رواية «فصامية» لليمنية / تسبيح عباد قراءة في مضامين الخطاب الروائي
إذا كان العنوان اللقاء الأول بالقارئ ويُعدّ اللافتة التي تجذب المتلقّي، فإن المبدع والباحث والكاتب والجميع عمومًا يولون العنوان أهميةً خاصة، باعتباره يختزل مضمونًا ويسبر أغوار النص ويختزل عوالمه الداخلية، يُعدّ إضاءةً وعتبةً أولى تشير إلى دلالات النص والخطاب، بل تعود شهرة المنجز الإبداعي أو فشله لاختيار العنوان؛ لذلك يشترط في العنوان أن يكون لافتًا كثيرًا ومثيرًا للانتباه ومكثّفًا وجديدًا غير مستهلك، ولأننا في سياق الرواية فإن العنوان قد يأتي زمانيًّا أو مكانيًّا أو وصفًا لإحدى الشخصيات أو يأتي فكريًّا مختزلًا لمضمون الرواية. وإذا تأمّلنا عنوان الرواية للقاصة اليمنية: «تسبيح عباد» فقد جاء مفهومًا أو مصطلحًا نفسيًّا: «فصاميّة»، وهو مصدر صناعي من الفصام (المرض النفسي)، ليشير إلى صفة عامة في بعض شخصيات الرواية أو المجتمع، وإذا كان مفهوم الفصام (Schizophrenia) هو: اضطراب عقلي مزمن وخطير يؤثر على تفكير ومشاعر وسلوك الفرد، حيث يعاني المريض من ذهانات، هلاوس (سماع أصوات)، أوهام (اعتقادات خاطئة)، واضطراب في التواصل مع الواقع، ويُعرف الفصام بـ «انقسام العقل»، فإن تلك الأعراض والمميزات المرضية تتصف بها بعض الشخصيات في الرواية، وتتصف بها بعض الأحداث، ومن هذه الدلالة فلم يعد الفصام على مستوى شخصيات الرواية بل على المستوى الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بالممارسات القهرية والعادات والتقاليد والأفكار والمعتقدات والتصورات التي تعد حتميات اجتماعية متوارثة لا يمكن الخروج عنها بوصفها قوانين متجذِّرة في العقليات والأفكار، فالخطاب في الرواية يشنع بالفصام الفكري الذي يمزِّق العلاقات ويمزِّق المجتمع ممّا يؤدي إلى سيطرة رؤى على أخرى حد الاستبداد والقهر والتسلُّط. وبذلك جاء العنوان موفّقًا إلى حدٍّ بعيد، يتناغم مع مضمون الرواية وما تطرحه من رؤى، وقد زاد من عمق دلالة العنوان اختيار لوحة الغلاف، فقد اختارت القاصة لوحة عالمية للفنان العالمي «بيكاسو» وهي لوحة «المرأة الباكية» لتكون لوحة الغلاف، بل إن «بيكاسو» نفسه كان يعاني من اضطراب نفسي وعقلي، فلوحة الغلاف والعنوان يتوازيان بالدلالة مع مضمون الرواية، ويتفاعلان مع الرسائل والرهانات البعيدة للرواية، لا سيما والمرأة الباكية تعبِّر عن معاناة المرأة النفسية والاجتماعية والتي ركزت عليها مضامين الرواية. وإذا عدنا إلى قراءة خطاب الرواية ومساءلة بعض مضامينها، فإنها انشغلت بعدة قضايا أهمها: قضايا المرأة وهمومها وصراعها الاجتماعي سواءً مع الرجل أو العادات والتقاليد أو الأفكار والتصورات، محاولةً تجاوز خيباتها إلى إثبات ذاتها وتأثيرها وفاعليتها بوصفها كينونة