التّلقّي بالألسنِ وخطابُ التّشهيرِ في ضوء السّيميائيّة القرآنيّة
يخضع الكلام في المسار الطبيعيّ لتداول الأنباء لدورة فيزيائيّة ونفسيّة محدّدة عبر حواس الإنسان؛ إذ تتلقّى (الأذن) الصوت بوصفه مدخلا معرفيّا، ثم تمرّره إلى (العقل) ليترجمه ويزنه، ثمّ يخضع لعمليّات نفسيّة تتأثّر بأخلاقيّات الإنسان وفطنته ويقينه ومروءته …، فإذا اطمأنّ العقل لصدق الخبر ونفعه، أذن لـ (اللسان) بنطقه في المقامات أو الظروف التي تتطلّب النطق به.
غير أنّ المتتبّع للوصف القرآنيّ لجملة من الناس الذين يختصرون السنن الطبيعيّة في التلقّي وإنتاج الكلام، يجد أنّ القرآن الكريم يصفهم وصفا غريبا لم يطرأ على ذي لبّ؛ إذ قال تعالى في سورة النور: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور/15]
وعلى ما يبدو أنّ البلاغة القرآنية في قوله: تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وصفت الخروج عن القانون الطبيعيّ في التلقّي بطريقة إعجازيّة بليغة؛ إذ لم يَقُل الحقّ تعالى (تلقّونه بآذانكم)، بل جعل (اللسان) عضو الاستقبال وعضو الإرسال في الآن نفسه، وهذه النيابة العضويّة المدهشة تشخّص العجلة الطائشة لخطاب التّشهير؛ فالكلام بمجرد أن يلوح في الأفق، تتلقّفه الألسن تلقّفًا فوريًّا من دون أن يمرّ على العقل، ومن دون أيّ رويّة وتثبّت، أو رادع عقليّ أو وجدانيّ أو نفسيّ، فيتحوّل اللسان من أداة نطق إلى قناة ناقلة تأخذ العثرات والشائعات لتمرّرها إلى لسان آخر في حركة دائريّة غريبة تكاد تشبه ما نراه اليوم في الفضاء الرقميّ ومنصات التواصل من (إعادة النشر أو المشاركة) للفضائح دون أدنى تدبّر.
وتستمرّ الآية الكريمة في تعميق التشريح البلاغيّ لبنية التّشهير والتلقّي الأعمى بالألسن في قوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم. وهنا يعرض سؤال بيانيّ دقيق يسأل عن سبب نصّ القرآن على القول (بأفواهكم)، مع أنّ القول لا يكون في العُرف إلّا بالفم؟
ويبدو أنّ التوجيهات البلاغيّة في هذا الموضع تُصنّف هذا التحديد المعروف مسبقا في باب التوكيد، أي توكيد السطحيّة في نقل الأخبار وتداولها، ونفي العمق العقليّ؛ فالقرآن الكريم يريد أن يبيّن أنّ هذا الخطاب التّشهيريّ، وهذه التّهم المتداولة نوع من الكلام الذي يتّصل بأطراف الأفواه، وجوانب الشفاه فحسب؛ إذ يسأل الزمخشريّ عن هذا الاستعمال قائلا: “فإن قلت: ما معنى قوله بِأَفْواهِكُمْ والقول لا يكون إلا بالفم؟ قلت: معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا يجرى على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب” (الكشّاف، 1987، 3/219)، فهذا النوع من الكلام لا رصيد له من التدبّر، ولا اتّصال له بالقلوب ولا بالعقول، فهو خطاب أجوف بعيد عن أمانة العلم، يسوقه المتكلّم لغرض التداول الأعمى أو التشفّي.
وإذا كانت مادة (ش هـ ر) في معجمات العربيّة دالّة على الوضوح والإضاءة (مقاييس اللغة، 1979، 3/222)، فإنّ التّشهير مصدر على (تفعيل) من الفعل (شهّر)، وهو ـــ وإن ندر وروده في معجمات العربيّة القديمة ـــ يدلّ على ممارسة الفضيحة؛ إذ تقول: “شهَّر بفلانٍ: فضحه، عابه، وأذاع عنه السّوءَ” (معجم اللغة العربية المعاصرة، 2008، 2/1243)، ودلالته تتّصل كثيرا بهتك الستر، وإذا أردنا أن نقارب التلقّي بالألسن مع مفهوم (التّشهير) في العربيّة، سنجد توافقا دلاليّا بين المفهومين؛ فإذا كانت مادة (ش هـ ر) في أصل الاشتقاق المعجميّ تدلّ على (الظهور، والبروز، والحركة الحادّة)؛ ومنه قول العرب: (شَهَرَ الرجلُ سيفَهُ) إذا استلّه من غِمده ورفعه عاليًا، لِيُعلم مكانه ويراه كلّ راءٍ؛ فالذي يتلقّى كلام الناس بلسانه ويقذف به إلى المجتمع دون تفكير، هو كمن يستلّ زلّة الآخر، ويشهد الناس على عليها، إنّه نزع لثوب (الستر) الذي بنيت عليه الأخلاق الإنسانيّة، وتحويل الإنسان المستهدف إلى مشهد معروض للنهش المعنويّ الجماعيّ.
