الطفل الذي ينتظرني في البركة

صورة الكاتب
بقلم: حیدر کاظم الحسیناوي
التاريخ: 4 نوفمبر 2026 عدد المشاهدات: 2884
الطفل الذي ينتظرني في البركة

 

في كل بركةٍ يخلّفها المطر، يبقى شيءٌ من السماء يرفض أن يعود.

كنتُ أعرف هذه البركة. هي نفسها التي وقفتُ عندها طفلاً، في أول مطر، حين كانت الشوارع كلّها مرايا. الشارع نفسه، والنافذة نفسها، وأمي لم تعد.

انحنيتُ عليها كمن يفتّش عن شيءٍ سقط منه منذ ثلاثين سنة. تأمّلتُ الغيوم وهي تتكسّر على وجهها، حتى أُغمض جفناي من غير أن آمرهما.

فرأيتُ طفلاً يبتسم بوجهي.

كان أنا. كان أنا، لكن بلا الندبة التي في ساعدي؛ الندبة التي جاءت من هذه البركة بالذات، من قطعة زجاج لم يرها أحدٌ غير قدميّ الصغيرتين.

مدّ يده نحوي، كأنّه يدعوني إلى لعبةٍ تأخّرتُ كثيراً عن موعدها. لم يكن في عينيه عتاب، ولا في ابتسامته سؤال. كان سعيداً فحسب، كأنّ السنوات التي فصلت بيننا مرّت على أحدٍ غيري.

كدتُ أخلع ثيابي وأقفز إليه. كنتُ أفعل ذلك في أول مطر، حين كانت أمي تصرخ من النافذة، ولا تسمع نفسها.

مددتُ يدي.

كان قريباً بما يكفي لألمسه، وبعيداً بما يكفي لأشتاق إليه.

بين كفّي وكفّه مرّ ظلُّ حذاءٍ جلديّ يتحاشى البلل، وظلُّ قدمين حافيتين تغمسان الماء حتى الكاحلين. وفي القاع رأيتُ ورقةً ميتة، ونملةً سوداء، وقطعة زجاج صغيرة، وشيئاً من السماء لا اسم له.

ثم لمستُ الماء.

فاضطرب، وتلاشى الطفل.

لم أكن أعرف أنّ يدي هي التي تُطفئه. كنتُ أريد أن أُحذّره: لا تدخل، ففي القاع زجاج. لكنّ يدي كانت أكبر من التحذير، وأثقل من أن تعود.

ثم سمعتُ.

ضحكاتٍ خارج رأسي، وأصواتاً تقول: ماذا يفعل الأستاذ؟

انتفضتُ، كأنّ الرعد أصابني، وكأنّي فعلتُ شيئاً أخلّ بنظام الكون.

استقمتُ، وأدرتُ وجهي أتفحّص الوجوه. اختلط وجهي بضوء عجلةٍ كانت تتراجع ببطء.

عدتُ إلى أنا اللا أنا.

أمسكتُ بربطة عنقي بقوّة، لا أعرف لماذا فعلتُ ذلك.

ثم انصرفتُ مسرعاً.

لم أركض.

فالركض للذين لم يعرفوا بعد أنّ في القاع زجاجاً.

 

وقفتُ مرةً أخرى. لكنّني هذه المرة لم أكن أمام البركة، بل أمام المرآة، كما أقف كل يوم.

فتحتُ ما كان يحيط بعنقي، كأنّني أحاول فكّ شيءٍ لم يكن من قماش.

كان المطر يتزاحم في رأسي، ومعه أصوات المدينة كلّها.

اقتربتُ من الزجاج. كانت هي واقفةً خلفي، تمسك مشطاً ولا تمشّط. رأيتُها في المرآة قبل أن أراها في الغرفة. لم تقل شيئاً. كانت تراقب رجلاً يفكّ ربطة عنقه، كأنّه يفكّ شيئاً آخر.

كنتُ أبحث عن الطفل الذي في البركة، عن الوجه الذي لم تصبه الندبة بعد.

انتظرتُ أن يهدأ السطح.

لكنّ المرآة لا تهدأ.

