المؤلم “أمك ماتت يا بُنيّ !!” 6 وهكذا كان البحث عن الأب أو الجد ، كما نجد – أيضا – ثيمة أساسية في المجموعة ، ونعني بها ” الرحلة والبحث ” واقترانهما ” بالتيه ” والبحث عن الجذور كما في قصص ” الظل ” ، و ” رحلة العائلة ” وقصة ” رحلة البحث عن الأب ” و” وعودة الجد الأكبر” وقصة ” يوم الإعصار الرهيب “…. إلخ ؛ ونجد هنا أيضا ثيمة الاستغراب كما في قصة ” القطار القديم ” ( عندما وصلت الباب الضيق الذي يضيق ويتّسع ،وجدته مفتوحا فهبطت بهدوء وحدي ..كان طيف أمي يطفو في الأفق كالسراب ويبتعد كثيرا عن سكّة القطار الذي كان يتمدّد ولم أجد له مقدّمة أو مؤخرة ..طيف أمي يتلاشى وأنا خلفها يغمرني الأفق بنشوة وخدر ولم اعد أشعر بشيء ولم أعرف إلى أين كان يتّجه القطار!” 25 وفي قصة ” فُقداناتٌ ” ( عندما خرجت من بيتي صباحا ، لفت انتباهي وجود أناس كثيرين يقفون عند لوحات الإعلانات التي في الشوارع .. … صعقني وجود صورتي مع إعلان يتحدث عن فقداني ..) 37 . وفي ” قصتي ” يوم اختفى الشهود ” و في ” الباب الأخير ” 26 و تظهر سمات الأوهام الكبيرة وخرافاتها ، لاسيما وان القصة القصيرة أصلا جاءت من ” الخرافة ” لهذا بدت الخرافة بصور غرائبية مقترنة باغتراب الإنسان ، وتوحش صورته ، وتشويهها نتيجة لما يجري ، فقد استطالت ” أذان ” الفتي على نحو غرائبي واستطال شعر رأسه بكثافة ، وانعزل عن الناس بحجز نفسه في غرفته في قصة ” زمن الفني الجميل ” ؛ حتى أضحت القصص كأنها كوابيس تحيط الشخصية من كل مكان وتحبط مسعاه الإنساني ، وهذه الكوابيس تحيط بالمجتمع كله ، وهي تعكس ما تشعر به هذه الشخصية / الشخصيات إزاء اختبار المصير في إطار رحلة التيه ، المصاحب لوقائع الأحداث التي تجرى في إطار وقائع تاريخية أسطورية تأخذ مداها الزمني البعيد، و القريب و الحاضر ، وهي كلّها وقائع مؤلمة وقاسية ، وخطيرة تهدد الكيان الإنساني وتشوهه ، حتى لكأن كل الأسئلة تسهم في الإيحاء إلى ” التجنيس ” أو ” التنميط ” أو ” دمج ” الإنسان في اغترابه الذي يشعر به ، والذي فُرض عليه على نحو عنيف دون رحمة في ظل الأزمة الموحشة ، وتبرز هنا – أيضا – أسئلة ” الهوية ” كما في ” عودة الجد الكبير ” وفي قصة ” الظل ” و قصة ” رحلة البحث عن الأب ” ولكل صورة من هذه الصور رمزها الذي يتمثل في سياق النصّ سواء أكان داخل الذات القلقة الخائفة المستلبة – دائما – أم في الخارج من وقائع العالم الخارجي المأزوم والمضطرب ، بمعنى أن الواقع الخارجي هو الآخر يشبه عالم القصص مع الانزياحات الضرورية في كل تخييل فني للعالم الشعري ، وهنا تتمظهر المفارقة الشعرية في القصص ، في سيماء الصورة السردية التي تخلقها لغة العامة ،- مثلا – وملفوظاتها ووجهات نظرها اللغوية والنفسية والإيديولوجية مرّة ؛ و لغة النخبة ” السياسية ” مرّة أخرى بثنائيات تريد منها بيان إشكاليات النص والعالم ، فالرموز بكل مفاصلها تتبادل ” الدوال ” وتتبادل المواقع بين اللغتين ” لغة العامة ولغة النخبة ” أو تتبادل دوال الخطابين