ويختم القرآن الكريم هذه المفارقة بمحاكاة أخلاقيّات الإنسان؛ إذ قال تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، فالبلاغة القرآنيّة تفضح الاستسهال الاجتماعيّ في التّشهير بزلّات الآخرين؛ فإذا كان المتلقّي أو المشهِّر يرى في نقل الفضيحة أو صياغة التهمة مجرد (كلمة عابرة)، أو (رأي شخصيّ)، أو (مادة للتسلية والتندّر) في المجالس أو المنصّات الرقميّة، فإنّ هذا الفعل في ميزان الحقائق الإلهيّة جرم عظيم؛ لأنّه يهدم البيوت، ويحطّم الكرامات، ويستبيح (سمعة الناس)، ويقود إلى إشاعة العداوة والبغضاء في نسيج المجتمع.
وصفوة ذلك كلّه أنّ الكلمة في المنظور القرآنيّ مسؤوليّة عظيمة، وأنّ فصاحة الإنسان وجرأته على قول الحقّ لا تتّصل في حشد الألفاظ وإشاعة القيل والقال، بل إنّ لها علاقة في ضبط اللسان عند الفتن، على أنّ علاج هذا الوباء الاجتماعيّ السائد يبدأ من استعادة الهندسة المعرفيّة الطبيعيّة التي أرادها القرآن الكريم للكلمة، بأن تسمع الأذن بنقد وتثبّت، ويتدبّر العقل بيقين، ويصمت اللسان عن العثرات؛ فصِيام اللسان عن عثرات الخلق، وعرض الخطاب على العقل قبل قذفه للمجتمع، هو البيان الإنسانيّ الأكمل والأتمّ.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
التّلقّي بالألسنِ وخطابُ التّشهيرِ في ضوء السّيميائيّة القرآنيّة
التّلقّي بالألسنِ وخطابُ التّشهيرِ في ضوء السّيميائيّة القرآنيّة
يخضع الكلام في المسار الطبيعيّ لتداول الأنباء لدورة فيزيائيّة ونفسيّة محدّدة عبر حواس الإنسان؛ إذ تتلقّى (الأذن) الصوت بوصفه مدخلا معرفيّا، ثم تمرّره إلى (العقل) ليترجمه ويزنه، ثمّ يخضع لعمليّات نفسيّة تتأثّر بأخلاقيّات الإنسان وفطنته ويقينه ومروءته …، فإذا اطمأنّ العقل لصدق الخبر ونفعه، أذن لـ (اللسان) بنطقه في المقامات أو الظروف التي تتطلّب النطق به.
غير أنّ المتتبّع للوصف القرآنيّ لجملة من الناس الذين يختصرون السنن الطبيعيّة في التلقّي وإنتاج الكلام، يجد أنّ القرآن الكريم يصفهم وصفا غريبا لم يطرأ على ذي لبّ؛ إذ قال تعالى في سورة النور: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور/15]
وعلى ما يبدو أنّ البلاغة القرآنية في قوله: تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وصفت الخروج عن القانون الطبيعيّ في التلقّي بطريقة إعجازيّة بليغة؛ إذ لم يَقُل الحقّ تعالى (تلقّونه بآذانكم)، بل جعل (اللسان) عضو الاستقبال وعضو الإرسال في الآن نفسه، وهذه النيابة العضويّة المدهشة تشخّص العجلة الطائشة لخطاب التّشهير؛ فالكلام بمجرد أن يلوح في الأفق، تتلقّفه الألسن تلقّفًا فوريًّا من دون أن يمرّ على العقل، ومن دون أيّ رويّة وتثبّت، أو رادع عقليّ أو وجدانيّ أو نفسيّ، فيتحوّل اللسان من أداة نطق إلى قناة ناقلة تأخذ العثرات والشائعات لتمرّرها إلى لسان آخر في حركة دائريّة غريبة تكاد تشبه ما نراه اليوم في الفضاء الرقميّ ومنصات التواصل من (إعادة النشر أو المشاركة) للفضائح دون أدنى تدبّر.
