الصبراني.. حين يصبح الوطن جرحًا لا يغادر صاحبه
رواية “الصبراني” للمبدع العراقي علي لفتة سعيد، هي في جوهرها، رواية وطنٍ تحوّل إلى جرحٍ مستقرّ في قلب بطله نديم الصبراني، جرحٍ لا يستطيع مغادرته، حتى وإن غادر المكان، لأن الوطن في هذه الرواية ليس جغرافيا يمكن الابتعاد عنها، ولا مدينةً يمكن استبدالها بمدينةٍ أخرى، بل هو ذاكرةٌ كاملةٌ تسكن الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه ومخاوفه وأسئلته عن الحياة والعدالة والمصير
تدور أحداث الرواية، كما يخبرنا الروائي، بين كربلاء والقاهرة، لكن المسافة الجغرافية بين المدينتين لا تبدو هي المسافة الحقيقية في الرواية، فالمسافة الأعمق هي تلك الممتدّة بين عراقٍ كان يعرفه الصبراني، وعراقٍ آخر وجد نفسه فيه بعد سقوط النظام السابق. ومن هنا تتحوّل الرحلة من مكان إلى مكانٍ إلى رحلةٍ داخل الذاكرة، وبين زمنين، وبين صورتين للوطن
نديم الصبراني رجلٌ كان يعمل ضابطًا في جهاز السلطة السابقة في العراق، ثم فقد عمله، وفقد معها شيئًا من موقعه وشكله السابق في الحياة. لكنه لم يفقد ذاكرته. وهذه هي المفارقة الأهم في شخصيته، فبينما يسعى الإنسان عادةً إلى النسيان كي يستطيع الاستمرار، يجد الصبراني نفسه محكومًا بالتذكّر. إنه يحمل ماضيه معه كما يحمل وطنه، ولا يستطيع التخلص من أيٍّ منهما
إنه إنسان يبحث عن معنى لما حدث له، ولما حدث لوطنه، وكأن حياته تحوّلت إلى ملفٍ مفتوحٍ لا يستطيع إغلاقه. ولهذا فإن ما يحمله الصبراني ليس مجرّد حقيبةٍ من الأوراق، بل ذاكرة وطنٍ كامل، بكلّ ما فيها من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وخيباتٍ وأسئلةٍ معلقة.
الصبراني يحمل العراق بداخله، عراق الخوف، عراق الاحتلال، عراق الفساد، وعراق الدين حين يتحوّل من قيمةٍ روحيةٍ وأخلاقيةٍ إلى وسيلةٍ للمنفعة والتكسّب، وعراق الفقد الشخصي الذي يتجسّد في خسارته لابنه ..ومن هنا لا تعود قضية الابن قضيةً عائليةً منفصلةً عن القضية العامة، لأن فقدان الابن يتحوّل إلى صورةِ مصغّرةٍ لفقدان الوطن. فالصبراني لا يبحث عن ابنه وحده، وإنما يبحث، من خلاله، عن معنًى لما جرى، وعن عدالةٍ غابت، وعن حقيقةٍ لا يستطيع أن يصل إليها
الضابط والشاعر
من أكثر الجوانب التي لفتت نظري في بناء شخصية الصبراني أن الصبراني، ضابطٌ وشاعرٌ في الوقت نفسه. وهذه الثنائية ليست مجرّد تفصيل في تكوين الشخصية، وإنما هي مفتاحٌ لفهمها وفهم الصراع الداخلي الذي تعيشه.. فالضابط يقرأ الملفّات، ويراقب التفاصيل، ويستشعر الخطر، ويقرأ وجوه الناس، ويتعامل مع الوقائع بحذرٍ وانتباه. أما الشاعر فإنه يقرأ ما وراء الوقائع، يلتقط الألم، ويستشعر الخسارة، ويمنح الجرح لغة حين يعجز الواقع عن تفسيره.. ولهذا يعيش الصبراني ممزّقًا بين شخصيتين، شخصية الضابط الذي عرف كيف تعمل السلطة، وكيف تستطيع أن تسحق الإنسان نفسيًا، وشخصية الشاعر الذي لم يفقد قدرته على الإحساس، وعلى رؤية الألم بوصفه أكثر من مجرّد حادثةٍ عابرةٍ..
وهذه الازدواجية تجعل الصبراني بعيدًا عن الشخصيات النمطية. فهو ليس بطلاً نقيًا في عالمٍ نقي، وليس شخصيةً شرّيرةً في عالمٍ أسود. إنه يعيش في المنطقة الرمادية، تلك المنطقة التي عاش فيها كثير من العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب التحوّلات الكبرى، ولم يكونوا قادرين على الوقوف خارجها أو التحكم في نتائجها.. وهنا تتجلّى إنسانية الشخصية، فهي لا تحاول تبرئة الماضي، بقدر ما تحاول فهمه، ولا تدّعي أنها كانت خارج منظومة السلطة، لكنها في الوقت نفسه تكشف ما فعلته تلك المنظومة بالإنسان
الخراب الذي يسكن الإنسان
أهم ما يمكن التوقّف عنده في الرواية هو أن الخراب الحقيقي، لم يبقَ خارج الإنسان. فالخراب ليس في الشوارع والمؤسّسات وحدها، وإنما تغلغل في الوعي نفسه، وأصاب علاقة الإنسان بذاكرته ومكانه وماضيه.. فالعراق في الصبراني ليس مجرّد مكانٍ تجري فيه الأحداث، وإنما هو ذاكرةٌ شخصيةٌ وجماعية. وكربلاء، التي كان الصبراني يعرفها شارعًا شارعًا، تتحوّل أمام عينيه إلى مكانٍ غريب، وكأن المدينة التي حفظ تفاصيلها لم تعد هي المدينة ذاتها.. فالمكان هنا لا يتغيّر من الناحية الجغرافية فقط، بل يتغيّر في الوعي. الشارع الذي كان مألوفًا يصبح مصدرًا للخوف، والمدينة التي كانت تمنح الإنسان شعور الانتماء تتحول إلى مساحةٍ من التوجس والشك.. وهذه من أكثر الدلالات عمقًا في الرواية، لأن سقوط النظام لم يسقط سلطةً سياسيةً فحسب، وإنما أحدث زلزالًا في علاقة الإنسان بالمكان. وحين يفقد الإنسان إحساسه بالأمان في المكان الذي نشأ فيه، فإنه لا يفقد المكان وحده، بل يفقد جزءًا من صورته عن نفسه
الاحتلال وما بعده
لا يتعامل علي لفتة سعيد مع الاحتلال بوصفه حضورًا عسكريًا فقط. فالجندي والآلة العسكرية هما جزء من المشهد، لكن الأثر الأعمق للاحتلال يظهر في ما تركه داخل المجتمع العراقي من تصدعاتٍ وتحوّلات.. لقد انهارت قيم كثيرة، وصعد الانتهازيون إلى مواقع السلطة، وتداخل السياسي بالديني، واستُخدمت بعض الرموز والمفاهيم لتحقيق المصالح، وتحوّل العراق إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لتدخّل قوّى متعدّدة.. وهنا تكمن المفارقة التي تمنح الرواية قوّتها، فالصبراني لا يتذكّر نظامًا سابقًا بوصفه فردوسًا مفقودًا، وإنما يتذكّر عراقًا كان يعرفه، ثم يجد نفسه أمام عراقٍ جديدٍ لم يستطع أن يجد مكانه فيه
