تنبثق من أعماقِ التجاربِ الإنسانيةِ حقيقةٌ ساطعةٌ مفادها: أنَّ الشِعرَ متى ما لامسَ شغافَ الروحِ تحوّلَ إلى وثيقةٍ وجدانيةٍ خالدة تسجّلُ مكابداتِ العمرِ، وتصوّرُ حشرجاتِ السنين. ومن هذا المنطلقِ يشقُّ الشاعرُ الأستاذ (بشار ساجت لطيف) طريقه في ديوانه (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِعْرًا) الذي صدر قبل أيّام عن دار الخنساء، سائرًا نحو أعماقِ الذاتِ والوطن؛ ليصوغَ لحظةً فارقةً يتفاعلُ فيها مشيبُ الرأسِ بنزفِ الفؤاد، وتتآلفُ فيها حسراتُ الأيامِ مع صدى الجراحِ الوطنيّة.
لقد اشتعلَ الرأسُ شِعْرًا في تجربته، فكانَ أداةَ مكاشفةٍ طالما سعى إلى بلوغها؛ ومن هنا يتجلّى للمتأملِ أثرُ تلك التلميحاتِ الشجيّةِ في كلِّ سطر، فحينَ يتناولُ الشاعرُ خصائصَ الكِبَرِ وتسرُّبَ الشبابِ من بينِ الأنامل، فهو يُنبهُ القارئَ إلى إجلالِ لحظاتِ العمر، وحينَ يندبُ أوجاعَ الوطنِ، فهو يبعثُ في أرجاءِ المدى دوافعَ الشغفِ واستعادةِ الملامحِ البهيّة؛ إذ إنّ الخطابَ الإنسانيَّ الرفيع يُبنى دائمًا على غاياتٍ ساميةٍ ومقاصدَ نبيلة.
يهدفُ الشاعرُ في هذه التجربةِ الأدبيّةِ إلى إحياءِ ذاكرةِ الألمِ الإنسانيّ، فيسمو بها نحو عوالمَ أرحب من الشجنِ والوفاءِ للأرض، ويرسمُ للمُكْتَوينَ بمرارةِ الزمنِ وسنيّ المغيبِ خريطةً للوجعِ الصادق، ويمنحهم الحكمةَ لمواجهةِ عثراتِ الطريق.
إنّنا هنا أمامَ تجربةٍ شعريّة تتعاملُ مع أرقّ المشاعرِ وأعمقِ الأحاسيس؛ بغيةَ الأخذِ بالنفسِ نحو درجاتِ الاعتبار؛ ليحقّق الشاعرُ بذلك هدفين جليلين في آنٍ واحد: هدفًا وجدانيًّا خالصًا، وآخرَ وطنيًّا ينبضُ بالحسِّ الإنسانيّ.
والعلاقة بين الشيب والشعر تتعدّى حدود التجاور اللفظيّ إلى فضاء من العلامات التي يتقاطع فيها الجسديّ والإبداعيّ، والزمنيّ والجماليّ؛ فالشيب أثر يتركه الزمن على الجسد، والشعر أثر تصنعه التجربة في اللغة، وبين الأثرين تتشكّل مفارقة دلاليّة تستحقّ التأمّل، فما يشير إلى انقضاء مرحلة من العمر يمكن أن يكون منبعا للقول والإبداع، وما يبدو علامة على التحوّل الجسديّ يمكن أن يكون مادة لإعادة بناء التجربة في الوعي الشعريّ، وتبلغ هذه العلاقة كثافتها في الديوان؛ إذ يتتبّعُ الشاعرُ أثرَ الشيبِ في الروح، ويضمّنُ قصائدَه صوره المتعدّدة؛ فيلتقطُ حركاتِ الروحِ وسكناتها بين الحنينِ والمكابدة، ويضعُ قبالةَ كلِّ ألمٍ صبرًا جميلًا، وقبالةَ كلِّ حسرةٍ نافذةً من الحكمة، وقبالةَ كلِّ يأسٍ بابًا كبيرًا من الأمل، إنّه يمسكُ بيدِ قارئهِ بحنوٍّ وأسى، آخذًا به إلى مواطنِ العِظةِ والتفكّر والتدبّر، مؤمنًا بأنّ الفقرَ الحقيقيَّ يكمنُ في جفافِ العاطفةِ وانطفاءِ شعلةِ الأملِ في أحشاءِ الكلمة؛ فينطلقُ إلى بثِّ أوجاعهِ ونشيدِ وطنهِ بسخاء، لتكونَ قصائدهُ قبسًا يسعفُ السالكين في فكِّ شفراتِ غربةِ هذا الزمنِ، فربَّ قصيدةٍ بعثتْ في الحياةِ أملًا كاد أن يكونَ مفقودًا.
