روایة “جسر الملك سان لويس”
بطل هذه الرواية هو الجسر الذي حملت اسمه، وهي للكاتب الأمريكي الشهير ثورنتون وايلدر. جسر مصنوع من الحبال المجدولة، ومن غصون الصفصاف، أقامه الهنود الحمر ليصل بين مدينتي (ليما) و(كيزكو) في أوائل القرن السابع عشر، وظل صالحاً للاستعمال لمدة تزيد على قرن من الزمان. ولم يكن يزيد على سلم بسط فوق الوادي العميق، يحفه حاجزان من جذوع الأشجار. وكانت الجياد والعربات والمحفات تهبط مئات الأقدام لتمر بقطع من الخشب فوق ذلك السيل الصاخب الضيق، أما المسافرون فكانوا دائماً يفضلون أن يعبروا فوق الجسر. وكانت تقوم على رأس هذا الجسر، الذي يحمل اسم راعيه (لويس الفرنسي)، كنيسة صغيرة مبنية من اللبن، تباركه وتحميه.
وفي ظهر يوم الجمعة الثاني عشر من تموز عام (1714)، انهار جسر سان لويس فجأة، وتقطعت حباله، وقذف بخمسة كانوا يعبرونه إلى الهوة العميقة تحته. وكان أهالي البلدة يعتقدون بأن الجسر باق إلى الأبد، ولم يدر في خلد أحد أنه يمكن أن ينهار يوماً ما، لذلك كان كل من سمع بالحادث من سكان (بيرو) يرسم علامة الصليب، ويروح يفكر متى عبر الجسر آخر مرة، ومتى كان ينوي عبوره في المرة القادمة.
واستولى على سكان (ليما) شعور قوي بالتوبة والندم، فردت الخادمات ما كن قد سرقنه من أساور سيداتهن، واضطر المرابون إلى أن يدافعوا بحرارة عن الربا أمام زوجاتهم، وأعلن كثيرون توبتهم. وكان غريباً أن يترك انهيار الجسر ذلك الأثر البالغ في نفوس أهالي (بيرو)، فكان حزنهم عميقاً لهذا الحادث، ولكن لم يفكر أحد منهم في أن يعمل شيئاً من أجله، إلا رجل واحد هو الراهب (جونيبير)، وهو من الرهبان الفرنسيسكان من إيطاليا، إذ كان وجوده في مكان الحادث عند وقوعه مصادفة عجيبة، تكاد توحي بأن وراءها قوة واعية.
فقد جاء من شمالي إيطاليا إلى (بيرو) ليدعو الهنود إلى المسيحية، وكان في ذلك اليوم المشؤوم يسير على أحد التلال، وراح يسرح ببصره في تلك اللوحة الثلجية التي تغطي القمم البعيدة، ونفسه تفيض رضاً لما لقيه من نجاح، فقد عمر كثيراً من الكنائس المهجورة حتى أصبح الهنود يحتشدون فيها لصلاة الصباح. وبينما كان السلام يغمر نفسه، إذ وقع بصره على الجسر، ففي تلك اللحظة شق الهواء صوت قاصف، ورأى الجسر ينشطر شطرين ويقذف إلى الوادي العميق بخمسة عابرين، راحوا يلوحون بأذرعهم، وقد بدت أجسامهم من بعيد ضئيلة كالنمل.
ولو كان غيره في مكانه لهنأ نفسه في سرور خفي، إذ أفلت من الموت وهو على قيد خطوات منه، ولكن الذي طاف برأسه كان شيئاً آخر: (لماذا حدث هذا لهؤلاء الخمسة؟).
حينئذ تطوع لتقصي أخبار الضحايا، لعله يصل إلى خيط يجمع بينهم، ويفسر الأحداث التي أدت بهم إلى هذا المصير المحتوم، مما دفعه إلى العمل ستة أعوام كاملة، طارقاً كل باب في (ليما)، ملقياً آلاف الأسئلة، ومسوداً مئات الصفحات في محاولته لإثبات أن حياة كل واحد من هؤلاء القتلى كانت كلاً لا يتجزأ.
وكان الناس جميعاً يعلمون أنه كتب كتاباً عن ذلك الحادث، فكانوا يقدمون إليه ما يطلب من عون. وكانت ثمرة هذا النشاط الطويل كتاباً ضخماً أحرق أمام الملأ مع صاحبه بعد أن وقع في يد بعض قضاة محاكم التفتيش، حيث أعلنوا أن فيه دعوة إلى الإلحاد.