على نحو أدق – مثلا – في لغة العامة كانت السخرية من ” الألقاب ” – الرؤوس – شائعة عند العامة وتحمل نقدا لمقولة ” الرؤوس الكبيرة ” ودالها ، في حين أن ” الرؤوس ” هم القادة والمسؤولين عند “مؤدلجي ” السلطة ،وخطابها فهم ” تيجان الرؤوس ” بحسب وجهات نظر السلطة ، وهذه النخبة تعتز و تفتخر بهذه التسمية أو الألقاب مع أن هذا هو الوهم اللغوي الكبير والمختلف عليه ، وهو تحريف دلالي في خطاب هذه النخبة بحسب وجهة نظر خطاب العامة أو الشعب الناقم ،والناقد للنخبة وللرؤوس والساخر منهم ومن خطابهم المزيف ، و اخبارهم الكاذبة في كل حين وساعة مما أدى إلى أن استطالت أذان الفتى الجميل كما في قصة ” زمن الفتي الجميل ، وقد كان القاص يريد هذا الأمر – كما نرى – للنقد ،و للسخرية ” الكوميديا السوداء ” من السلطة ورجالها ، و الإضاءة والكشف للزائف في الخطابات النخبة ، و من ثم بيان الفوارق بين الخطابين – وهذه السمة ونعني التناقض في الخطابات نجدها في كل خطابات القصص في المجموعة – وهي ” حوافز ” تركيبية ، ومع ذلك نظل جميعا نعاني ” الاغتراب ” على الرغم من المقاومة الثقافية للعامة – الشعب لخطاب السلطة المهيمنة ، ولاسيما في بيان الفوراق في الوقائع الحياتية اليومية في ظل الأزمة الكبرى التي نعيشها في القصص ، و لا نجد لهذه الأزمة والاسئلة أجوبة لاسيما تلك التي تخص مصائرنا ، مع تتابع الأزمات منذ زمن بعيد ، وليس الان ، بمعنى أنها بدت وكأنها مسار ثقافي افترضته كل السلطات القديمة والحديثة للحياة والمجتمع ، – ينظر مثلا ” عودة الجد الأكبر ” – فضلا عن ذلك فأننا نجد في هذه الشعرية التخيلية ثمة أصرار على التنوع الأسلوبي سواء في الزمن كما هو الحال في الاسترجاع و التلخيص والحذف والاستباق ..إلخ لبيان وقائع تاريخنا مختلفة ” وقفت قبل أربعين سنة أو أكثر ..” أم في لعبته اللفظية التي تلخص الزمن بما يتسق مع شعرية القصة القصيرة كما ” في قصة ” لعبة الزمن ” ( يأخذني إلى عوالم بعيدة وقريبة ) 57 وفي قصة “صفحة واحدة تكفي ! ” …إلخ فلقد لجأ القاص إلى جمل لغوية زمنية قصيرة تلخص تاريخ الشخصية الأولى ، ولحظة ” تنوير ” الراوي المستمع الذي يبث الحكاية/ أو المروى له الضمني / لما تقوله تلك الشخصية في القصة ، وهنا أيضا تبرز ثيمة ” ضياع الزمن والإنسان معا ” كأننا نعيش أوهاما فرضت علينا ، أو أننا بتنا لا نشعر بشيء من أثر الزمان والمكان لاغترابنا عن العالم الذي نعيشه ” مددت يدي لأحتضنه وأواسيه ، لكنني أمسكت بفراغ . كررت المحاولة لكني صرت كمن يدور حول نفسه ، حتى اعيتني الحركة وشعرت بالدوار . تقدم اثنان من النُدل وأمسكا بي ، فكنت بين أيديهما كالرضيع ” 59 ولقد أسهمت الشعرية في هذه المجموعة القصصية في بيان دالها من خلال ” التركيب ” الذي اهتم به النقد الشكلي لاسيما و أن ” الصنعة الشعرية ” التي اكتسبتها القصة القصيرة مع الراوية ، هي من نتاج العصر “العلمي النقدي ” كما يقول فرانك أوكونور في الصوت المنفرد : 24 وهذا العصر العلمي جعل