ويكتسبُ عنوانُ الديوان: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِعْرًا) قيمتَه الفنيّة من انفتاحه على تناصٍّ قرآنيٍّ مع قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [سورة مريم: 4]، غير أنّ الشاعرَ يُجري انزياحًا دلاليًّا مقصودًا يستبدل فيه (شيبًا) بـ(شعرًا)، فينتقلُ بالاشتعال من كونه علامةً على أفولِ العمر إلى كونه إيذانًا بتوهّج التجربة الإبداعيّة، وكأنّ سنواتِ عمره كلّها قد تحوّلت إلى وقودٍ للقصيدة، فأضحى الشِّعرُ ثمرةَ المعاناة، وصوتَ الحكمةِ التي لا تُولد إلّا بعد طولِ مكابدة، وهكذا يبدو العنوانُ مفتاحًا تأويليًّا للديوان كلّه؛ إذ جعلَ الشيبَ بدايةً لازدهارِ الكلمة لا نهايةً لفتوّتها.
ولعلّ أجمل ما يقدّمه هذا الديوان أنّه يفتح للقارئ نافذةً يرى فيها شيئًا من سيرته هو أيضًا؛ فكلُّ من خَبَرَ فلسفة الأيّام سيجد في هذا الديوان صدى لصوته، وأثرًا من حكايته، وكأنّه كتبه هو، واشتعل رأسه شِعْرًا.
وما يُضفي على هذه القراءةِ عمقًا خاصًّا لا تصوّره الألفاظ ولا تحمله المعاني، تلك العاطفةُ المترسّخةُ من صلةٍ أدبيّةٍ وثيقةٍ تضربُ بجذورها عبرَ أعوامٍ طوال؛ فقد شهدتُ عن قُربٍ مخاضَ كلماته، ورافقني حرفُهُ في محطّاتٍ شتّى، حتّى صرت أرى في ديوانه هذا خلاصةَ رحلةٍ إنسانيّةٍ وفكريّةٍ تشاركنا رسمَ ملامحها وتذوّقَ جماليّاتها، فاشتعل رأسُه شِعْرًا وهو يعبّر عنها، وكان صنيعه لي (كَمَنْ طبَّ لِمَنْ حّبَّ).
التناص القرآنيّ في ديوان (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِعْرًا) للشاعر بشار ساجت لطيف
تنبثق من أعماقِ التجاربِ الإنسانيةِ حقيقةٌ ساطعةٌ مفادها: أنَّ الشِعرَ متى ما لامسَ شغافَ الروحِ تحوّلَ إلى وثيقةٍ وجدانيةٍ خالدة تسجّلُ مكابداتِ العمرِ، وتصوّرُ حشرجاتِ السنين. ومن هذا المنطلقِ يشقُّ الشاعرُ الأستاذ (بشار ساجت لطيف) طريقه في ديوانه (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِعْرًا) الذي صدر قبل أيّام عن دار الخنساء، سائرًا نحو أعماقِ الذاتِ والوطن؛ ليصوغَ لحظةً فارقةً يتفاعلُ فيها مشيبُ الرأسِ بنزفِ الفؤاد، وتتآلفُ فيها حسراتُ الأيامِ مع صدى الجراحِ الوطنيّة.
لقد اشتعلَ الرأسُ شِعْرًا في تجربته، فكانَ أداةَ مكاشفةٍ طالما سعى إلى بلوغها؛ ومن هنا يتجلّى للمتأملِ أثرُ تلك التلميحاتِ الشجيّةِ في كلِّ سطر، فحينَ يتناولُ الشاعرُ خصائصَ الكِبَرِ وتسرُّبَ الشبابِ من بينِ الأنامل، فهو يُنبهُ القارئَ إلى إجلالِ لحظاتِ العمر، وحينَ يندبُ أوجاعَ الوطنِ، فهو يبعثُ في أرجاءِ المدى دوافعَ الشغفِ واستعادةِ الملامحِ البهيّة؛ إذ إنّ الخطابَ الإنسانيَّ الرفيع يُبنى دائمًا على غاياتٍ ساميةٍ ومقاصدَ نبيلة.
يهدفُ الشاعرُ في هذه التجربةِ الأدبيّةِ إلى إحياءِ ذاكرةِ الألمِ الإنسانيّ، فيسمو بها نحو عوالمَ أرحب من الشجنِ والوفاءِ للأرض، ويرسمُ للمُكْتَوينَ بمرارةِ الزمنِ وسنيّ المغيبِ خريطةً للوجعِ الصادق، ويمنحهم الحكمةَ لمواجهةِ عثراتِ الطريق.