وتستمرّ الآية الكريمة في تعميق التشريح البلاغيّ لبنية التّشهير والتلقّي الأعمى بالألسن في قوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم. وهنا يعرض سؤال بيانيّ دقيق يسأل عن سبب نصّ القرآن على القول (بأفواهكم)، مع أنّ القول لا يكون في العُرف إلّا بالفم؟
ويبدو أنّ التوجيهات البلاغيّة في هذا الموضع تُصنّف هذا التحديد المعروف مسبقا في باب التوكيد، أي توكيد السطحيّة في نقل الأخبار وتداولها، ونفي العمق العقليّ؛ فالقرآن الكريم يريد أن يبيّن أنّ هذا الخطاب التّشهيريّ، وهذه التّهم المتداولة نوع من الكلام الذي يتّصل بأطراف الأفواه، وجوانب الشفاه فحسب؛ إذ يسأل الزمخشريّ عن هذا الاستعمال قائلا: “فإن قلت: ما معنى قوله بِأَفْواهِكُمْ والقول لا يكون إلا بالفم؟ قلت: معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا يجرى على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب” (الكشّاف، 1987، 3/219)، فهذا النوع من الكلام لا رصيد له من التدبّر، ولا اتّصال له بالقلوب ولا بالعقول، فهو خطاب أجوف بعيد عن أمانة العلم، يسوقه المتكلّم لغرض التداول الأعمى أو التشفّي.
وإذا كانت مادة (ش هـ ر) في معجمات العربيّة دالّة على الوضوح والإضاءة (مقاييس اللغة، 1979، 3/222)، فإنّ التّشهير مصدر على (تفعيل) من الفعل (شهّر)، وهو ـــ وإن ندر وروده في معجمات العربيّة القديمة ـــ يدلّ على ممارسة الفضيحة؛ إذ تقول: “شهَّر بفلانٍ: فضحه، عابه، وأذاع عنه السّوءَ” (معجم اللغة العربية المعاصرة، 2008، 2/1243)، ودلالته تتّصل كثيرا بهتك الستر، وإذا أردنا أن نقارب التلقّي بالألسن مع مفهوم (التّشهير) في العربيّة، سنجد توافقا دلاليّا بين المفهومين؛ فإذا كانت مادة (ش هـ ر) في أصل الاشتقاق المعجميّ تدلّ على (الظهور، والبروز، والحركة الحادّة)؛ ومنه قول العرب: (شَهَرَ الرجلُ سيفَهُ) إذا استلّه من غِمده ورفعه عاليًا، لِيُعلم مكانه ويراه كلّ راءٍ؛ فالذي يتلقّى كلام الناس بلسانه ويقذف به إلى المجتمع دون تفكير، هو كمن يستلّ زلّة الآخر، ويشهد الناس على عليها، إنّه نزع لثوب (الستر) الذي بنيت عليه الأخلاق الإنسانيّة، وتحويل الإنسان المستهدف إلى مشهد معروض للنهش المعنويّ الجماعيّ.
ويختم القرآن الكريم هذه المفارقة بمحاكاة أخلاقيّات الإنسان؛ إذ قال تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، فالبلاغة القرآنيّة تفضح الاستسهال الاجتماعيّ في التّشهير بزلّات الآخرين؛ فإذا كان المتلقّي أو المشهِّر يرى في نقل الفضيحة أو صياغة التهمة مجرد (كلمة عابرة)، أو (رأي شخصيّ)، أو (مادة للتسلية والتندّر) في المجالس أو المنصّات الرقميّة، فإنّ هذا الفعل في ميزان الحقائق الإلهيّة جرم عظيم؛ لأنّه يهدم البيوت، ويحطّم الكرامات، ويستبيح (سمعة الناس)، ويقود إلى إشاعة العداوة والبغضاء في نسيج المجتمع.
وصفوة ذلك كلّه أنّ الكلمة في المنظور القرآنيّ مسؤوليّة عظيمة، وأنّ فصاحة الإنسان وجرأته على قول الحقّ لا تتّصل في حشد الألفاظ وإشاعة القيل والقال، بل إنّ لها علاقة في ضبط اللسان عند الفتن، على أنّ علاج هذا الوباء الاجتماعيّ السائد يبدأ من استعادة الهندسة المعرفيّة الطبيعيّة التي أرادها القرآن الكريم للكلمة، بأن تسمع الأذن بنقد وتثبّت، ويتدبّر العقل بيقين، ويصمت اللسان عن العثرات؛ فصِيام اللسان عن عثرات الخلق، وعرض الخطاب على العقل قبل قذفه للمجتمع، هو البيان الإنسانيّ الأكمل والأتمّ.
التعليقات