رائحة البن والبارود

صورة الكاتب
بقلم: شيماء حسين
التاريخ: 31 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3250
رائحة البن والبارود

في مساءٍ بلا لون يَغضُّ الطرف، كانت الكرّادة تَغفو على أضواء المقاهي وصخب السيارات البعيد. كأنها تستسلم لثقل الشتاء الآتي.
في زاويةٍ من مقهى رضا علوان، جلس سرور على الطاولة المعتادة؛ تلك التي قرب النافذة الزجاجية المُعتَّمة المطلة على الشارع. كان الشتاء قد بدأ يمدّ أنفاسه الباردة، لكنه لم يشعر بالبرد
وانما بشيءٍ أثقل من الفصول… شيء يشبه الغياب الأبدي.
رفع يده بهدوء وقال للنادل الشاب:
— «أربعة أكواب قهوة، بِمرارة الليالي، كالعادة يا بني».
تردّد النادل قليلاً، ثم قال بخجلٍ مُتكرِّر:
— «لكن يا أستاذ… أنت وحدك اليوم أيضاً».
ابتسم سرور بابتسامةٍ هادئة تحمل ثقل السنين وقال:
— «أنا؟ لا يا ولدي، ألا تراهم؟ رامز، فاضل، وماجد… أرواحهم تسبقني، كلهم هنا».
وأشار بيده إلى المقاعد الثلاثة المقابلة له، وكأن أطيافاً شفافة تلوح في خيوط الضوء الخافتة. هزّ النادل رأسه ورحل بصمت أيقن معه أن هذا الطقس هو عُمرةٌ يومية لسرور، لا يجوز تعطيلها.
جلس سرور يحدّق في الكراسي الفارغة التي بدأت تكتسي بهالةٍ ضبابية. وفي اللحظة التي لامس فيها البخار الكثيف رائحة القهوة وجهه، بدأ المشهد يتبدّل
لم تعد رائحة البارود والبنّ مجرد ذكرى وانما تجسّدت. رائحة البارود انسكبت على رائحة البنّ كما لو كانت مادة مرئية، وصوت بعيد لانفجارٍ قديم شطر الصمت، فارتجفت الطاولة ثم ظهروا، واحداً تلو الآخر، وكأنهم يمرّون من بوابة زمنية فُتحت ببركة القهوة.
كان رامز أولهم، بثيابه العسكرية الممزقة التي لم تُخفِ لمعةً فضية خافتة حول جسده. جلس على الكرسي المقابل، وابتسامته الهادئة تقول:
— «تأخرت اليوم يا سرور، كدت أظن أنك نسيتنا، وأن الخيط الواصل بين عالمينا قد انقطع».
أجابه سرور وهو يضع يده على الكوب:
— «كيف أنسى من شاركني الطين والدمّ والسماء؟ هذه الأكواب هي أوتادي في هذه الحياة. أنا لا أعيش إلا هنا، معكم».
ثم جاء فاضل، يحمل دفتراً صغيراً بصفحاتٍ متآكلة تصدر عنها رائحة ورق قديم مبلّل بالندى. جلس وقال:
— «القهوة هنا تشبه مرارة الليالي في الخنادق… لكنها أهون، ففيها طعمُ حياة لم نُكملها».
أطرق سرور برأسه:
— «البصرة تغيّرت يا فاضل… لم تعد تلك المدينة التي كانت تغني على ضفاف شط العرب. حي الجزائر اليوم مزدحمٌ بالنسيان».
أجابه فاضل بابتسامةٍ خافتة:
— «كنت أعلم أنني سأموت هناك. قلت لزوجتي ليلة الرحيل: لن أعود… لكنها لم تصدقني. اليوم، ربما هي من تحتاجني في أحلامها لأصدق أنني موجود».
وما هي إلا لحظات حتى ظهر ماجد، بضحكته التي تهزّ السكون. جلس وقال مازحاً وهو يرفع فنجانه الذي بدا وكأنه لا يحمل شيئاً سوى بخار بارد:
— «إلى الحبّ الذي لا يعرف الموت! فبفضله، نجونا من الفناء التام!»
ضحك الثلاثة، حتى رامز الذي نادراً ما يضحك.