اجتماعية تمثِّل نصف المجتمع -بل في رأيي كله- ومحاولة إعادة صياغة الأفكار والتصورات المتجذِّرة في الفكر الاجتماعي، أو على الأقل طرح رسالة قابلة للتساؤل الفكري إذا ما نظرنا إلى الوحدة الدينية والدعوة، وصولًا إلى التنوع الاجتماعي العادل. ولذلك تناولت الرواية مشكلة الطفولة الأنثوية (الصغيرات) من خلال شخصية بطلة القصة «أم كلثوم» الطفلة التي لم تتجاوز الخمسة عشر عامًا، تلك الطفلة التي تعيش وسط أسرة ممزقة ومضطربة وغير مستقرة، بل ومكونة من الأم المريضة نفسيًّا، منطوية ومصابة بالخوف من المجتمع، فهي منطوية على نفسها في البيت، وتريد أن تعكس تلك الصفات على ابنتها «أم كلثوم» خوفًا عليها من المجتمع، وقد جاء في وصف الأم على لسان «أم كلثوم»: «تغلق هذا المنزل بالشهور، تتوجس من أن يطرق أحد الباب، ولا تستقبل أحدًا، ولا تذهب لأحد، فلا أرى بشرًا إلا هي أو والدي، وإن حضر زاد الضجر بها، لتتيح لجارتنا العمياء أن تزورنا». فالأم فقدت الثقة بالمجتمع، بمن حولها، وبنفسها، وتريد أن تعكس تلك الصفات على ابنتها. وإذا كانت تلك صورة الأم المريضة نفسيًّا، فإن صورة الأب جاءت شخصية مستبدّة خاصة تجاه «أم كلثوم» و«سميرة» الزوجة التي تزوجها من المدينة، فهي بنت المدينة وعدَّ أهله ذلك الزواج عارًا فظلوا يعيرونه بها وينتقصون من شرفها مما زاد من مرضها وخوفها من المجتمع، وشددت الرقابة على ابنتها «أم كلثوم»، فإن تأخرت في غرفتها وقعت تحت استجواب أمها وقسوة الأب المريض أيضًا، فشخصية الأب جاءت شخصية متناقضة، شكلانية، وضعيفة، ويتضح ذلك من خلال حوار الأب لابنته «أم كلثوم»: – أتعرفين لماذا أسميتك «أم كلثوم»؟ لأني أريدك مثل المطربة المصرية «أم كلثوم». انفجرت «سميرة» معلّقة: – وأين «ابنة الرسول» من قصتك؟ ألم تقل إنك سميتها «أم كلثوم» لتتصف بصفاتها؟ كان يبحث عن مخرج، فقال بصوت حاد متوجِّهًا لابنته: – منذ متى راجعت القرآن، السور التي عليك؟ ووسط هذا الجو المتمزق المريض تعيش شخصية البطلة، فحُرِمَت من الحق الاجتماعي بخلق علاقات مختلفة وسط المجتمع، وحُرِمَت من التعليم على الرغم من ذكائها الحاد، فرؤية الأسرة للتعليم بأنه مصدر فساد وليس مصدرًا للتنوير: ««أم كلثوم» أُخرِجَت من المدرسة بعد أن تعلَّمَت القراءة والكتابة، أسرتنا لا تزيد في تعليم الفتيات عن ذلك… فالمدرسة -كما تعلمين- لا فائدة منها، وليس منها إلا المفاسد». وحُرِمَت حتى من حقها الأنثوي في التجمُّل والتزيّن لتبدو طفلة متزينة تشعر بأنوثتها؛ فأمها تخاف عليها وتحرمها من كل شيء، إذ قامت بقص شعرها الذي يظل دائمًا ملتفًّا حول رأسها، وغير مسموح له بالانسدال. وتزوجت صغيرة على شيخ القرية المتزوج اثنتين في سنها الصغير؛ إرضاءً لأخيها المتهور، وعانت من استبداد خالتها بعد أن فارق