إنّنا هنا أمامَ تجربةٍ شعريّة تتعاملُ مع أرقّ المشاعرِ وأعمقِ الأحاسيس؛ بغيةَ الأخذِ بالنفسِ نحو درجاتِ الاعتبار؛ ليحقّق الشاعرُ بذلك هدفين جليلين في آنٍ واحد: هدفًا وجدانيًّا خالصًا، وآخرَ وطنيًّا ينبضُ بالحسِّ الإنسانيّ.
والعلاقة بين الشيب والشعر تتعدّى حدود التجاور اللفظيّ إلى فضاء من العلامات التي يتقاطع فيها الجسديّ والإبداعيّ، والزمنيّ والجماليّ؛ فالشيب أثر يتركه الزمن على الجسد، والشعر أثر تصنعه التجربة في اللغة، وبين الأثرين تتشكّل مفارقة دلاليّة تستحقّ التأمّل، فما يشير إلى انقضاء مرحلة من العمر يمكن أن يكون منبعا للقول والإبداع، وما يبدو علامة على التحوّل الجسديّ يمكن أن يكون مادة لإعادة بناء التجربة في الوعي الشعريّ، وتبلغ هذه العلاقة كثافتها في الديوان؛ إذ يتتبّعُ الشاعرُ أثرَ الشيبِ في الروح، ويضمّنُ قصائدَه صوره المتعدّدة؛ فيلتقطُ حركاتِ الروحِ وسكناتها بين الحنينِ والمكابدة، ويضعُ قبالةَ كلِّ ألمٍ صبرًا جميلًا، وقبالةَ كلِّ حسرةٍ نافذةً من الحكمة، وقبالةَ كلِّ يأسٍ بابًا كبيرًا من الأمل، إنّه يمسكُ بيدِ قارئهِ بحنوٍّ وأسى، آخذًا به إلى مواطنِ العِظةِ والتفكّر والتدبّر، مؤمنًا بأنّ الفقرَ الحقيقيَّ يكمنُ في جفافِ العاطفةِ وانطفاءِ شعلةِ الأملِ في أحشاءِ الكلمة؛ فينطلقُ إلى بثِّ أوجاعهِ ونشيدِ وطنهِ بسخاء، لتكونَ قصائدهُ قبسًا يسعفُ السالكين في فكِّ شفراتِ غربةِ هذا الزمنِ، فربَّ قصيدةٍ بعثتْ في الحياةِ أملًا كاد أن يكونَ مفقودًا.
ويكتسبُ عنوانُ الديوان: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِعْرًا) قيمتَه الفنيّة من انفتاحه على تناصٍّ قرآنيٍّ مع قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [سورة مريم: 4]، غير أنّ الشاعرَ يُجري انزياحًا دلاليًّا مقصودًا يستبدل فيه (شيبًا) بـ(شعرًا)، فينتقلُ بالاشتعال من كونه علامةً على أفولِ العمر إلى كونه إيذانًا بتوهّج التجربة الإبداعيّة، وكأنّ سنواتِ عمره كلّها قد تحوّلت إلى وقودٍ للقصيدة، فأضحى الشِّعرُ ثمرةَ المعاناة، وصوتَ الحكمةِ التي لا تُولد إلّا بعد طولِ مكابدة، وهكذا يبدو العنوانُ مفتاحًا تأويليًّا للديوان كلّه؛ إذ جعلَ الشيبَ بدايةً لازدهارِ الكلمة لا نهايةً لفتوّتها.
ولعلّ أجمل ما يقدّمه هذا الديوان أنّه يفتح للقارئ نافذةً يرى فيها شيئًا من سيرته هو أيضًا؛ فكلُّ من خَبَرَ فلسفة الأيّام سيجد في هذا الديوان صدى لصوته، وأثرًا من حكايته، وكأنّه كتبه هو، واشتعل رأسه شِعْرًا.
وما يُضفي على هذه القراءةِ عمقًا خاصًّا لا تصوّره الألفاظ ولا تحمله المعاني، تلك العاطفةُ المترسّخةُ من صلةٍ أدبيّةٍ وثيقةٍ تضربُ بجذورها عبرَ أعوامٍ طوال؛ فقد شهدتُ عن قُربٍ مخاضَ كلماته، ورافقني حرفُهُ في محطّاتٍ شتّى، حتّى صرت أرى في ديوانه هذا خلاصةَ رحلةٍ إنسانيّةٍ وفكريّةٍ تشاركنا رسمَ ملامحها وتذوّقَ جماليّاتها، فاشتعل رأسُه شِعْرًا وهو يعبّر عنها، وكان صنيعه لي (كَمَنْ طبَّ لِمَنْ حّبَّ).
التعليقات