عصافير
صديقي:
أكتب لك من قريتي التي أحببتها كثيراً ،من قريتي التي كثيراً ما حضرت إليها لتستريح من عناء العمل،وضجة المدينة.لقد ضاع هدوء عصافير مذ حلّت فيها جماعة النسور الغريبة ضاع الهدوء مع الأغلال، ضاع وضاعت عصافير …
منذ مدة طويلة لم تزر هذه القرية الهادئة التي كانت منتجعك المفضل ،ما السبب يا ترى؟ هل تركت العمل ولم تعد بحاجة للراحة ،أم أن المصانع في المدينة أفقلت أبوابها لتقدم لك الراحة،ولأمثالك المتعبين دون اللجوء إلى الأودية المجاورة ؟؟
هذا تساؤل ورد على خاطري بعد غيبتك التي طالت وبعد أن همست قريتي في أذني سائلة عنك ،وعن سبب غيبتك وهذه القرية التي لا ترتاح إلا للعاشقين ،ولا تستقبل إلا المتيمين .إن كنت قد نسيت أتذكرها(عصافير)؟
ها أنذ أذكرك بها ،وكأنك لم تزرها من قبل ،لأنني علي يقين من أنك قد نسيت تفاصيلها الدقيقة بعد طول الجفاء …
لقد اشتاق لرؤيتك تلك الأكوام من الدور العتيقة المتراكمة فوق بعضها كما أكياس القمح المتداخلة لتكون أمتن وأقوى في وجه الأعاصير والعواصف والسيول التي تقصدها في كل عام.
ارتفعت عصافير فوق القمة الجبلية فاستطاعت أن تقي نفسها من السيول الجارفة ،واستطاعت أن تبتعد عن شبح الاعتداء واللصوصية ولقد حكى لي جدي عن أولئك الرجال الأشداء حين كان أحدهم ينتظر في الزواريب الضيقة علّه يلمح أحد أبناء القرية القادمين من المدينة،فينهال عليه ضرباً ولكماً ،ليأخذ منه ماله ويرحمه إن تركه يعود إلى قريته دون أن يعمل فيه سكينه التي لو ظهرت على واحد منهم لابد من أن تطوى معها حياة ذلك القروي الأعزل .
ومع الزمن تغيرت عصافيرأصبح كل واحد فيها حارساً على صديقه وجاره وأخيه… اعذرني أيها الصديق إن حدثتك عن عصافير كثيراً ،لكن شوقي اليك جعلني أتكلم لك لأعيدك في ذكرى محبوبتك عصافير.
أقول محبوتك ،لأن صورتك لاتبرح مخيلتي عندما كنا نذهب معاً إلى أوديتها فنجلس على حافة النهر بين يدي الغدير وبين الشجر ،وننسى العالم كله ،ولا نتذكر من دنياي و دنياك إلا الشمس المتربعة في كبد تدفئ قلوبنا بالمحبة.
والسماء الصافية الجميلة التي تظلنا بزرقتها ،هنالك كنا نذوب من فرط تأملاتنا بين أوراق شجر الحور والصفصاف الذي يحيط بالنهر من حافيته…
صديقي: أما زالت في ذاكرتك صورة أولئك الشبان من أبناء قريتي عندما كانوا يحملون فؤوسهم للعمل في الحقول …أما زلت
تذكر أحاديثهم وقهقهاتهم التي ترن وتصدح في جنبات الوادي عندما كانوا يتسامرون ويتفاكهون ويضحكون من قلوبهم بكل صفاء وحب ونقاء؟.
ما أظنك نسيت صورة فتيات عصافير،وهن يتمخترن على طريق العين بخيلاءوكبر،وقد وضعن الشال الأسود على أكتافهن، وهن يتمازحن ويتغامرن على شباب الضيعة ،وكل واحدة منهن تختار فتى أحلامها من بين هؤلاء الشبان ،ويضربن بعضهن لان كل واحدة منهن تفضل فارسها على فارس الاخرى، وتفاخر به على أقرانها من بين أقرانه.
يتصبب العرق على جبينهن من شدة التعب ومن هذا المزاح اللطيف ممتزجآ بقطرات الماء التي تنساب من الجرار التي يحملنها على رؤوسهن.
ما أبدع صوت الشيخ أحمد عندما ينادي للفجر معلنآ عن بدء يوم جديد من أيام عصافير أن حي إلى العمل يا أبناء عصافير النشطين.
لا أنسى أول يوم قدمت فيه إلي ،فما دلك أحد علي خوفآ من أن ينالني من ذلك أذى!
إن تذكرت ، فإنك تدرك مقدار الحب والإخاء بين أهالي عصافير ، هذا الحب لا يوجد إلا في قرية واحدة من العالم ، ولا يتمتع به إلا شعب واحد ، هذه القرية هي أمي ( عصافير)، وذلك الشعب هو أهلي ( أهل عصافير) وفي فترة غيابك،حيث أحداث كثيرة تجعلك تنتفض مدهوشآ من الغرابة ، ففي واحد من أيام الشؤم حط نسر غريب على أحد مفارقها ، وأخذ يتحدث للناس، يلاطفهم ، لكن مظهرهم أوحى له بأنهم أدركوا غرابته بينهم، فعاد أدراجه لكنه عاود الكرّة إلى أن استطاع أن يخترق إحدى الفجوات عن طريق الجبل .
اقتحم هدوء عصافير ،وعاث فيها فساداً ،محاولاً نشر ما أراد بين صفوف جماهيرها المتماكسة .
لم تمض مدة قصيرة على وجود النسر حتى وجدت أدمغة شبابها ملصقة على أشجار بساتينها ،وأثداء فتياتها مصلوبة في أعالي الجبال،لحى الشيوخ تسبح في نهرها…
أما أصابع أطفالها فستجدها إن بحثت عنها على كل ورقة من أوراق الصفصاف الحزين الذي إن رأيته في حاله تلك ستبكي من أجله.
وختاماً صديقي: هذه عصافير بين أمسها الذي كان زقزقات وضحكات عذبة ويومها الذي أصبح هماً وحزناً وبؤساً.
أرجوك لا تأت إلى عصافير لأنك لن تجد سوى النسور الجارحة ، ولن تجد شيئاً مما ألفت. حتى شجر عصافير بدأ يقطع يا صديقي ! لا أريد أن يقتلوك لأنك إن حضرت سيفعلون ،لا تأت أخي لأنك ستموت لمجرد رؤيتها بهذه الحال .
سآتي إليك أنا ،فابق في مكانك ،ولا تزر عصافير العذراء المنكوبة المطعونة في شرفها وكبريائها…
باقر طه الموسوي
التعليقات