أبوها أمها، ولأنها تخاف أباها اختارت الالتحاق بأبيها جبرًا؛ خوفًا من أبيها وخوفًا على أمها. باختصار، الخطاب يرغب بإعادة صياغة العقلية الاجتماعية برفض الجبر الذكوري سواءً في ناحية التعليم أو الزواج المبكِّر، سواءً للفتيات اللاتي ليس لديهن القدرة على تحمُّل أعباء الزواج أو الفتيان الذين يتزوجون فقط إرضاءً للآباء، يحاول الخطاب الروائي أن يعيد الصياغة الفكرية ولو على وجه التمنّي، لا سيما والأنثى تريد أن تعبِّر عن إرادتها وأن تنتزع لها دورًا اجتماعيًّا فضلًا بأن الرؤية ترغب باحترام الأنثى كروح وليس كجسد، ويظهر الخطاب النضال الوجودي للمرأة داخل المجتمع سواءً في إثبات ذاتها أو كشف معاناتها أو إبراز قدراتها في المجالات المختلفة، ومن خلال ذلك أتت بشخصية موازية لشخصية «أم كلثوم»… «عفراء» بائعة اللحوح، تلك الشخصية تُعدّ رمزًا للمرأة القوية المتمرّدة على سطوة الذكورة وسيطرتها، والتي تحافظ على كرامتها وتصل إلى أهدافها، وهي المرأة غير المستسلمة أو الضعيفة، بل الجريئة، وهي تلك الروح التي تفيض إنسانية، وهي ذلك الجسد المفعم بالجمال والإثارة، وهي تعتز بنفسها على الرغم من طبقتها البسيطة (بائعة لحوح)، فحين تتحدث مع «وضاح» الشباب الثري والمتعلِّم تتحدث بكبرياء واعتزاز بالنفس وثقة بلا استسلام، فجاءت رمزًا للكرامة والنضال من أجل بلوغ أهدافها: «تعتقد أنني أدنى منك منزلة وأني بائعة، وأنت تمسك دكانًا وتدرس في المدرسة، وأنا أدرس في الظهر». وإذا كان الخطاب الروائي قد تناول قضايا المرأة مبرزًا معاناتها وقدراتها وتأثيرها وفاعليتها من خلال ما تمتلك من قدرات فكرية أكثر من الثراء الجسدي، لذلك لم يكن الخطاب متحيّزًا للمرأة ومتعصِّبًا لها، بل جاء الخطاب موضوعيًّا، فقد تناولت العمّة (الحماة) التي تحوِّل زوجة ابنها إلى خادمة؛ لذلك يقول «وضاح» لأمه: «إنني لن أطلقها هي، بل أطلقها مني ومنك». فثمّة توازن مقنع في الرواية من خلال الموضوعية، وتناولت الخالة الماكرة والزوجة الغيورة من ضرتها، فزوجة الأب تنادي «أم كلثوم»: ««أم كلثوم» يا ابنتي، ارفعي الصحون واغسليها، أريدها لامعة». وتناولت صورة المرأة الماكرة ذات الكيد من خلال زوجة الأب، ومن خلال معاملتها لـ «أم كلثوم» ومن خلال شخصيات زوجات شيخ القرية. وأتت بصورة المرأة التي تضخِّم ذاتها كذبًا من صورة زوجة أبيها، فحين زارت القرية بمناسبة زفاف قريب، عندما سألها زوجها «عبدالله» عن الزفاف ومن قابلت ردت بتضخيم لذاتها كذبًا: «لقد قابلت جميع الأقارب والجيران، كنّ جميعهن متحلِّقات حولي، عوّذتُ نفسي ثلاثًا مخافة العين والحسد». وهذه الموضوعية أعطت النص تأثيرًا ومصداقية فنية، فلم يكن نصًّا مهاجمًا للرجل على حساب الإعلاء من شأن المرأة، بل جاء خطابًا يطرح القضايا أمام