لذلك فإن الرواية لا تقدّم الماضي والحاضر في صورةٍ ثنائية بسيطة، ماضٍ سيئٍ، وحاضرٍ أفضل، أو ماضٍ جيّدٍ وحاضرٍ أسوأ. بل تقدّم طبقاتٍ متداخلةً من الألم، لتقول إن الإنسان العراقي ظلّ يدفع ثمن التحوّلات السياسية، بصرف النظر عن الشعارات التي رافقتها.. لذا الصبراني يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين أن يبقى نظيفًا أو أن ينخرط في عالمٍ أصبح الفساد فيه قانونًا. وهذه ليست معضلةً فرديةً تخصّه وحده، بل هي سؤالٌ أخلاقيّ يواجه الإنسان حين تصبح القيم التي يؤمن بها عبئًا عليه، وحين يتحوّل الفساد من سلوكٍ استثنائي إلى نظام حياة.. ومن هنا تصبح الرواية اختبارًا للضمير أكثر من كونها رواية أحداث فقط.. فالإنسان قد ينجو جسديًا، لكنه قد يخسر شيئًا من ذاته إذا اضطر إلى التنازل عن قناعاته كي يعيش. والصبراني، بهذا المعنى، لا يخوض معركةً مع الآخرين، بقدر ما يخوض معركةّ مع نفسه، كيف يمكن للإنسان أن يبقى هو نفسه حين يتغيّر كلّ شيءٍ من حوله؟
الذاكرة بوصفها مقاومة
يحاول الصبراني مقاومة النسيان، لكنه لا يستطيع. وهنا تظهر الذاكرة بوصفها قوّةً مزدوجة، فهي من جهةٍ تحفظ الإنسان من الذوبان، ومن جهةٍ أخرى تمنعه من التخلص من ألمه.. إنه يريد أن يعرف، وأن يستعيد، وأن يفهم، لكن المعرفة نفسها تتحوّل إلى عبء. وكلّما حاول أن يضع الماضي خلفه، أعاده الماضي إلى نفسه من جديد.. وهذه النقطة تجعل الرواية تتجاوز حكاية رجلٍ واحد إلى سؤال أكبر، هل يستطيع الإنسان أن يعيش بعد الكارثة من دون أن يحمل الكارثة معه؟
ربما لهذا يبدو الصبراني كأنه يحمل وطنه أينما ذهب. وحتى حين ينتقل من كربلاء إلى القاهرة، فإنه لا يصل إلى مكان جديد كامل، لأن العراق يظل يسافر معه
دفن الشخصيات ومقاومة النسيان
يحاول الروائي علي لفتة سعيد، في اشتغاله الروائي، أن يدفن شخصياته داخل طبقاتٍ من الزمن والخوف والذاكرة، لكنه في الوقت نفسه يمنحها مكانًا لا يستطيع النسيان الوصول إليه.. وهنا تكمن إحدى مفارقات الرواية، فالموت أو الغياب لا يعني بالضرورة النهاية. فقد تغيب الشخصية عن الواقع، لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة، وفي الأوراق، وفي الحكاية، وفي الجرح الذي تركته، ولذلك تبدو الرواية وكأنها عملية إنقاذٍ للشخصيات من النسيان، وكأن الكاتب لا يكتفي بأن يروي ما حدث، بل يحاول أن يمنح ما حدث فرصةً ثانيةً للحياة من خلال السرد. فالبرعم من أن الصبراني هو مركز الرواية، فإن مأساته لا تبقى شخصية. ففقدانه ابنه، وارتباكه أمام التحوّلات، وشعوره بالغربة في المكان الذي كان يعرفه، وصراعه الأخلاقي، كلها تتحول إلى صور لمأساة أوسع.. لهذا يمكن القول إن رواية “الصبراني” لا تحكي قصّة الرجل الذي فقد ابنه بسبب وشياةٍ فقط، وإنما تحكي قصّة جيلٍ كاملٍ فقد وطنه، أو فقد صورته عن وطنه، وفقد جزءًا من مستقبله، وما زال يبحث عن معنى لما حدث
إنها رواية عن العراق بعد 2003، لكنّها لا تكتفي بتسجيل الأحداث السياسية والاجتماعية، بل تحاول الذهاب إلى المنطقة التي تهم الأدب أكثر، ماذا فعلت تلك الأحداث بالإنسان؟. وهذا هو السؤال الذي يمنح الرواية ثقلها الإنساني.
دهشة السؤال وانتظار الإجابة
لقد الصبراني.. حين يصبح الوطن جرحًا لا يغادر صاحبه
منتهى العيادة* روائية سورية
رواية “الصبراني” للمبدع العراقي علي لفتة سعيد، هي في جوهرها، رواية وطنٍ تحوّل إلى جرحٍ مستقرّ في قلب بطله نديم الصبراني، جرحٍ لا يستطيع مغادرته، حتى وإن غادر المكان، لأن الوطن في هذه الرواية ليس جغرافيا يمكن الابتعاد عنها، ولا مدينةً يمكن استبدالها بمدينةٍ أخرى، بل هو ذاكرةٌ كاملةٌ تسكن الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه ومخاوفه وأسئلته عن الحياة والعدالة والمصير
تدور أحداث الرواية، كما يخبرنا الروائي، بين كربلاء والقاهرة، لكن المسافة الجغرافية بين المدينتين لا تبدو هي المسافة الحقيقية في الرواية، فالمسافة الأعمق هي تلك الممتدّة بين عراقٍ كان يعرفه الصبراني، وعراقٍ آخر وجد نفسه فيه بعد سقوط النظام السابق. ومن هنا تتحوّل الرحلة من مكان إلى مكانٍ إلى رحلةٍ داخل الذاكرة، وبين زمنين، وبين صورتين للوطن
نديم الصبراني رجلٌ كان يعمل ضابطًا في جهاز السلطة السابقة في العراق، ثم فقد عمله، وفقد معها شيئًا من موقعه وشكله السابق في الحياة. لكنه لم يفقد ذاكرته. وهذه هي المفارقة الأهم في شخصيته، فبينما يسعى الإنسان عادةً إلى النسيان كي يستطيع الاستمرار، يجد الصبراني نفسه محكومًا بالتذكّر. إنه يحمل ماضيه معه كما يحمل وطنه، ولا يستطيع التخلص من أيٍّ منهما
إنه إنسان يبحث عن معنى لما حدث له، ولما حدث لوطنه، وكأن حياته تحوّلت إلى ملفٍ مفتوحٍ لا يستطيع إغلاقه. ولهذا فإن ما يحمله الصبراني ليس مجرّد حقيبةٍ من الأوراق، بل ذاكرة وطنٍ كامل، بكلّ ما فيها من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وخيباتٍ وأسئلةٍ معلقة.
