غرام الربيعي امتزاج الحرف بدهشة اللون
حين يقف القارئ أمام شاعر مجيد فإنه يبهر بصوره ، وإن كان الشاعر عازفا ، أو الشعر مصحوبا بالعزف تصبح الصورة أبهى ، وإن كان الشاعر عازف لون صارت صوره أكثر رقة وبهاء ، وتحولت قصيدته بالمشيئة إلى كائن يتنفس اللون ، وهذا ما كان من قراءتي الأولى قبل عام في تجربة المبدعة العراقية غرام الربيعي ، التي أجادت شعرا ، وكانت ملامس لوحتها أثيرية ، وكان حضورها الثقافي مميزا.
القصيدة والحرف:
عندما تسمع غرام الربيعي أو تقرأ شعرها المنطلق على سجيته ، والذي يحفل بالزوايا الحادة ، فإنك تقابل تمردا شعريا في الشكل والمضمون ، وهي الحاضرة على الساحة الثقافية والشعرية بجدارة واستحقاق ،ويبرز همها الشعري في جل شعرها ، وقد التقطت ذلك النفس المتمرد والتجريبي الخاص في قصيدتها(من أساطير الليلة قبل الألف) وأقفال المعنى المحددة عندها بين قوسين ، وهي تحدد الغاية والمعضلة في آن معا:
السماء مشغولة بضجيج الظلم
(الترنيمة لم تكتمل)
الخرافة بعضها فرحة وبعضها قاتل
فتاه البعض تيها عظيما
… ….
فأنا الطاغية في الحب
الحكاية تدون مقتلي
والقاموس مخذول
…. ….
( القلب موشوم)
… …
كل ما أدريه
لاجدوى من ورد
يغطى بالنسيان
لاجدوى من نشيد بين الجدران
لاجدوى من صراخ أخرس
لاجدوى من العيش في مدينة تغص بالذئاب
لست فكرة
كي تقايضها بالبدائل
لست مكررة
ولامفترقا للطرق
كل ما أدري
قلبك ليس مختمرا
وبكل بياض
أنا ( معشر الغاردينيا)
قلبي كان طليقا
سجنته أنت
ويردد
( اللعنة عليك).
هذه مقتطفات من قصيدة متميزة بنبرتها وموضوعها وتمردها وصراخ المرأة العالي التي لاتنهزم إلى البكائية ، وإنما ترفع حدود الغضب إلى مراحل غير متوقعة ، ولكنها تخرج صادقة صادمة تلامس الواقع وتقهره بقوة الإرادة ورفض الورد بلا روح والفكرة البديلة ومفترق الطرق ..وأزعم أن الشاعرة وبوعي تام قدمت نصا شفافا يبتعد عن الحلم المرضي الذي تعج به القصائد الأخرى.
المشهدية والصورة:
القصيدة قصة مشهدية متسلسلة ، وصور شعريت لاتتوقف عن التحفيز والإيلام لشاعرة تدور بقلمها كما ريشتها لترسم معالم الروح الشاعرة الشفيفة التي رفضت الخرس ، ولم تكتف باللون ، خاصة عندما نتصفح لوحاتها الفنية التي تتميز بالسكينة في تصوير النساء الحالمة والقباب والوجوه ، ومفردات اللوحة عند التشكيلية غرام الربيعي تشير إلى الحياة والاستمرارية والديمومة ، مع هالة من الموروث وقداسة الحياة ، ولو تفرسنا الوجوه نصل إلى ذلك التصالح المطلق بين اللوحة والحياة ، فلا وجود للخطوط القاسية والحادة ، ولا للموضوعات النافرة، ومن الناحية الجمالية التقنية ،فقد أغتنت لوحاتها بلوني الحياة المفضلين للاستمرارية الأخضر والأزرق .
إن تجربة المبدعة العراقية الفنانة والشاعرة غرام الربيعي ، والتي شعدتها لوحة ومنبرا تعطي صورة متكاملة عن القيمة المضافة للكلمة إن اتكأت على لون أو لحن ، مايعطي المبدع فرصة إضافية للتعبير عن دواخله وهواجسه بشكل أكثر انسيابية ، وأذكر صديقي الراحل الفنان السوري العالمي فاتح مدرس الذي قال لي ، هناك موضوعات يعجز عنها اللون فيحضر الكلام ، وهناك مايعجز كلاهما عنه فتحضر الموسيقا ، وقد كان فاتح فنانا عالميا وقاصا رائدا وشاعرا يسجل دهشة اللحظة..
تجربة الشاعرة الربيعي في شعرها ولوحتها تجربة مميزة وتستحق أن تكون مرحلة في الشعر والفن على السواء..
د.إسماعيل مروة
کاظم حسوني
حمدي العطار
د. ناصر أبو زيد
التعليقات