قال سرور مبتسماً بمرارة:
— «ربما كان الحبّ هو السلاح الوحيد الذي لم يصدأ في الحرب».
ثم ساد بينهم صمتٌ طويل امتزج فيه هدير المقاهي الحقيقي بهمس الأطياف البعيد.
قال رامز بهدوء:
— «أتدري يا سرور؟ ابني ياسر أصبح جرّاحاً كبيراً في تركيا. كلما أمسك المشرط، أرى قطعة من قلبي تتنفس بعيداً. أراه يكمل ما تبقّى من حياتي».
أجابه سرور:
— «يا ليتهم يعلمون كم كلّفنا أن يبقى لهم وطن ولو ممزّقاً. نحن الأرواح التي سَدَّت ثقوب الزمان بالجسد».
ساد السكون، ثم قال سرور بصوتٍ خافت، وقد اهتزّ جسده قليلاً:
— «أحياناً أشعر أنني لم أعد من الحرب، بقيت هناك، وأن ما أراه الآن هو وهم طويل. أنا فقط أزوره كل يوم لأراكم، وربما لأتأكد أنني ما زلت حياً… ولو على هذا الخط الفاصل».
ضحك ماجد وقال مازحاً:
— «وإذا كنت وهماً، فاحرص أن لا تتأخر عن موعد القهوة، لأن النادل بدأ يشكّ فيّ أيضاً. وهذا النادل هو الملاك الحارس لموعدنا!»
ضحك الجميع، ضحكة خفيفة تشبه الندى على زجاج الشتاء.
وفجأة، بدأ المكان يتلاشى… القهوة في أكوابهم بدأت تبرد وتتحوّل إلى لون داكن يشبه الحبر.
وجوههم صارت ضباباً، ثم بخاراً، ثم رائحةً في الهواء.
مدّ سرور يده نحوهم، لكن أصابعه لامست الفراغ البارد الذي خلفوه.
اقترب النادل وقال بتردد:
— «هل أزيل الأكواب يا أستاذ سرور؟»
نظر إليه سرور بعينين غارقتين في الماضي وقال:
— «لا… سيعودون بعد قليل. هذه الأكواب هي منازلهم المؤقتة. نحن لا نفترق أبداً».
خرج النادل، تاركاً الطاولة بأكوابها الأربعة، والبخار يتصاعد من كوب سرور فقط، كأنه يستمد أنفاسه الأخيرة من هذه الحرارة.
ثم نظر سرور إلى الباب، وكأنه ينتظر دخولهم من جديد، وقال بهمسٍ:
— «إلى الغد يا رفاقي… نفس الوقت، نفس المكان. على هذا العهد، سأبقى حياً!»
وفي الصباح التالي، دخل صاحب المقهى ليجد الكراسي الأربعة في ذات الوضع، والأكواب الفارغة مكانها، وجزيئات من البارود القديم عالقة في حافة فنجان رامز.
سأل النادل بدهشة:
— «هل حضر سرور البارحة؟»
ردّ النادل بقلق:
— «نعم، لقد شرب قهوته وغادر متأخراً جداً. لكنني سمعت أربعة أصوات ضحك، وأقسم أنني شممت رائحة غريبة غير القهوة».
هزّ صاحب المقهى رأسه وقال بهدوءٍ غامض:
— «غريب… سمعت أنهم وجدوه ميتاً منذ أسبوعين في بيته بتكريت. مات في نفس الليلة التي اجتمعتم بها».
ومنذ ذلك اليوم، في كل مساءٍ رماديّ، تُوضع أربعة أكواب على تلك الطاولة دون أن يطلبها أحد.
يؤمن صاحب المقهى أن هذا هو ثمن مرورهم اليومي.
تصعد من بين الأكواب الأربعة خيوط دخان شفافة لا رائحة لها، لكنها تشكّل ظلالاً لأربعة رجال يبتسمون في صمت…
يتحدثون عن الحرب… وعن الحب…
وعن زمنٍ لا ينتهي أبداً، وخطابُهم الوحيد في هذا العالم أصبح رائحة البن التي لا تتلاشى.