الصبراني يحمل العراق بداخله، عراق الخوف، عراق الاحتلال، عراق الفساد، وعراق الدين حين يتحوّل من قيمةٍ روحيةٍ وأخلاقيةٍ إلى وسيلةٍ للمنفعة والتكسّب، وعراق الفقد الشخصي الذي يتجسّد في خسارته لابنه ..ومن هنا لا تعود قضية الابن قضيةً عائليةً منفصلةً عن القضية العامة، لأن فقدان الابن يتحوّل إلى صورةِ مصغّرةٍ لفقدان الوطن. فالصبراني لا يبحث عن ابنه وحده، وإنما يبحث، من خلاله، عن معنًى لما جرى، وعن عدالةٍ غابت، وعن حقيقةٍ لا يستطيع أن يصل إليها
الضابط والشاعر
من أكثر الجوانب التي لفتت نظري في بناء شخصية الصبراني أن الصبراني، ضابطٌ وشاعرٌ في الوقت نفسه. وهذه الثنائية ليست مجرّد تفصيل في تكوين الشخصية، وإنما هي مفتاحٌ لفهمها وفهم الصراع الداخلي الذي تعيشه.. فالضابط يقرأ الملفّات، ويراقب التفاصيل، ويستشعر الخطر، ويقرأ وجوه الناس، ويتعامل مع الوقائع بحذرٍ وانتباه. أما الشاعر فإنه يقرأ ما وراء الوقائع، يلتقط الألم، ويستشعر الخسارة، ويمنح الجرح لغة حين يعجز الواقع عن تفسيره.. ولهذا يعيش الصبراني ممزّقًا بين شخصيتين، شخصية الضابط الذي عرف كيف تعمل السلطة، وكيف تستطيع أن تسحق الإنسان نفسيًا، وشخصية الشاعر الذي لم يفقد قدرته على الإحساس، وعلى رؤية الألم بوصفه أكثر من مجرّد حادثةٍ عابرةٍ..
وهذه الازدواجية تجعل الصبراني بعيدًا عن الشخصيات النمطية. فهو ليس بطلاً نقيًا في عالمٍ نقي، وليس شخصيةً شرّيرةً في عالمٍ أسود. إنه يعيش في المنطقة الرمادية، تلك المنطقة التي عاش فيها كثير من العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب التحوّلات الكبرى، ولم يكونوا قادرين على الوقوف خارجها أو التحكم في نتائجها.. وهنا تتجلّى إنسانية الشخصية، فهي لا تحاول تبرئة الماضي، بقدر ما تحاول فهمه، ولا تدّعي أنها كانت خارج منظومة السلطة، لكنها في الوقت نفسه تكشف ما فعلته تلك المنظومة بالإنسان
الخراب الذي يسكن الإنسان
أهم ما يمكن التوقّف عنده في الرواية هو أن الخراب الحقيقي، لم يبقَ خارج الإنسان. فالخراب ليس في الشوارع والمؤسّسات وحدها، وإنما تغلغل في الوعي نفسه، وأصاب علاقة الإنسان بذاكرته ومكانه وماضيه.. فالعراق في الصبراني ليس مجرّد مكانٍ تجري فيه الأحداث، وإنما هو ذاكرةٌ شخصيةٌ وجماعية. وكربلاء، التي كان الصبراني يعرفها شارعًا شارعًا، تتحوّل أمام عينيه إلى مكانٍ غريب، وكأن المدينة التي حفظ تفاصيلها لم تعد هي المدينة ذاتها.. فالمكان هنا لا يتغيّر من الناحية الجغرافية فقط، بل يتغيّر في الوعي. الشارع الذي كان مألوفًا يصبح مصدرًا للخوف، والمدينة التي كانت تمنح الإنسان شعور الانتماء تتحول إلى مساحةٍ من التوجس والشك.. وهذه من أكثر الدلالات عمقًا في الرواية، لأن سقوط النظام لم يسقط سلطةً سياسيةً فحسب، وإنما أحدث زلزالًا في علاقة الإنسان بالمكان. وحين يفقد الإنسان إحساسه بالأمان في المكان الذي نشأ فيه، فإنه لا يفقد المكان وحده، بل يفقد جزءًا من صورته عن نفسه
الاحتلال وما بعده
لا يتعامل علي لفتة سعيد مع الاحتلال بوصفه حضورًا عسكريًا فقط. فالجندي والآلة العسكرية هما جزء من المشهد، لكن الأثر الأعمق للاحتلال يظهر في ما تركه داخل المجتمع العراقي من تصدعاتٍ وتحوّلات.. لقد انهارت قيم كثيرة، وصعد الانتهازيون إلى مواقع السلطة، وتداخل السياسي بالديني، واستُخدمت بعض الرموز والمفاهيم لتحقيق المصالح، وتحوّل العراق إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لتدخّل قوّى متعدّدة.. وهنا تكمن المفارقة التي تمنح الرواية قوّتها، فالصبراني لا يتذكّر نظامًا سابقًا بوصفه فردوسًا مفقودًا، وإنما يتذكّر عراقًا كان يعرفه، ثم يجد نفسه أمام عراقٍ جديدٍ لم يستطع أن يجد مكانه فيه
لذلك فإن الرواية لا تقدّم الماضي والحاضر في صورةٍ ثنائية بسيطة، ماضٍ سيئٍ، وحاضرٍ أفضل، أو ماضٍ جيّدٍ وحاضرٍ أسوأ. بل تقدّم طبقاتٍ متداخلةً من الألم، لتقول إن الإنسان العراقي ظلّ يدفع ثمن التحوّلات السياسية، بصرف النظر عن الشعارات التي رافقتها.. لذا الصبراني يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين أن يبقى نظيفًا أو أن ينخرط في عالمٍ أصبح الفساد فيه قانونًا. وهذه ليست معضلةً فرديةً تخصّه وحده، بل هي سؤالٌ أخلاقيّ يواجه الإنسان حين تصبح القيم التي يؤمن بها عبئًا عليه، وحين يتحوّل الفساد من سلوكٍ استثنائي إلى نظام حياة.. ومن هنا تصبح الرواية اختبارًا للضمير أكثر من كونها رواية أحداث فقط.. فالإنسان قد ينجو جسديًا، لكنه قد يخسر شيئًا من ذاته إذا اضطر إلى التنازل عن قناعاته كي يعيش. والصبراني، بهذا المعنى، لا يخوض معركةً مع الآخرين، بقدر ما يخوض معركةّ مع نفسه، كيف يمكن للإنسان أن يبقى هو نفسه حين يتغيّر كلّ شيءٍ من حوله؟
الذاكرة بوصفها مقاومة