من النقد ” علما ” فكانت قيم أو ” قوانين” النظرية الشكلية عميقة في قراءة التركيب الشعري ، ومنها شعرية القصة القصيرة التي كانت” تُعرّف ” للوهلة الأولى في كثافتها وطولها ، وفردية حدثها الذي ربما يقتصر على مشهد واحد ، أو شخصية واحدة ، ولكن في قضايا ” الشكلية ” تمت إضافة سمات أخرى للقصة القصيرة الجديدة ، بحسب وجهة نظر سوزان لوهافر التي تقول فيها : ” ما يجعل القصة الجديدة مختلفة هو ” تملقها للذات على أنها محور العالم ، وربما يكون العالم صغيرا او مزيفا أو مأساويا او غبيا … وقد يكون مألوفا ، أو غريبا ، محسوسا او مجردا ، موجودا أم متخيلا ، وربما يكون مجرد الجزء الأكثر غرابة ومع هذا فإنه يلقي ظلا كاملا على عقولنا أنه سيتمحور حول الذات . ذات من؟ ذات شخص واحد في الأغلب ،دائما ذات الكاتب وذات القارئ لكن ذلك تخمين …” الاعتراف بالقصة القصيرة : 21 – لهذا فان كثافة القصة القصيرة واهتمامها و” تملقها ” للذات فضلا عن ” الحافز ” الذي يحرك الفعل بحركة أفقية وعمودية للقصة ، أسهمت في إظهار لعبة الزمان والمكان ، و كل هذه سمحت للقصة القصيرة أن تفرض تحليلها للشخصية من داخلها ، وما تشعر به ، وتتابع تطوره ، و تطرح أسئلته الوجودية على نحو مكثف وموجز – أيضا- ،من خلال التركيب الشعري ، وفي هذ ا ” التركيب ” المكثف الموجز نجد في القصة القصيرة – دائما – مضمرات ومساحات بيضاء لقصرها ، و إيجازها الذي يحول من دون أن تفصّل القصة في بنية الشخصية أو في اسهابها في وصفها للشخصية ، و وجهات نظرها أو في شعرية الزمان والمكان أيضا ، و في إطار هذه السمات تبدو” معاني ” القصة القصيرة ، وكأنّها ” موتيفات وشذرات ” مبثوثة بإيجاز في القصة القصيرة ، منها نصية وأخرى معلقة فوق القصة ، تجعل المتلقي أو ” تفرض ” عليه الكشف عن معانيها من حلال التأويل لأن لا وجود لمعنى مركزي واحد أبدا في أي نص شعري فثمة ” طيات “و معان مختفية في كل نص من النصوص ، ومن ثم يسعى المتلقي إلى ” اضاءة “الداخل و مقاصده ، ليتأمل في ذوات الشخصية وقلقها وخوفها وآمالها المعلقة ، ويؤول رؤيتها للعالم، حتى يدرك معانيها ، ولهذا لا يترك المتلقي هنا أي علامة من العلامات إلا وقد حفر في دوالها ، وهو ما يمكن ان نراه في هذه المجموعة القصصية ، فثمة كثافة وإيجاز تجسدتا في القصص كلها بدقة لغوية دون ترهل ، مثل ذلك في أدراك أو معرفة مشاعر الطفل الذي ضاع في العاصفة أو في القطار ، وكان قد فقد أمه في العاصفة ، أو في أزمة المضي في زمن القطار، هذا القطار الذي يرمز الى التحول ، والتحرك ليس في المكان فحسب بل في التطور النفسي والفكري والزماني للطفل ، وهكذا كان التحوّل المكاني – الزماني الذي غير وجه العالم المحيط به ، وغير وجهة نظر الطفل التي نمت ، وتطورت إلى أسئلة مكثفة عن الضياع أو التيه أو الاحتيار مع متابعة تحولات الطفل الزمانية وقد صار ” عجوزا ” ، في حين لم نجد ذات الأم أو مشاعرها إزاء الفقد إلا على وفق ما نعرفه على نحو يسير من خطاب الراوي العليم