عن الکاتب / الکاتبة

شيماء حسين
شيماء حسين
قاصة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رائحة البن والبارود

بقلم: شيماء حسين | التاريخ: 31 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

في مساءٍ بلا لون يَغضُّ الطرف، كانت الكرّادة تَغفو على أضواء المقاهي وصخب السيارات البعيد. كأنها تستسلم لثقل الشتاء الآتي.
في زاويةٍ من مقهى رضا علوان، جلس سرور على الطاولة المعتادة؛ تلك التي قرب النافذة الزجاجية المُعتَّمة المطلة على الشارع. كان الشتاء قد بدأ يمدّ أنفاسه الباردة، لكنه لم يشعر بالبرد
وانما بشيءٍ أثقل من الفصول… شيء يشبه الغياب الأبدي.
رفع يده بهدوء وقال للنادل الشاب:
— «أربعة أكواب قهوة، بِمرارة الليالي، كالعادة يا بني».
تردّد النادل قليلاً، ثم قال بخجلٍ مُتكرِّر:
— «لكن يا أستاذ… أنت وحدك اليوم أيضاً».
ابتسم سرور بابتسامةٍ هادئة تحمل ثقل السنين وقال:
— «أنا؟ لا يا ولدي، ألا تراهم؟ رامز، فاضل، وماجد… أرواحهم تسبقني، كلهم هنا».
وأشار بيده إلى المقاعد الثلاثة المقابلة له، وكأن أطيافاً شفافة تلوح في خيوط الضوء الخافتة. هزّ النادل رأسه ورحل بصمت أيقن معه أن هذا الطقس هو عُمرةٌ يومية لسرور، لا يجوز تعطيلها.
جلس سرور يحدّق في الكراسي الفارغة التي بدأت تكتسي بهالةٍ ضبابية. وفي اللحظة التي لامس فيها البخار الكثيف رائحة القهوة وجهه، بدأ المشهد يتبدّل
لم تعد رائحة البارود والبنّ مجرد ذكرى وانما تجسّدت. رائحة البارود انسكبت على رائحة البنّ كما لو كانت مادة مرئية، وصوت بعيد لانفجارٍ قديم شطر الصمت، فارتجفت الطاولة ثم ظهروا، واحداً تلو الآخر، وكأنهم يمرّون من بوابة زمنية فُتحت ببركة القهوة.
كان رامز أولهم، بثيابه العسكرية الممزقة التي لم تُخفِ لمعةً فضية خافتة حول جسده. جلس على الكرسي المقابل، وابتسامته الهادئة تقول:
— «تأخرت اليوم يا سرور، كدت أظن أنك نسيتنا، وأن الخيط الواصل بين عالمينا قد انقطع».
أجابه سرور وهو يضع يده على الكوب:
— «كيف أنسى من شاركني الطين والدمّ والسماء؟ هذه الأكواب هي أوتادي في هذه الحياة. أنا لا أعيش إلا هنا، معكم».
ثم جاء فاضل، يحمل دفتراً صغيراً بصفحاتٍ متآكلة تصدر عنها رائحة ورق قديم مبلّل بالندى. جلس وقال:
— «القهوة هنا تشبه مرارة الليالي في الخنادق… لكنها أهون، ففيها طعمُ حياة لم نُكملها».
أطرق سرور برأسه:
— «البصرة تغيّرت يا فاضل… لم تعد تلك المدينة التي كانت تغني على ضفاف شط العرب. حي الجزائر اليوم مزدحمٌ بالنسيان».
أجابه فاضل بابتسامةٍ خافتة:
— «كنت أعلم أنني سأموت هناك. قلت لزوجتي ليلة الرحيل: لن أعود… لكنها لم تصدقني. اليوم، ربما هي من تحتاجني في أحلامها لأصدق أنني موجود».
وما هي إلا لحظات حتى ظهر ماجد، بضحكته التي تهزّ السكون. جلس وقال مازحاً وهو يرفع فنجانه الذي بدا وكأنه لا يحمل شيئاً سوى بخار بارد:
— «إلى الحبّ الذي لا يعرف الموت! فبفضله، نجونا من الفناء التام!»