يحاول الصبراني مقاومة النسيان، لكنه لا يستطيع. وهنا تظهر الذاكرة بوصفها قوّةً مزدوجة، فهي من جهةٍ تحفظ الإنسان من الذوبان، ومن جهةٍ أخرى تمنعه من التخلص من ألمه.. إنه يريد أن يعرف، وأن يستعيد، وأن يفهم، لكن المعرفة نفسها تتحوّل إلى عبء. وكلّما حاول أن يضع الماضي خلفه، أعاده الماضي إلى نفسه من جديد.. وهذه النقطة تجعل الرواية تتجاوز حكاية رجلٍ واحد إلى سؤال أكبر، هل يستطيع الإنسان أن يعيش بعد الكارثة من دون أن يحمل الكارثة معه؟
ربما لهذا يبدو الصبراني كأنه يحمل وطنه أينما ذهب. وحتى حين ينتقل من كربلاء إلى القاهرة، فإنه لا يصل إلى مكان جديد كامل، لأن العراق يظل يسافر معه
دفن الشخصيات ومقاومة النسيان
يحاول الروائي علي لفتة سعيد، في اشتغاله الروائي، أن يدفن شخصياته داخل طبقاتٍ من الزمن والخوف والذاكرة، لكنه في الوقت نفسه يمنحها مكانًا لا يستطيع النسيان الوصول إليه.. وهنا تكمن إحدى مفارقات الرواية، فالموت أو الغياب لا يعني بالضرورة النهاية. فقد تغيب الشخصية عن الواقع، لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة، وفي الأوراق، وفي الحكاية، وفي الجرح الذي تركته، ولذلك تبدو الرواية وكأنها عملية إنقاذٍ للشخصيات من النسيان، وكأن الكاتب لا يكتفي بأن يروي ما حدث، بل يحاول أن يمنح ما حدث فرصةً ثانيةً للحياة من خلال السرد. فالبرعم من أن الصبراني هو مركز الرواية، فإن مأساته لا تبقى شخصية. ففقدانه ابنه، وارتباكه أمام التحوّلات، وشعوره بالغربة في المكان الذي كان يعرفه، وصراعه الأخلاقي، كلها تتحول إلى صور لمأساة أوسع.. لهذا يمكن القول إن رواية “الصبراني” لا تحكي قصّة الرجل الذي فقد ابنه بسبب وشياةٍ فقط، وإنما تحكي قصّة جيلٍ كاملٍ فقد وطنه، أو فقد صورته عن وطنه، وفقد جزءًا من مستقبله، وما زال يبحث عن معنى لما حدث
إنها رواية عن العراق بعد 2003، لكنّها لا تكتفي بتسجيل الأحداث السياسية والاجتماعية، بل تحاول الذهاب إلى المنطقة التي تهم الأدب أكثر، ماذا فعلت تلك الأحداث بالإنسان؟. وهذا هو السؤال الذي يمنح الرواية ثقلها الإنساني.
دهشة السؤال وانتظار الإجابة
لقد أخذتني الرواية في رحلةٍ إلى ما تخفيه الأوراق من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وفسادٍ وخراب. وجعلتني أتساءل، مع الصبراني، كيف يمكن للإنسان أن يعيش وسط كل هذا الخراب؟ وكيف يمكن له أن يظلّ محتفظًا بما تبقى من إنسانيته؟. وربما هنا تكمن قوة رواية “الصبراني”، فهي لا تبحث عن إجابةٍ سهلة، ولا تقدّم خلاصًا جاهزًا، بل تترك القارئ أمام جرحٍ مفتوح، جرح وطنٍ أصبح ذاكرة، وذاكرة أصبحت قدرًا، وقدرٍ لا يستطيع صاحبه أن يغادره.. إنها، في النهاية، رواية رجلٍ يحمل وطنًا كاملًا في داخله، ضابطٌ يعرف كيف تُدار الملفات، وشاعرٌ يعرف كيف تُدار الجراح، وإنسانٌ يبحث عن ابنه، لكنه يبحث معه عن العدالة، وعن الحقيقة، وعن صورة وطنٍ لم يعد يعرف كيف يستعيدها
ومن هنا تبدو “الصبراني” واحدةً من الروايات التي لا تكتفي بحكاية المأساة، بل تجعل المأساة نفسها تتكلّم من خلال مصير الإنسان العراقي. الرواية في رحلةٍ إلى ما تخفيه الأوراق من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وفسادٍ وخراب. وجعلتني أتساءل، مع الصبراني، كيف يمكن للإنسان أن يعيش وسط كل هذا الخراب؟ وكيف يمكن له أن يظلّ محتفظًا بما تبقى من إنسانيته؟. وربما هنا تكمن قوة رواية “الصبراني”، فهي لا تبحث عن إجابةٍ سهلة، ولا تقدّم خلاصًا جاهزًا، بل تترك القارئ أمام جرحٍ مفتوح، جرح وطنٍ أصبح ذاكرة، وذاكرة أصبحت قدرًا، وقدرٍ لا يستطيع صاحبه أن يغادره.. إنها، في النهاية، رواية رجلٍ يحمل وطنًا كاملًا في داخله، ضابطٌ يعرف كيف تُدار الملفات، وشاعرٌ يعرف كيف تُدار الجراح، وإنسانٌ يبحث عن ابنه، لكنه يبحث معه عن العدالة، وعن الحقيقة، وعن صورة وطنٍ لم يعد يعرف كيف يستعيدها
ومن هنا تبدو “الصبراني” واحدةً من الروايات التي لا تكتفي بحكاية المأساة، بل تجعل المأساة نفسها تتكلّم من خلال مصير الإنسان العراقي.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
الصبراني.. حين يصبح الوطن جرحًا لا يغادر صاحبه
الصبراني.. حين يصبح الوطن جرحًا لا يغادر صاحبه
رواية “الصبراني” للمبدع العراقي علي لفتة سعيد، هي في جوهرها، رواية وطنٍ تحوّل إلى جرحٍ مستقرّ في قلب بطله نديم الصبراني، جرحٍ لا يستطيع مغادرته، حتى وإن غادر المكان، لأن الوطن في هذه الرواية ليس جغرافيا يمكن الابتعاد عنها، ولا مدينةً يمكن استبدالها بمدينةٍ أخرى، بل هو ذاكرةٌ كاملةٌ تسكن الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه ومخاوفه وأسئلته عن الحياة والعدالة والمصير