إلا أن نسخة منه لم يعلم بأمرها أحد أخذت طريقها بصورة خفية إلى مكتبة الجامعة في (سان ماركو) بعد أعوام طويلة، وهناك ثوت في صندوق بين دفتيه الخشبيتين، حيث راح الغبار يتراكم عليها يوماً بعد يوم. أما صفحاتها فتضمنت قصة كل واحد من هؤلاء القتلى، وآلافاً من الحقائق الصغيرة والأخبار والروايات، وقد ختم ذلك بعبارة جزلة تبين كيف اختار الله ذلك الشخص بعينه ليموت في ذلك اليوم بعينه، حتى يفصح للناس عن حكمة الرب.
وقادته تحرياته إلى العثور على رائعة أدبية، مجموعة من الرسائل سطرتها الضحية الأولى، المركيزة (دي فتماير)، إلى ابنتها (دونا كلارا)، المتزوجة من نائب ملك إسبانيا. وكانت رسائلها تفيض بحبها المجنون نحو ابنتها، لعلها تعوض، أو تحل محل ذلك الحب الذي لم يجد له متنفساً في واقع الحياة، وتحاول أن تظفر باهتمام ابنتها النائية أو إعجابها. تلك الرسائل التي قدر لها أن تصبح نصوصاً يدرسها الطلبة، ومادة ينقب فيها علماء اللغة، وغدت بعد قرن من موتها أثراً من الآثار الخالدة في الأدب الإسباني.
وعندما أتمت رسالتها السادسة والخمسين، والتي فرغت من كتابتها قبل الفجر في الفندق، وفي طريق عودتها إلى (ليما)، بعد أن تمت مراسم الحج إلى ضريح القديسة (ماريا دي كلوزمبوك)، مع خادمتها (ببيتا)، فتاة الدير، وفي عبورهما جسر (سان لويس)، سقط بهما.
أما (ببيتا)، الضحية الثانية، فهي الفتاة اليتيمة التي خرجت من الدير، ولم تحس بالسعادة في بيتها الجديد، أي عندما دخلت في خدمة المركيزة (دي فتماير)، وتسجل مشاعرها في خطاب موجه إلى رئيسة الدير، وهي مربيتها ومعلمتها. وقد عرفت المركيزة محتوياته، فتأثرت وتعاطفت مع الفتاة، ولغرض التخفيف عنها اصطحبتها معها، بعد أيام، في رحلة لزيارة ضريح القديسة (ماريا)، وعند عودتهما إلى (ليما) سقطتا في هوة الوادي العميق.
أما الضحية الثالثة فهو (استيفان)، الذي نشأ مع أخيه التوأم (مانويل) في أحد الأديرة. وعندما يموت (مانويل)، بعد أن يمضي وقتاً طويلاً يعاني من غرامه للممثلة (كاميليا)، يشعر استيفان باليأس والحزن، ويحاول الانتحار، ولكنه ينجو من الموت بعد أن تدخل البحار (الفرادو)، ثم أقنعه بالعمل معه في البحر. وعندما أخذا طريقهما من مدينة (كيزكو) إلى (ليما)، ولما بلغا الجسر هبط الكابتن إلى النهر ليشرف على نقل بعض المتاع، أما استيفان فعبر من فوقه وسقط فيه.
أما الرابع فهو العم (بيو)، وكان للممثلة الشهيرة (كاميليا بيركول) الخادم، ومعلم الغناء، والحلاق، والقارئ، والرسول، والقيم على شؤون المال، بل لقد أضافت الشائعات أنه أيضاً أبوها. ولم تكن (كاميليا) تعرف القراءة والكتابة، فكان العم (بيو) يعلمها أدوارها، ويقرأ لها، ويكتب رسائلها. ويكفي أن نعلم أن (بيركول) قد ظهرت في مائة مسرحية من وضع (لوب دي فيغا) وحده، مع أنه كان في ليما عندئذ كثير من الممثلات القديرات، فقد كن جميعاً دون (بيركول) منزلة ومقدرة. على أن شخصاً واحداً كان يؤمن بعظمة (بيركول)، ذلك هو مدربها العم (بيو).