عن الکاتب / الکاتبة

حیدر کاظم الحسیناوي
حیدر کاظم الحسیناوي
قاص . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

«حين يبدأ النهرُ غريبًا »

«حين يبدأ النهرُ غريبًا »

  على المقعدِ الذي جلسنا عليه، أفتحُ وجوهَ العابرين واحدًا واحدًا، أبحثُ في جيوبهم عن…

صورة الكاتب حیدر کاظم الحسیناوي
29 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
«لم يصفّقوا»

«لم يصفّقوا»

لم يصفّقوا وأخيراً جالسَ القادةُ الأعداءَ، ثم ابتسموا، ثم صفّقوا. وخلف الشاشة جنديٌّ لم يصفّق،…

صورة الكاتب حیدر کاظم الحسیناوي
22 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”

“ماذا يريد منا الحسين؟ (اعترافات ليلة من كربلاء)”   عدتُ تلك الليلة مثقلًا بالحزن.  …

صورة الكاتب حیدر کاظم الحسیناوي
14 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الطفل الذي ينتظرني في البركة

بقلم: حیدر کاظم الحسیناوي | التاريخ: 4 نوفمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

 

في كل بركةٍ يخلّفها المطر، يبقى شيءٌ من السماء يرفض أن يعود.

كنتُ أعرف هذه البركة. هي نفسها التي وقفتُ عندها طفلاً، في أول مطر، حين كانت الشوارع كلّها مرايا. الشارع نفسه، والنافذة نفسها، وأمي لم تعد.

انحنيتُ عليها كمن يفتّش عن شيءٍ سقط منه منذ ثلاثين سنة. تأمّلتُ الغيوم وهي تتكسّر على وجهها، حتى أُغمض جفناي من غير أن آمرهما.

فرأيتُ طفلاً يبتسم بوجهي.

كان أنا. كان أنا، لكن بلا الندبة التي في ساعدي؛ الندبة التي جاءت من هذه البركة بالذات، من قطعة زجاج لم يرها أحدٌ غير قدميّ الصغيرتين.

مدّ يده نحوي، كأنّه يدعوني إلى لعبةٍ تأخّرتُ كثيراً عن موعدها. لم يكن في عينيه عتاب، ولا في ابتسامته سؤال. كان سعيداً فحسب، كأنّ السنوات التي فصلت بيننا مرّت على أحدٍ غيري.

كدتُ أخلع ثيابي وأقفز إليه. كنتُ أفعل ذلك في أول مطر، حين كانت أمي تصرخ من النافذة، ولا تسمع نفسها.

مددتُ يدي.

كان قريباً بما يكفي لألمسه، وبعيداً بما يكفي لأشتاق إليه.

بين كفّي وكفّه مرّ ظلُّ حذاءٍ جلديّ يتحاشى البلل، وظلُّ قدمين حافيتين تغمسان الماء حتى الكاحلين. وفي القاع رأيتُ ورقةً ميتة، ونملةً سوداء، وقطعة زجاج صغيرة، وشيئاً من السماء لا اسم له.

ثم لمستُ الماء.

فاضطرب، وتلاشى الطفل.

لم أكن أعرف أنّ يدي هي التي تُطفئه. كنتُ أريد أن أُحذّره: لا تدخل، ففي القاع زجاج. لكنّ يدي كانت أكبر من التحذير، وأثقل من أن تعود.

ثم سمعتُ.

ضحكاتٍ خارج رأسي، وأصواتاً تقول: ماذا يفعل الأستاذ؟

انتفضتُ، كأنّ الرعد أصابني، وكأنّي فعلتُ شيئاً أخلّ بنظام الكون.

استقمتُ، وأدرتُ وجهي أتفحّص الوجوه. اختلط وجهي بضوء عجلةٍ كانت تتراجع ببطء.

عدتُ إلى أنا اللا أنا.

أمسكتُ بربطة عنقي بقوّة، لا أعرف لماذا فعلتُ ذلك.

ثم انصرفتُ مسرعاً.

لم أركض.

فالركض للذين لم يعرفوا بعد أنّ في القاع زجاجاً.

 

وقفتُ مرةً أخرى. لكنّني هذه المرة لم أكن أمام البركة، بل أمام المرآة، كما أقف كل يوم.

فتحتُ ما كان يحيط بعنقي، كأنّني أحاول فكّ شيءٍ لم يكن من قماش.

كان المطر يتزاحم في رأسي، ومعه أصوات المدينة كلّها.

اقتربتُ من الزجاج. كانت هي واقفةً خلفي، تمسك مشطاً ولا تمشّط. رأيتُها في المرآة قبل أن أراها في الغرفة. لم تقل شيئاً. كانت تراقب رجلاً يفكّ ربطة عنقه، كأنّه يفكّ شيئاً آخر.

كنتُ أبحث عن الطفل الذي في البركة، عن الوجه الذي لم تصبه الندبة بعد.

انتظرتُ أن يهدأ السطح.

لكنّ المرآة لا تهدأ.