تدور أحداث الرواية، كما يخبرنا الروائي، بين كربلاء والقاهرة، لكن المسافة الجغرافية بين المدينتين لا تبدو هي المسافة الحقيقية في الرواية، فالمسافة الأعمق هي تلك الممتدّة بين عراقٍ كان يعرفه الصبراني، وعراقٍ آخر وجد نفسه فيه بعد سقوط النظام السابق. ومن هنا تتحوّل الرحلة من مكان إلى مكانٍ إلى رحلةٍ داخل الذاكرة، وبين زمنين، وبين صورتين للوطن
نديم الصبراني رجلٌ كان يعمل ضابطًا في جهاز السلطة السابقة في العراق، ثم فقد عمله، وفقد معها شيئًا من موقعه وشكله السابق في الحياة. لكنه لم يفقد ذاكرته. وهذه هي المفارقة الأهم في شخصيته، فبينما يسعى الإنسان عادةً إلى النسيان كي يستطيع الاستمرار، يجد الصبراني نفسه محكومًا بالتذكّر. إنه يحمل ماضيه معه كما يحمل وطنه، ولا يستطيع التخلص من أيٍّ منهما
إنه إنسان يبحث عن معنى لما حدث له، ولما حدث لوطنه، وكأن حياته تحوّلت إلى ملفٍ مفتوحٍ لا يستطيع إغلاقه. ولهذا فإن ما يحمله الصبراني ليس مجرّد حقيبةٍ من الأوراق، بل ذاكرة وطنٍ كامل، بكلّ ما فيها من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وخيباتٍ وأسئلةٍ معلقة.
الصبراني يحمل العراق بداخله، عراق الخوف، عراق الاحتلال، عراق الفساد، وعراق الدين حين يتحوّل من قيمةٍ روحيةٍ وأخلاقيةٍ إلى وسيلةٍ للمنفعة والتكسّب، وعراق الفقد الشخصي الذي يتجسّد في خسارته لابنه ..ومن هنا لا تعود قضية الابن قضيةً عائليةً منفصلةً عن القضية العامة، لأن فقدان الابن يتحوّل إلى صورةِ مصغّرةٍ لفقدان الوطن. فالصبراني لا يبحث عن ابنه وحده، وإنما يبحث، من خلاله، عن معنًى لما جرى، وعن عدالةٍ غابت، وعن حقيقةٍ لا يستطيع أن يصل إليها
الضابط والشاعر
من أكثر الجوانب التي لفتت نظري في بناء شخصية الصبراني أن الصبراني، ضابطٌ وشاعرٌ في الوقت نفسه. وهذه الثنائية ليست مجرّد تفصيل في تكوين الشخصية، وإنما هي مفتاحٌ لفهمها وفهم الصراع الداخلي الذي تعيشه.. فالضابط يقرأ الملفّات، ويراقب التفاصيل، ويستشعر الخطر، ويقرأ وجوه الناس، ويتعامل مع الوقائع بحذرٍ وانتباه. أما الشاعر فإنه يقرأ ما وراء الوقائع، يلتقط الألم، ويستشعر الخسارة، ويمنح الجرح لغة حين يعجز الواقع عن تفسيره.. ولهذا يعيش الصبراني ممزّقًا بين شخصيتين، شخصية الضابط الذي عرف كيف تعمل السلطة، وكيف تستطيع أن تسحق الإنسان نفسيًا، وشخصية الشاعر الذي لم يفقد قدرته على الإحساس، وعلى رؤية الألم بوصفه أكثر من مجرّد حادثةٍ عابرةٍ..
وهذه الازدواجية تجعل الصبراني بعيدًا عن الشخصيات النمطية. فهو ليس بطلاً نقيًا في عالمٍ نقي، وليس شخصيةً شرّيرةً في عالمٍ أسود. إنه يعيش في المنطقة الرمادية، تلك المنطقة التي عاش فيها كثير من العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب التحوّلات الكبرى، ولم يكونوا قادرين على الوقوف خارجها أو التحكم في نتائجها.. وهنا تتجلّى إنسانية الشخصية، فهي لا تحاول تبرئة الماضي، بقدر ما تحاول فهمه، ولا تدّعي أنها كانت خارج منظومة السلطة، لكنها في الوقت نفسه تكشف ما فعلته تلك المنظومة بالإنسان
الخراب الذي يسكن الإنسان
أهم ما يمكن التوقّف عنده في الرواية هو أن الخراب الحقيقي، لم يبقَ خارج الإنسان. فالخراب ليس في الشوارع والمؤسّسات وحدها، وإنما تغلغل في الوعي نفسه، وأصاب علاقة الإنسان بذاكرته ومكانه وماضيه.. فالعراق في الصبراني ليس مجرّد مكانٍ تجري فيه الأحداث، وإنما هو ذاكرةٌ شخصيةٌ وجماعية. وكربلاء، التي كان الصبراني يعرفها شارعًا شارعًا، تتحوّل أمام عينيه إلى مكانٍ غريب، وكأن المدينة التي حفظ تفاصيلها لم تعد هي المدينة ذاتها.. فالمكان هنا لا يتغيّر من الناحية الجغرافية فقط، بل يتغيّر في الوعي. الشارع الذي كان مألوفًا يصبح مصدرًا للخوف، والمدينة التي كانت تمنح الإنسان شعور الانتماء تتحول إلى مساحةٍ من التوجس والشك.. وهذه من أكثر الدلالات عمقًا في الرواية، لأن سقوط النظام لم يسقط سلطةً سياسيةً فحسب، وإنما أحدث زلزالًا في علاقة الإنسان بالمكان. وحين يفقد الإنسان إحساسه بالأمان في المكان الذي نشأ فيه، فإنه لا يفقد المكان وحده، بل يفقد جزءًا من صورته عن نفسه
الاحتلال وما بعده
لا يتعامل علي لفتة سعيد مع الاحتلال بوصفه حضورًا عسكريًا فقط. فالجندي والآلة العسكرية هما جزء من المشهد، لكن الأثر الأعمق للاحتلال يظهر في ما تركه داخل المجتمع العراقي من تصدعاتٍ وتحوّلات.. لقد انهارت قيم كثيرة، وصعد الانتهازيون إلى مواقع السلطة، وتداخل السياسي بالديني، واستُخدمت بعض الرموز والمفاهيم لتحقيق المصالح، وتحوّل العراق إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لتدخّل قوّى متعدّدة.. وهنا تكمن المفارقة التي تمنح الرواية قوّتها، فالصبراني لا يتذكّر نظامًا سابقًا بوصفه فردوسًا مفقودًا، وإنما يتذكّر عراقًا كان يعرفه، ثم يجد نفسه أمام عراقٍ جديدٍ لم يستطع أن يجد مكانه فيه