وقد وصفته المركيزة (دي فتماير) في رسالتها التاسعة والعشرين إلى ابنتها (كلارا) المقيمة في إسبانيا، بأنه كان سليلاً غير شرعي لأسرة عريقة في (قشتالة)، وقد فر في العاشرة من عمره من منزل والده إلى مدريد. وكان قد وهبه الله ست خصال لا غنى للمغامر عنها: ذاكرة لا تنسى ما تسمع من أسماء، وما تلقى من وجوه، مع قدرة على تغيير اسمه ووجهه، ومعرفة الكثير من الممثلات، وابتكار لا ينفد، وحفظ الأسرار، وقدرة على الحديث، وتحرر من وخز الضمير، مبعثه ما يحمل للضحايا الأغنياء الأغبياء من احتقار.
إن العم (بيو) أظرف إنسان في (ليما)، وإن حديثه يسحر سامعيه، ولو لم يكن على ما هو عليه من سوء السمعة، لاتخذته أنا سكرتيراً لي يكتب رسائلي.
وعندما أصيبت الممثلة (بيركول) بمرض الجدري، اعتزلت المسرح وعشاقها وأصدقاءها وعالمها برمته، هاربة إلى الريف، إذ امتلأت نفسها بالمرارة والحزن، حتى ردت الهدايا إلى نائب الملك، ورئيس الأساقفة، وأصدقائها المخلصين، ولم تسمح لأحد أن يدخل عليها في بيتها النائي البعيد عدا ممرضتها وخادمتها. أما العم (بيو) فإنه لم ييأس، بل استطاع أن ينفذ إلى البيت وإلى صاحبته، بما كان يبذل من رعاية للأطفال، ومساعدة في إدارة شؤون المنزل، ولما كان يقرضها من المال بأسلوب لا يجرح كرامتها. وبعد أن طردته في واحدة من حالات غضبها وانحراف مزاجها، استطاع إقناعها بأن يأخذ ابنها (جيم) ليعيش معه مدة عام في (ليما)، ليعلمه اللهجات والموسيقى وبعض الفنون. وعندما اصطحب الصبي في اليوم التالي حاملاً متاعه، وعند بلوغهما الجسر، لقيا مصرعهما، وكان (جيم) هو الضحية الخامسة.
وينتهي الراهب (جونيبير) إلى أن موت الضحايا لم يكن يتماشى مع عدالة الرب، فلم يجد في حياة أي منهم ما يبرر مصرعه على هذا النحو، وتختتم الرواية باتهام الأب (جونيبير) بالإلحاد، فيحرق هو وكتابه أمام أهل (ليما)…
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
روایة “جسر الملك سان لويس”
روایة “جسر الملك سان لويس”
بطل هذه الرواية هو الجسر الذي حملت اسمه، وهي للكاتب الأمريكي الشهير ثورنتون وايلدر. جسر مصنوع من الحبال المجدولة، ومن غصون الصفصاف، أقامه الهنود الحمر ليصل بين مدينتي (ليما) و(كيزكو) في أوائل القرن السابع عشر، وظل صالحاً للاستعمال لمدة تزيد على قرن من الزمان. ولم يكن يزيد على سلم بسط فوق الوادي العميق، يحفه حاجزان من جذوع الأشجار. وكانت الجياد والعربات والمحفات تهبط مئات الأقدام لتمر بقطع من الخشب فوق ذلك السيل الصاخب الضيق، أما المسافرون فكانوا دائماً يفضلون أن يعبروا فوق الجسر. وكانت تقوم على رأس هذا الجسر، الذي يحمل اسم راعيه (لويس الفرنسي)، كنيسة صغيرة مبنية من اللبن، تباركه وتحميه.
وفي ظهر يوم الجمعة الثاني عشر من تموز عام (1714)، انهار جسر سان لويس فجأة، وتقطعت حباله، وقذف بخمسة كانوا يعبرونه إلى الهوة العميقة تحته. وكان أهالي البلدة يعتقدون بأن الجسر باق إلى الأبد، ولم يدر في خلد أحد أنه يمكن أن ينهار يوماً ما، لذلك كان كل من سمع بالحادث من سكان (بيرو) يرسم علامة الصليب، ويروح يفكر متى عبر الجسر آخر مرة، ومتى كان ينوي عبوره في المرة القادمة.
واستولى على سكان (ليما) شعور قوي بالتوبة والندم، فردت الخادمات ما كن قد سرقنه من أساور سيداتهن، واضطر المرابون إلى أن يدافعوا بحرارة عن الربا أمام زوجاتهم، وأعلن كثيرون توبتهم. وكان غريباً أن يترك انهيار الجسر ذلك الأثر البالغ في نفوس أهالي (بيرو)، فكان حزنهم عميقاً لهذا الحادث، ولكن لم يفكر أحد منهم في أن يعمل شيئاً من أجله، إلا رجل واحد هو الراهب (جونيبير)، وهو من الرهبان الفرنسيسكان من إيطاليا، إذ كان وجوده في مكان الحادث عند وقوعه مصادفة عجيبة، تكاد توحي بأن وراءها قوة واعية.
