العقاب الفاجر
في رحلة شتائية ممتعة قمنا بها إلى أحضان الجبال الثلجية في سلسلة جبال لبنان المطلة على الأراضي السورية .
في تلك الرحلة ،كان لصديقنا مغامرة عندما حاول اصطياد عقاب مافتئ يحلق فوق رؤوسنا ،وبسبب من هذه المغامرة كادت مجموعتنا تهلك عندما هاجمتنا أنثى العقاب الجريح،وهناك عند أعلى قمة الجبل ،ودع العقاب الحياة شامخاً أبياً،وقفلنا عائدين ،
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة،قارصة البرد ،تسربل الكون بالعباءة السوداء القاتمة ،وغاب الكون خلف صرخات الذئاب والكلاب ،ومواء القطط في الأزفة والشوارع الخالية من كل روح آدمية نابضة بالحياة.
تقدم الليل رويداً رويداً
تقدم الخوف شيئاً فشيئاً
تقدم الرعب خطوة خطوة
وأخذ القمر يتثاءب تحت لحافٍ تحت من الغيوم ،تثاؤب الضجر والسأم يود أن ينام لكن لا يستطيع أبداً. لا يجرؤ على النوم لأن شبح الموت يقترب منه، لكنه يكتفي بالتثاؤب دواءً لما هو فيه من حيرة واضطراب.
هاهو الإسفلت يرتفع متراً متراً ليقترب من قبة السماء بعد أن ترك أسفله ينزّ عن قيء قميء قبيح تمجه النفس ،وتعافه الأرض وتضجر منه السماء.
تجردت الأشجار من أوراقها ،والجبال من أشجارها وخضارها وعلى قمة أحد الجبال البعيدة الجرداء فجرت إحدى أمات العقبان فجرت وغابت خلف حدود اللذة ،ونسيت أنها أم ،نسيت إباء أبنائها ،نسيت كبرياءهم ،أو لعلها لم تذكر أن أولادها يرفضون الموت إلا على أعالي الجبال البعيدة ،حيث لا يراها أحد إلا الله والسماء.
فجرت تلك الأم،وحملت في صدرها ثمرة فجورها وعهرها، وأخذت تتبختر بمشيتها ،لابد أنها ستكون موفقة في الابن القادم فقد أوجدت وريثها الذي سيأخذ نتاج مملكتها وعملها الطويل الدؤوب في حياتها …
وعند حوض الشجرة ،عند أدنى مكان في الأرض ، قرب المستنقع جاءها المخاض ،لم تقدر على الطيران بعيداً ،فبقيت قابعة راضية بذلها ووضاعتها ،وأخذت تعاني آلام المخاض المبرّح إلى أن وضعت وليدها عقابها …
إنه عقاب وليس كالعقبان
يملك جسد عقاب ووجه غراب قميء.ويحمل في وجهه عيون قط مجدور نما جناحاه بسرعة مذهلة،وأخذ يطير ويحوّم فوق أعالي الجبال محاولاً أن يقنع الطيور بكاملها بأنه: عقاب كريم المحتد ،عريق الأصل بعيد النسب،عظيم الأم شامخ الأب لكن العقبان لم تقنع به أبداً ،لأنها ما زالت تذكر تلك الليلة الشتائية التي فجرت فيها أمه
كلما ارتفع
كلما انخفض
كلما غضب
يذكره من حوله ،والطيور قرب عشه ،والعقبان من جنسه أنه ابن فاجرة.
أخذ العقاب يحدق في نفسه فلا يجد فيها ما يشبه العقبان إنه يشبه الغربان،ينظر إلى جسده ،فيجد نفسه شبيهاً بالعقبان،ينظر إلى أظافره فيجد نفسه شبيهاً بالقطط البرية القاسية ،فإلى أيها ينتسب؟ لابد أنه سيختار الأقوى ،سيختار الأبقى.
وفي ليلة هدأ الكون فيها واطمأنت النجوم ،كان سيد العقبان يقبع في منزله منتظراً زوجه وأولاده ليحتفل بهم فجاءه من الباب العقاب الغراب الذي انهال عليه بأظافره وجسده.
لم يغادره إلا أن تركه جثة هامة على الأرض ،لا تلوي على شيء بعد أن خرجت الروح من جسده تشكو إلى بارئها فجور العقاب ،وخروجه عن الطاعة…
وعندما أعلنت الشمس بدء يوم جديد ،كان العقاب الفاجر عند أعلى القمم ينشد أغنية الخسيسة التي جعلته سيد العقبان بعد موت سيدهم .
وفي كل يوم كان العقاب يقترب من حيوانات الغابة طيورها حتى يطمئن ذلك إليه فيقضي عليه، لقد أرادها مملكة للعقبان فقط.
هاجرت الطيور التي كانت تملأ المكان زقزقة وفرحة زرافاتٍ ووحدانا، غادرت المكان بعد أن تركته لأصوات الغربان القميئة ،وبعد أن رسخت في أذهان الأشجار والسماء أجمل أناشد الحياة… غادرتها لأن بقاءها يعني الفناء ،وهي تريد الحياة .
وهنالك في البعيد بقيت الطيور تنشد أناشيد الغربة واللوعة على وطنهم الذي آل إلى عش للغربان والعقبان الفاجرة .
وبعدها
حاول العقاب أن يفرض أمره على العقبان ،لكنها لم تنس أنه العقاب الفاجر.
وكلما حاولت أن تنسى كانت أماتها تعيد إلى الذاكرة أن أم العقاب فجرت به ،وخرجت عن طبيعة العقبان وإبائهم .
ويوماً بعد آخر ،فقد العقاب سيطرته ,ولم يعد يملك من مملكته إلا القمة الثلجية التي يحيا عليها. إنه يجلس وحيداً دون سمير يؤنس وحدته ويسامره لذلك قرر أن ينتقم من العقبان الذين بنى لهم المملكة لأنهم خذلوه ورفضوه .في كل يوم كان يشخذ سلاحه ليقتل واحداً من العقبان أو واحدة.وعند كل مساء كان يذرف دمعة واحدة من دمعات حقده فوق جثة القتيل… إلى أن بقي وحيداً ،هو والله والسماء ورائحة الصدق التي بدأت تدخل أنفه ببطء إلى أن قضت عليه وخرّ صريعاً من أعلى القمم إلى أدنى حضيض .
وقبل أن يفارق الحياة سمع إحدى أمات العقبان تقول:
أحفظوا أيها العقبان نشيدكم:
(ولقد مات حيث فجرت أمه به)
رددوا وراءها: ( لقد مات حيث فجرت أمه به).
محمد جبر حسن
عدنان لفتة السماوي
التعليقات