لذلك فإن الرواية لا تقدّم الماضي والحاضر في صورةٍ ثنائية بسيطة، ماضٍ سيئٍ، وحاضرٍ أفضل، أو ماضٍ جيّدٍ وحاضرٍ أسوأ. بل تقدّم طبقاتٍ متداخلةً من الألم، لتقول إن الإنسان العراقي ظلّ يدفع ثمن التحوّلات السياسية، بصرف النظر عن الشعارات التي رافقتها.. لذا الصبراني يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين أن يبقى نظيفًا أو أن ينخرط في عالمٍ أصبح الفساد فيه قانونًا. وهذه ليست معضلةً فرديةً تخصّه وحده، بل هي سؤالٌ أخلاقيّ يواجه الإنسان حين تصبح القيم التي يؤمن بها عبئًا عليه، وحين يتحوّل الفساد من سلوكٍ استثنائي إلى نظام حياة.. ومن هنا تصبح الرواية اختبارًا للضمير أكثر من كونها رواية أحداث فقط.. فالإنسان قد ينجو جسديًا، لكنه قد يخسر شيئًا من ذاته إذا اضطر إلى التنازل عن قناعاته كي يعيش. والصبراني، بهذا المعنى، لا يخوض معركةً مع الآخرين، بقدر ما يخوض معركةّ مع نفسه، كيف يمكن للإنسان أن يبقى هو نفسه حين يتغيّر كلّ شيءٍ من حوله؟
الذاكرة بوصفها مقاومة
يحاول الصبراني مقاومة النسيان، لكنه لا يستطيع. وهنا تظهر الذاكرة بوصفها قوّةً مزدوجة، فهي من جهةٍ تحفظ الإنسان من الذوبان، ومن جهةٍ أخرى تمنعه من التخلص من ألمه.. إنه يريد أن يعرف، وأن يستعيد، وأن يفهم، لكن المعرفة نفسها تتحوّل إلى عبء. وكلّما حاول أن يضع الماضي خلفه، أعاده الماضي إلى نفسه من جديد.. وهذه النقطة تجعل الرواية تتجاوز حكاية رجلٍ واحد إلى سؤال أكبر، هل يستطيع الإنسان أن يعيش بعد الكارثة من دون أن يحمل الكارثة معه؟
ربما لهذا يبدو الصبراني كأنه يحمل وطنه أينما ذهب. وحتى حين ينتقل من كربلاء إلى القاهرة، فإنه لا يصل إلى مكان جديد كامل، لأن العراق يظل يسافر معه
دفن الشخصيات ومقاومة النسيان
يحاول الروائي علي لفتة سعيد، في اشتغاله الروائي، أن يدفن شخصياته داخل طبقاتٍ من الزمن والخوف والذاكرة، لكنه في الوقت نفسه يمنحها مكانًا لا يستطيع النسيان الوصول إليه.. وهنا تكمن إحدى مفارقات الرواية، فالموت أو الغياب لا يعني بالضرورة النهاية. فقد تغيب الشخصية عن الواقع، لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة، وفي الأوراق، وفي الحكاية، وفي الجرح الذي تركته، ولذلك تبدو الرواية وكأنها عملية إنقاذٍ للشخصيات من النسيان، وكأن الكاتب لا يكتفي بأن يروي ما حدث، بل يحاول أن يمنح ما حدث فرصةً ثانيةً للحياة من خلال السرد. فالبرعم من أن الصبراني هو مركز الرواية، فإن مأساته لا تبقى شخصية. ففقدانه ابنه، وارتباكه أمام التحوّلات، وشعوره بالغربة في المكان الذي كان يعرفه، وصراعه الأخلاقي، كلها تتحول إلى صور لمأساة أوسع.. لهذا يمكن القول إن رواية “الصبراني” لا تحكي قصّة الرجل الذي فقد ابنه بسبب وشياةٍ فقط، وإنما تحكي قصّة جيلٍ كاملٍ فقد وطنه، أو فقد صورته عن وطنه، وفقد جزءًا من مستقبله، وما زال يبحث عن معنى لما حدث
إنها رواية عن العراق بعد 2003، لكنّها لا تكتفي بتسجيل الأحداث السياسية والاجتماعية، بل تحاول الذهاب إلى المنطقة التي تهم الأدب أكثر، ماذا فعلت تلك الأحداث بالإنسان؟. وهذا هو السؤال الذي يمنح الرواية ثقلها الإنساني.
دهشة السؤال وانتظار الإجابة
لقد الصبراني.. حين يصبح الوطن جرحًا لا يغادر صاحبه
منتهى العيادة* روائية سورية
رواية “الصبراني” للمبدع العراقي علي لفتة سعيد، هي في جوهرها، رواية وطنٍ تحوّل إلى جرحٍ مستقرّ في قلب بطله نديم الصبراني، جرحٍ لا يستطيع مغادرته، حتى وإن غادر المكان، لأن الوطن في هذه الرواية ليس جغرافيا يمكن الابتعاد عنها، ولا مدينةً يمكن استبدالها بمدينةٍ أخرى، بل هو ذاكرةٌ كاملةٌ تسكن الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه ومخاوفه وأسئلته عن الحياة والعدالة والمصير
تدور أحداث الرواية، كما يخبرنا الروائي، بين كربلاء والقاهرة، لكن المسافة الجغرافية بين المدينتين لا تبدو هي المسافة الحقيقية في الرواية، فالمسافة الأعمق هي تلك الممتدّة بين عراقٍ كان يعرفه الصبراني، وعراقٍ آخر وجد نفسه فيه بعد سقوط النظام السابق. ومن هنا تتحوّل الرحلة من مكان إلى مكانٍ إلى رحلةٍ داخل الذاكرة، وبين زمنين، وبين صورتين للوطن
نديم الصبراني رجلٌ كان يعمل ضابطًا في جهاز السلطة السابقة في العراق، ثم فقد عمله، وفقد معها شيئًا من موقعه وشكله السابق في الحياة. لكنه لم يفقد ذاكرته. وهذه هي المفارقة الأهم في شخصيته، فبينما يسعى الإنسان عادةً إلى النسيان كي يستطيع الاستمرار، يجد الصبراني نفسه محكومًا بالتذكّر. إنه يحمل ماضيه معه كما يحمل وطنه، ولا يستطيع التخلص من أيٍّ منهما
إنه إنسان يبحث عن معنى لما حدث له، ولما حدث لوطنه، وكأن حياته تحوّلت إلى ملفٍ مفتوحٍ لا يستطيع إغلاقه. ولهذا فإن ما يحمله الصبراني ليس مجرّد حقيبةٍ من الأوراق، بل ذاكرة وطنٍ كامل، بكلّ ما فيها من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وخيباتٍ وأسئلةٍ معلقة.