فقد جاء من شمالي إيطاليا إلى (بيرو) ليدعو الهنود إلى المسيحية، وكان في ذلك اليوم المشؤوم يسير على أحد التلال، وراح يسرح ببصره في تلك اللوحة الثلجية التي تغطي القمم البعيدة، ونفسه تفيض رضاً لما لقيه من نجاح، فقد عمر كثيراً من الكنائس المهجورة حتى أصبح الهنود يحتشدون فيها لصلاة الصباح. وبينما كان السلام يغمر نفسه، إذ وقع بصره على الجسر، ففي تلك اللحظة شق الهواء صوت قاصف، ورأى الجسر ينشطر شطرين ويقذف إلى الوادي العميق بخمسة عابرين، راحوا يلوحون بأذرعهم، وقد بدت أجسامهم من بعيد ضئيلة كالنمل.
ولو كان غيره في مكانه لهنأ نفسه في سرور خفي، إذ أفلت من الموت وهو على قيد خطوات منه، ولكن الذي طاف برأسه كان شيئاً آخر: (لماذا حدث هذا لهؤلاء الخمسة؟).
حينئذ تطوع لتقصي أخبار الضحايا، لعله يصل إلى خيط يجمع بينهم، ويفسر الأحداث التي أدت بهم إلى هذا المصير المحتوم، مما دفعه إلى العمل ستة أعوام كاملة، طارقاً كل باب في (ليما)، ملقياً آلاف الأسئلة، ومسوداً مئات الصفحات في محاولته لإثبات أن حياة كل واحد من هؤلاء القتلى كانت كلاً لا يتجزأ.
وكان الناس جميعاً يعلمون أنه كتب كتاباً عن ذلك الحادث، فكانوا يقدمون إليه ما يطلب من عون. وكانت ثمرة هذا النشاط الطويل كتاباً ضخماً أحرق أمام الملأ مع صاحبه بعد أن وقع في يد بعض قضاة محاكم التفتيش، حيث أعلنوا أن فيه دعوة إلى الإلحاد.
إلا أن نسخة منه لم يعلم بأمرها أحد أخذت طريقها بصورة خفية إلى مكتبة الجامعة في (سان ماركو) بعد أعوام طويلة، وهناك ثوت في صندوق بين دفتيه الخشبيتين، حيث راح الغبار يتراكم عليها يوماً بعد يوم. أما صفحاتها فتضمنت قصة كل واحد من هؤلاء القتلى، وآلافاً من الحقائق الصغيرة والأخبار والروايات، وقد ختم ذلك بعبارة جزلة تبين كيف اختار الله ذلك الشخص بعينه ليموت في ذلك اليوم بعينه، حتى يفصح للناس عن حكمة الرب.
وقادته تحرياته إلى العثور على رائعة أدبية، مجموعة من الرسائل سطرتها الضحية الأولى، المركيزة (دي فتماير)، إلى ابنتها (دونا كلارا)، المتزوجة من نائب ملك إسبانيا. وكانت رسائلها تفيض بحبها المجنون نحو ابنتها، لعلها تعوض، أو تحل محل ذلك الحب الذي لم يجد له متنفساً في واقع الحياة، وتحاول أن تظفر باهتمام ابنتها النائية أو إعجابها. تلك الرسائل التي قدر لها أن تصبح نصوصاً يدرسها الطلبة، ومادة ينقب فيها علماء اللغة، وغدت بعد قرن من موتها أثراً من الآثار الخالدة في الأدب الإسباني.
وعندما أتمت رسالتها السادسة والخمسين، والتي فرغت من كتابتها قبل الفجر في الفندق، وفي طريق عودتها إلى (ليما)، بعد أن تمت مراسم الحج إلى ضريح القديسة (ماريا دي كلوزمبوك)، مع خادمتها (ببيتا)، فتاة الدير، وفي عبورهما جسر (سان لويس)، سقط بهما.
أما (ببيتا)، الضحية الثانية، فهي الفتاة اليتيمة التي خرجت من الدير، ولم تحس بالسعادة في بيتها الجديد، أي عندما دخلت في خدمة المركيزة (دي فتماير)، وتسجل مشاعرها في خطاب موجه إلى رئيسة الدير، وهي مربيتها ومعلمتها. وقد عرفت المركيزة محتوياته، فتأثرت وتعاطفت مع الفتاة، ولغرض التخفيف عنها اصطحبتها معها، بعد أيام، في رحلة لزيارة ضريح القديسة (ماريا)، وعند عودتهما إلى (ليما) سقطتا في هوة الوادي العميق.