أولا ومن خبرتنا الحياتية ثانيا . و ثالثا فأن االراوي يدخل في وعي الأم على نحو موجز ويسير جدا وموجز أو في شذرة موجزة لا أكثر ، وهذا يفرض على المتلقي أن يدرك أو يؤول مشاعر الأم بحسب الوقائع اليومية التي يعرفها من خبرته في الحياة ،وطبيعة العلاقة بين الأم ، و مشاعرها إزاء ضياع الأبناء أو موتهم في الواقع ،و من ثم لا يحتاج الراوي ان يصف وجهة نظر الأم على نحو تفصيلي ، بمعنى ان المتلقي يؤول ما يراه من الواقع الاجتماعي أو من ” الاحتمالية ” من خلال ” الشحنة الانفعالية ” للأم والإنسان التي يقول عنها سعيد بنكَراد ” الإنسان لا يفعل فقط ، إنّه بالإضافة إلى ذلك يُضمّن الفعل شحنة انفعاليّة تحدد درجة الكثافة التي يحقق من خلالها هذا الفعل وهي إشارة أيضا إلى كينونة الذّات الفاعلة وتأثرها في فعلها …” سيميائيّات الأهواء – أما ما كان يشعر به الطفل / الرجل فندركه من خلال النص في خطابه سواء أكان الخطاب المباشرة ، أم غير المباشر بحسب موقع الراوي في السرد ، وهكذا كانت استراتيجية القاص الشعرية الذي يحاول من خلالها رصد العالم ، وطرح أسئلته وأزمته ، وتلخيصها بكثافة لغوية ، و هنا ظهرت ثيمة ” الطيف ” المقترن ب” التيه ” فالطيف يقوم على ما يفقده المرء ، ويظل يتمنى أن يعود الماضي إليه ، وهو يتطلع إلى تحقيق مصيره في المستقبل ” نبوءة الرؤيا ” فيبدو الطيف وسيلة ونهجا للإنسان في البحث عن الأمل ، ومن ثم تبدو ثيمة التيه مصاحبة للطيف دائما ، لهذا كان الطيف ثيمة بارزة في القصص ، فالعاصفة هي الزمن ، والواقع المضطرب الذي يعيشه المرء ، وقد ظهرت في إطار صور أسطورية يختلقها الإنسان في القصص الشعبي ، إذ إن الانسان دائما هو مولّد و منتج لخرافاته ، وللتخييل والأساطير على طول مراحله التاريخية – حتى في العصر الحداثي وما بعد الحداثي – ، وهو يبحث في سيمياء الطيف للوصول إلى حل للمحنة التي يعيشها في إيجاد الأرض – الوطن التي تسكنه روحه وآماله في المجموعات البشرية منذ آدم وحواء / يمكن النظر إلى قصة آدم وحواء في تاريخ الطبري / كما في قصة “يوم الأعصار الرهيب ” وفي رحلة العائلة ” …إلخ و قصة ” أرض الله ” بما فيها من تسامح ” نعم انها ارض الله ” ولكن في هذه القصة عمق أكبر -ربما – فهي من الموضوعات الروحية المقدسة ، و الميثيولوجيا ” بمعنى أن ” التيه والطيف ” الذي أخذ سيماء البحث عن المصير الوجودي فرض تنوعا للأسئلة مع الزمن جعل هذه الاسئلة وجودية لا حدود لها في ظل عالم بدائي – أسطوري ، و عالم الحاضر الحداثي – أيضا – لأن صور النصوص تحمل هذه الأزدواجية ” اسطوري – حداثي ” ومن ثم فأن القراءة تفترض كما يقول مارتن مكويلان : ” الفهم و التساؤل ..” و تعني أيضا ” النسيان والمحو ” في الوقت نفسه ، لتفكيك محور المجاز ، و الصوت الواحد ” الإنعزالي ” ، ولا يمكن تحاشيه لأن الأسئلة مسلك حياتي بالنسبة لمن يستخدم اللغة ، ولهذا تمثلت الأسئلة لصور التيه ” بطيف الأم ، و طيف والأرض ، وطيف الجد و طيف المستقبل وطيف الزمان والمكان ، ومن ثم فأن هذا الطيف كان ضروريا يريد منه الراوي أدراك الوعي في حقيقته وحقيقة هويته العامة ” الهويات ” و في أدراك حقيقة ” الأصل ” الذي يربك كل تصورات الإنسان في وجوده ، وتكوينه ، وقد أربكت هذه المعاني ثيمة التيه – أيضا -، وربما دمرت ” الأصل ” كما في ” عودة الجد الأكبر ” وهذا الإرباك للأصل كان سبيل الفكر الحديث المتخضر والمدني ، وحين نصل إلى أرض ما ، ونشكل المكان أو نصنعه ، أو نؤسس وطن ما ، فأننا نؤسس ” لهويتنا “في الوقت ذاته ، وهي الأخرى ظاهرة مربكة ومضللة ، لأن الهوية مرتبطة دائما بالحضور ” المكاني ” والحضور هنا الأرض أو الأثر ، الذي يفرض حضوره فينا ، لتمكين الهويات أيا كانت من خلقنا وخلقها ، مع أن ” الهويات ” يمكن أن تنتج ” الهويات القاتلة ” وقد شهد التاريخ الإنساني هذه الهويات ، لاسيما وان ” كلمة – هوبة – مضللة ” فهي توحي في بادئ الأمر بحقٍّ مشروع ثم تصبح أداة قتال ، وهذا الانزلاق من دلاله إلى دلاله أخرى يبدو خفيا وطبيعيا ؛ ونحن ننخدع به أحيانا ، فنشجب ظلما يمارس وندافع عن حقوق شعب يعاني ، ولا نلبث أن نجد أنفسنا متواطئين مع مجزرة ترتكب ” 50 – بحسب أمين معلوف في الهويات القاتلة ، ومع ان القاص حاول أن يبتعد عن هذا الجدل بتأكيد أن ” طيف الأم ” المرتبط بمحبة الأم / المرأة كان انسانيا ، يفرض البحث عن وطن برؤية روحية واخلاقية كما في قصة ” أرضُ الله ” لإيجاد مستقر لهم ” نعمْ ، إنها أرض الله وستبقون فيها ! ” 48 ” ولكن في النهاية حضرت ” الهوية القاتلة ” حين توزّع الأبناء في أرض الله وهم يحملون أهواء كثيرة ، بعد أن حلّت المدارس – المعرفة – ، والسلطة التي فرقت بينهم ، وزادت في فضاءاتها الأسئلة الجديدة التي أدهشت شبابها ، وأثارت اضطرب وعيهم أو في تنوعه ، وتلبست بهويات أخرى ” فتنازعوا حتى سال دم كثير في أزقة الحيّ الضيقة ، وسهرت الدموع مع عيون الأمهات الباحثات عن مصائر أولادهن الذين راح بعضهم يبحث عن الله على طريقته ليجد للناس خلاصا ! ..” 49 . وهذه الثيمة – أيضا – كانت في قصة “رحلة العائلة ” يقول لهم الأب الكبير : ” كلكم تقولون هذا وانا لم أعدْ أحدا بشيء ولم أترك أرثا لأحد ..هذا الكوخ هو كل ما املك منذ الاف السنين . ” ..وبدأ السؤال القاتل ” كيف سنواجه العائلة الأخرى التي حطت قربنا ، وغدت منافسا لنا على الإرث الذي أنكره علينا جدنا ” 23 . ومن هنا ربما تبدأ صراعات ” الهويات ” التي كانت هي الأساس والمركز للأزمات أو لأزمتنا الكبرى كلها ” في مجموعة عبد الامير المجر، بما تحمله من ” اغتراب وتوحش وبحث وأطياف ” التي تعيشه الشخصيات كلها منذ التيه الأول وضياع الأم إلى اللاعدالة والاغتراب الإنسان كما هو حال الرجل الذي ضحى من أجل وطنه في قصة ” شخصية وطنية ” ولكنه ظل يعاني شظف العيش والفاقة فيما يتنعم الجلاد والرأس أو الرؤوس واعوانهم بالخيرات حتى صاروا كأنهم آلهة ، فشخصية القصة قاتلت ، ودافعت عن وطنها ، ولكنه خرج خالي الوفاض في هذا الزمن المضطرب العجيب …واللعين.