الصبراني يحمل العراق بداخله، عراق الخوف، عراق الاحتلال، عراق الفساد، وعراق الدين حين يتحوّل من قيمةٍ روحيةٍ وأخلاقيةٍ إلى وسيلةٍ للمنفعة والتكسّب، وعراق الفقد الشخصي الذي يتجسّد في خسارته لابنه ..ومن هنا لا تعود قضية الابن قضيةً عائليةً منفصلةً عن القضية العامة، لأن فقدان الابن يتحوّل إلى صورةِ مصغّرةٍ لفقدان الوطن. فالصبراني لا يبحث عن ابنه وحده، وإنما يبحث، من خلاله، عن معنًى لما جرى، وعن عدالةٍ غابت، وعن حقيقةٍ لا يستطيع أن يصل إليها
الضابط والشاعر
من أكثر الجوانب التي لفتت نظري في بناء شخصية الصبراني أن الصبراني، ضابطٌ وشاعرٌ في الوقت نفسه. وهذه الثنائية ليست مجرّد تفصيل في تكوين الشخصية، وإنما هي مفتاحٌ لفهمها وفهم الصراع الداخلي الذي تعيشه.. فالضابط يقرأ الملفّات، ويراقب التفاصيل، ويستشعر الخطر، ويقرأ وجوه الناس، ويتعامل مع الوقائع بحذرٍ وانتباه. أما الشاعر فإنه يقرأ ما وراء الوقائع، يلتقط الألم، ويستشعر الخسارة، ويمنح الجرح لغة حين يعجز الواقع عن تفسيره.. ولهذا يعيش الصبراني ممزّقًا بين شخصيتين، شخصية الضابط الذي عرف كيف تعمل السلطة، وكيف تستطيع أن تسحق الإنسان نفسيًا، وشخصية الشاعر الذي لم يفقد قدرته على الإحساس، وعلى رؤية الألم بوصفه أكثر من مجرّد حادثةٍ عابرةٍ..
وهذه الازدواجية تجعل الصبراني بعيدًا عن الشخصيات النمطية. فهو ليس بطلاً نقيًا في عالمٍ نقي، وليس شخصيةً شرّيرةً في عالمٍ أسود. إنه يعيش في المنطقة الرمادية، تلك المنطقة التي عاش فيها كثير من العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب التحوّلات الكبرى، ولم يكونوا قادرين على الوقوف خارجها أو التحكم في نتائجها.. وهنا تتجلّى إنسانية الشخصية، فهي لا تحاول تبرئة الماضي، بقدر ما تحاول فهمه، ولا تدّعي أنها كانت خارج منظومة السلطة، لكنها في الوقت نفسه تكشف ما فعلته تلك المنظومة بالإنسان
الخراب الذي يسكن الإنسان
أهم ما يمكن التوقّف عنده في الرواية هو أن الخراب الحقيقي، لم يبقَ خارج الإنسان. فالخراب ليس في الشوارع والمؤسّسات وحدها، وإنما تغلغل في الوعي نفسه، وأصاب علاقة الإنسان بذاكرته ومكانه وماضيه.. فالعراق في الصبراني ليس مجرّد مكانٍ تجري فيه الأحداث، وإنما هو ذاكرةٌ شخصيةٌ وجماعية. وكربلاء، التي كان الصبراني يعرفها شارعًا شارعًا، تتحوّل أمام عينيه إلى مكانٍ غريب، وكأن المدينة التي حفظ تفاصيلها لم تعد هي المدينة ذاتها.. فالمكان هنا لا يتغيّر من الناحية الجغرافية فقط، بل يتغيّر في الوعي. الشارع الذي كان مألوفًا يصبح مصدرًا للخوف، والمدينة التي كانت تمنح الإنسان شعور الانتماء تتحول إلى مساحةٍ من التوجس والشك.. وهذه من أكثر الدلالات عمقًا في الرواية، لأن سقوط النظام لم يسقط سلطةً سياسيةً فحسب، وإنما أحدث زلزالًا في علاقة الإنسان بالمكان. وحين يفقد الإنسان إحساسه بالأمان في المكان الذي نشأ فيه، فإنه لا يفقد المكان وحده، بل يفقد جزءًا من صورته عن نفسه
الاحتلال وما بعده
لا يتعامل علي لفتة سعيد مع الاحتلال بوصفه حضورًا عسكريًا فقط. فالجندي والآلة العسكرية هما جزء من المشهد، لكن الأثر الأعمق للاحتلال يظهر في ما تركه داخل المجتمع العراقي من تصدعاتٍ وتحوّلات.. لقد انهارت قيم كثيرة، وصعد الانتهازيون إلى مواقع السلطة، وتداخل السياسي بالديني، واستُخدمت بعض الرموز والمفاهيم لتحقيق المصالح، وتحوّل العراق إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لتدخّل قوّى متعدّدة.. وهنا تكمن المفارقة التي تمنح الرواية قوّتها، فالصبراني لا يتذكّر نظامًا سابقًا بوصفه فردوسًا مفقودًا، وإنما يتذكّر عراقًا كان يعرفه، ثم يجد نفسه أمام عراقٍ جديدٍ لم يستطع أن يجد مكانه فيه
لذلك فإن الرواية لا تقدّم الماضي والحاضر في صورةٍ ثنائية بسيطة، ماضٍ سيئٍ، وحاضرٍ أفضل، أو ماضٍ جيّدٍ وحاضرٍ أسوأ. بل تقدّم طبقاتٍ متداخلةً من الألم، لتقول إن الإنسان العراقي ظلّ يدفع ثمن التحوّلات السياسية، بصرف النظر عن الشعارات التي رافقتها.. لذا الصبراني يجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين أن يبقى نظيفًا أو أن ينخرط في عالمٍ أصبح الفساد فيه قانونًا. وهذه ليست معضلةً فرديةً تخصّه وحده، بل هي سؤالٌ أخلاقيّ يواجه الإنسان حين تصبح القيم التي يؤمن بها عبئًا عليه، وحين يتحوّل الفساد من سلوكٍ استثنائي إلى نظام حياة.. ومن هنا تصبح الرواية اختبارًا للضمير أكثر من كونها رواية أحداث فقط.. فالإنسان قد ينجو جسديًا، لكنه قد يخسر شيئًا من ذاته إذا اضطر إلى التنازل عن قناعاته كي يعيش. والصبراني، بهذا المعنى، لا يخوض معركةً مع الآخرين، بقدر ما يخوض معركةّ مع نفسه، كيف يمكن للإنسان أن يبقى هو نفسه حين يتغيّر كلّ شيءٍ من حوله؟