أما الضحية الثالثة فهو (استيفان)، الذي نشأ مع أخيه التوأم (مانويل) في أحد الأديرة. وعندما يموت (مانويل)، بعد أن يمضي وقتاً طويلاً يعاني من غرامه للممثلة (كاميليا)، يشعر استيفان باليأس والحزن، ويحاول الانتحار، ولكنه ينجو من الموت بعد أن تدخل البحار (الفرادو)، ثم أقنعه بالعمل معه في البحر. وعندما أخذا طريقهما من مدينة (كيزكو) إلى (ليما)، ولما بلغا الجسر هبط الكابتن إلى النهر ليشرف على نقل بعض المتاع، أما استيفان فعبر من فوقه وسقط فيه.
أما الرابع فهو العم (بيو)، وكان للممثلة الشهيرة (كاميليا بيركول) الخادم، ومعلم الغناء، والحلاق، والقارئ، والرسول، والقيم على شؤون المال، بل لقد أضافت الشائعات أنه أيضاً أبوها. ولم تكن (كاميليا) تعرف القراءة والكتابة، فكان العم (بيو) يعلمها أدوارها، ويقرأ لها، ويكتب رسائلها. ويكفي أن نعلم أن (بيركول) قد ظهرت في مائة مسرحية من وضع (لوب دي فيغا) وحده، مع أنه كان في ليما عندئذ كثير من الممثلات القديرات، فقد كن جميعاً دون (بيركول) منزلة ومقدرة. على أن شخصاً واحداً كان يؤمن بعظمة (بيركول)، ذلك هو مدربها العم (بيو).
وقد وصفته المركيزة (دي فتماير) في رسالتها التاسعة والعشرين إلى ابنتها (كلارا) المقيمة في إسبانيا، بأنه كان سليلاً غير شرعي لأسرة عريقة في (قشتالة)، وقد فر في العاشرة من عمره من منزل والده إلى مدريد. وكان قد وهبه الله ست خصال لا غنى للمغامر عنها: ذاكرة لا تنسى ما تسمع من أسماء، وما تلقى من وجوه، مع قدرة على تغيير اسمه ووجهه، ومعرفة الكثير من الممثلات، وابتكار لا ينفد، وحفظ الأسرار، وقدرة على الحديث، وتحرر من وخز الضمير، مبعثه ما يحمل للضحايا الأغنياء الأغبياء من احتقار.
إن العم (بيو) أظرف إنسان في (ليما)، وإن حديثه يسحر سامعيه، ولو لم يكن على ما هو عليه من سوء السمعة، لاتخذته أنا سكرتيراً لي يكتب رسائلي.
وعندما أصيبت الممثلة (بيركول) بمرض الجدري، اعتزلت المسرح وعشاقها وأصدقاءها وعالمها برمته، هاربة إلى الريف، إذ امتلأت نفسها بالمرارة والحزن، حتى ردت الهدايا إلى نائب الملك، ورئيس الأساقفة، وأصدقائها المخلصين، ولم تسمح لأحد أن يدخل عليها في بيتها النائي البعيد عدا ممرضتها وخادمتها. أما العم (بيو) فإنه لم ييأس، بل استطاع أن ينفذ إلى البيت وإلى صاحبته، بما كان يبذل من رعاية للأطفال، ومساعدة في إدارة شؤون المنزل، ولما كان يقرضها من المال بأسلوب لا يجرح كرامتها. وبعد أن طردته في واحدة من حالات غضبها وانحراف مزاجها، استطاع إقناعها بأن يأخذ ابنها (جيم) ليعيش معه مدة عام في (ليما)، ليعلمه اللهجات والموسيقى وبعض الفنون. وعندما اصطحب الصبي في اليوم التالي حاملاً متاعه، وعند بلوغهما الجسر، لقيا مصرعهما، وكان (جيم) هو الضحية الخامسة.
وينتهي الراهب (جونيبير) إلى أن موت الضحايا لم يكن يتماشى مع عدالة الرب، فلم يجد في حياة أي منهم ما يبرر مصرعه على هذا النحو، وتختتم الرواية باتهام الأب (جونيبير) بالإلحاد، فيحرق هو وكتابه أمام أهل (ليما)…
التعليقات