ضحك الثلاثة، حتى رامز الذي نادراً ما يضحك.
قال سرور مبتسماً بمرارة:
— «ربما كان الحبّ هو السلاح الوحيد الذي لم يصدأ في الحرب».
ثم ساد بينهم صمتٌ طويل امتزج فيه هدير المقاهي الحقيقي بهمس الأطياف البعيد.
قال رامز بهدوء:
— «أتدري يا سرور؟ ابني ياسر أصبح جرّاحاً كبيراً في تركيا. كلما أمسك المشرط، أرى قطعة من قلبي تتنفس بعيداً. أراه يكمل ما تبقّى من حياتي».
أجابه سرور:
— «يا ليتهم يعلمون كم كلّفنا أن يبقى لهم وطن ولو ممزّقاً. نحن الأرواح التي سَدَّت ثقوب الزمان بالجسد».
ساد السكون، ثم قال سرور بصوتٍ خافت، وقد اهتزّ جسده قليلاً:
— «أحياناً أشعر أنني لم أعد من الحرب، بقيت هناك، وأن ما أراه الآن هو وهم طويل. أنا فقط أزوره كل يوم لأراكم، وربما لأتأكد أنني ما زلت حياً… ولو على هذا الخط الفاصل».
ضحك ماجد وقال مازحاً:
— «وإذا كنت وهماً، فاحرص أن لا تتأخر عن موعد القهوة، لأن النادل بدأ يشكّ فيّ أيضاً. وهذا النادل هو الملاك الحارس لموعدنا!»
ضحك الجميع، ضحكة خفيفة تشبه الندى على زجاج الشتاء.
وفجأة، بدأ المكان يتلاشى… القهوة في أكوابهم بدأت تبرد وتتحوّل إلى لون داكن يشبه الحبر.
وجوههم صارت ضباباً، ثم بخاراً، ثم رائحةً في الهواء.
مدّ سرور يده نحوهم، لكن أصابعه لامست الفراغ البارد الذي خلفوه.
اقترب النادل وقال بتردد:
— «هل أزيل الأكواب يا أستاذ سرور؟»
نظر إليه سرور بعينين غارقتين في الماضي وقال:
— «لا… سيعودون بعد قليل. هذه الأكواب هي منازلهم المؤقتة. نحن لا نفترق أبداً».
خرج النادل، تاركاً الطاولة بأكوابها الأربعة، والبخار يتصاعد من كوب سرور فقط، كأنه يستمد أنفاسه الأخيرة من هذه الحرارة.
ثم نظر سرور إلى الباب، وكأنه ينتظر دخولهم من جديد، وقال بهمسٍ:
— «إلى الغد يا رفاقي… نفس الوقت، نفس المكان. على هذا العهد، سأبقى حياً!»
وفي الصباح التالي، دخل صاحب المقهى ليجد الكراسي الأربعة في ذات الوضع، والأكواب الفارغة مكانها، وجزيئات من البارود القديم عالقة في حافة فنجان رامز.
سأل النادل بدهشة:
— «هل حضر سرور البارحة؟»
ردّ النادل بقلق:
— «نعم، لقد شرب قهوته وغادر متأخراً جداً. لكنني سمعت أربعة أصوات ضحك، وأقسم أنني شممت رائحة غريبة غير القهوة».
هزّ صاحب المقهى رأسه وقال بهدوءٍ غامض:
— «غريب… سمعت أنهم وجدوه ميتاً منذ أسبوعين في بيته بتكريت. مات في نفس الليلة التي اجتمعتم بها».
ومنذ ذلك اليوم، في كل مساءٍ رماديّ، تُوضع أربعة أكواب على تلك الطاولة دون أن يطلبها أحد.
يؤمن صاحب المقهى أن هذا هو ثمن مرورهم اليومي.
تصعد من بين الأكواب الأربعة خيوط دخان شفافة لا رائحة لها، لكنها تشكّل ظلالاً لأربعة رجال يبتسمون في صمت…
يتحدثون عن الحرب… وعن الحب…
وعن زمنٍ لا ينتهي أبداً، وخطابُهم الوحيد في هذا العالم أصبح رائحة البن التي لا تتلاشى.