الذاكرة بوصفها مقاومة
يحاول الصبراني مقاومة النسيان، لكنه لا يستطيع. وهنا تظهر الذاكرة بوصفها قوّةً مزدوجة، فهي من جهةٍ تحفظ الإنسان من الذوبان، ومن جهةٍ أخرى تمنعه من التخلص من ألمه.. إنه يريد أن يعرف، وأن يستعيد، وأن يفهم، لكن المعرفة نفسها تتحوّل إلى عبء. وكلّما حاول أن يضع الماضي خلفه، أعاده الماضي إلى نفسه من جديد.. وهذه النقطة تجعل الرواية تتجاوز حكاية رجلٍ واحد إلى سؤال أكبر، هل يستطيع الإنسان أن يعيش بعد الكارثة من دون أن يحمل الكارثة معه؟
ربما لهذا يبدو الصبراني كأنه يحمل وطنه أينما ذهب. وحتى حين ينتقل من كربلاء إلى القاهرة، فإنه لا يصل إلى مكان جديد كامل، لأن العراق يظل يسافر معه
دفن الشخصيات ومقاومة النسيان
يحاول الروائي علي لفتة سعيد، في اشتغاله الروائي، أن يدفن شخصياته داخل طبقاتٍ من الزمن والخوف والذاكرة، لكنه في الوقت نفسه يمنحها مكانًا لا يستطيع النسيان الوصول إليه.. وهنا تكمن إحدى مفارقات الرواية، فالموت أو الغياب لا يعني بالضرورة النهاية. فقد تغيب الشخصية عن الواقع، لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة، وفي الأوراق، وفي الحكاية، وفي الجرح الذي تركته، ولذلك تبدو الرواية وكأنها عملية إنقاذٍ للشخصيات من النسيان، وكأن الكاتب لا يكتفي بأن يروي ما حدث، بل يحاول أن يمنح ما حدث فرصةً ثانيةً للحياة من خلال السرد. فالبرعم من أن الصبراني هو مركز الرواية، فإن مأساته لا تبقى شخصية. ففقدانه ابنه، وارتباكه أمام التحوّلات، وشعوره بالغربة في المكان الذي كان يعرفه، وصراعه الأخلاقي، كلها تتحول إلى صور لمأساة أوسع.. لهذا يمكن القول إن رواية “الصبراني” لا تحكي قصّة الرجل الذي فقد ابنه بسبب وشياةٍ فقط، وإنما تحكي قصّة جيلٍ كاملٍ فقد وطنه، أو فقد صورته عن وطنه، وفقد جزءًا من مستقبله، وما زال يبحث عن معنى لما حدث
إنها رواية عن العراق بعد 2003، لكنّها لا تكتفي بتسجيل الأحداث السياسية والاجتماعية، بل تحاول الذهاب إلى المنطقة التي تهم الأدب أكثر، ماذا فعلت تلك الأحداث بالإنسان؟. وهذا هو السؤال الذي يمنح الرواية ثقلها الإنساني.
دهشة السؤال وانتظار الإجابة
لقد أخذتني الرواية في رحلةٍ إلى ما تخفيه الأوراق من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وفسادٍ وخراب. وجعلتني أتساءل، مع الصبراني، كيف يمكن للإنسان أن يعيش وسط كل هذا الخراب؟ وكيف يمكن له أن يظلّ محتفظًا بما تبقى من إنسانيته؟. وربما هنا تكمن قوة رواية “الصبراني”، فهي لا تبحث عن إجابةٍ سهلة، ولا تقدّم خلاصًا جاهزًا، بل تترك القارئ أمام جرحٍ مفتوح، جرح وطنٍ أصبح ذاكرة، وذاكرة أصبحت قدرًا، وقدرٍ لا يستطيع صاحبه أن يغادره.. إنها، في النهاية، رواية رجلٍ يحمل وطنًا كاملًا في داخله، ضابطٌ يعرف كيف تُدار الملفات، وشاعرٌ يعرف كيف تُدار الجراح، وإنسانٌ يبحث عن ابنه، لكنه يبحث معه عن العدالة، وعن الحقيقة، وعن صورة وطنٍ لم يعد يعرف كيف يستعيدها
ومن هنا تبدو “الصبراني” واحدةً من الروايات التي لا تكتفي بحكاية المأساة، بل تجعل المأساة نفسها تتكلّم من خلال مصير الإنسان العراقي. الرواية في رحلةٍ إلى ما تخفيه الأوراق من خوفٍ وذنبٍ وفقدٍ وفسادٍ وخراب. وجعلتني أتساءل، مع الصبراني، كيف يمكن للإنسان أن يعيش وسط كل هذا الخراب؟ وكيف يمكن له أن يظلّ محتفظًا بما تبقى من إنسانيته؟. وربما هنا تكمن قوة رواية “الصبراني”، فهي لا تبحث عن إجابةٍ سهلة، ولا تقدّم خلاصًا جاهزًا، بل تترك القارئ أمام جرحٍ مفتوح، جرح وطنٍ أصبح ذاكرة، وذاكرة أصبحت قدرًا، وقدرٍ لا يستطيع صاحبه أن يغادره.. إنها، في النهاية، رواية رجلٍ يحمل وطنًا كاملًا في داخله، ضابطٌ يعرف كيف تُدار الملفات، وشاعرٌ يعرف كيف تُدار الجراح، وإنسانٌ يبحث عن ابنه، لكنه يبحث معه عن العدالة، وعن الحقيقة، وعن صورة وطنٍ لم يعد يعرف كيف يستعيدها
ومن هنا تبدو “الصبراني” واحدةً من الروايات التي لا تكتفي بحكاية المأساة، بل تجعل المأساة نفسها تتكلّم من خلال مصير الإنسان العراقي.
التعليقات