المساءلة النقدية والفكرية والاجتماعية والدينية، ولم يأتِ خطابًا شاطحًا كله شطط، بل جاء متوازنًا ومقبولًا ومقنعًا نوعًا ما، خاصة أن المجتمع يعيش بعض هذه القضايا بالفعل. أما من ناحية البناء فسوف أتحدث باختصار عن: – اللغة: وظّفت الساردة لغة عميقة ذات بعد نفسي، وأحيانًا ذات بعد فلسفي، فطرحت في ثنايا الحكي والأحداث كثيرًا من الرسائل الفكرية والاجتماعية؛ ممّا يجعل المتلقي يعيد ترتيب أفكاره ورؤاه وتصوراته، وهذه مهمة النص الإبداعي عمومًا والروائي خصوصًا، وممّا جاء من دلالة على البعد النفسي والفلسفي: أولًا، جمل ذات بُعد نفسي وفلسفي: 1. عن سيكولوجية الاعتياد: «كيف تبدو الأماني حال تحقيقها؟ هل ستظل مبهرةً كما لو أنها ما زالت أمنيةً بعيدة؟ هل يطفئ توهجها الاعتياد؟ لا بد أن الركض الطويل يفقدنا رغبة العناق حالما نصل». 2. عن التربية وتشكيل الوعي: «يولد الناس عراة من الداخل والخارج، فيهرع الآباء لتغطية أجسادهم ثم عقولهم؛ وكم أن تغطية الجسد فضيلة، فحتمًا تغطية العقل مفسدة». 3. عن مفهوم الأمان النفسي: «تدركين معه أن الأمان ليس أن تُنقذي من الأشرار كما الأميرات في القصص، بل أن تُفهمي. هذا هو الفارس على الحصان الأبيض حين ننزع عنه الخرافة». 4. عن قمع الإرادة والسيطرة الداخلية: «أقسى أشكال السيطرة ليست في السلاسل ولا في السجون، بل في أن يبث المسيطر الخوف في داخلك، عندها لا يحتاج إلى جهد؛ لقد أوكلك إلى نفسك. تصبح أنت السجن، وأنت السجّان». ثانيًا، عبارات تطرح أسئلة فكرية كبيرة: 1. سؤال الجدوى والوجود: «أهذه هي الحياة؟ نأكل ونشرب وننام، لماذا إذًا نعيش؟ لماذا لا ننهي هذه الحياة إن كان الجديد في كل يوم هو المشاكل، الحروب، والمزيد من اللوم والأوامر؟». 2. سؤال الهوية والتمييز الطبقي: «يا لسخطي على تاريخنا وحاضرنا، من أين أتينا بهذه المعتقدات؟ ألم يقل الرسول: الناس سواسية كأسنان المشط؟». 3. سؤال الانتماء والاغتراب: «ما الذي يجعل الروح مريضة حين تُنخَر من الداخل، أن تنبذك الأرض التي تنتمين لها، البقعة التي تسكنكِ أكثر مما تسكنينها… الانتماء يا حبيبتي هو السبب في كل هذا الألم الذي أشعر به». 4. سؤال العدالة الفردية: «العدل هو ألّا يزيد شيء عن شيء دون وجه حق. مملكة العدل، لا شيء يعلو على شيء، لن يُقهَر عندي طبق، ولن تشكو ملعقة». واستطاعت اللغة من خلال السرد والوصف والحوار أن تقوم بوظيفة التخييل الروائي من خلال الإيهام بالواقعية، ممّا يدفع القارئ إلى تقبُّل الأحداث من خلال إيهام اللغة كواقع، ويتأثر بها ويتعاطف مع الشخصيات والأحداث، وطرحت اللغة أسئلة كبيرة، خاصةً في حوار شخصية «أم كلثوم» مع نفسها وحوارها مع أمها والآخرين. – اعتمدت الروائية على السرد المتقطِّع والتناوبي، إذ تتناوب المشاهد وسط الأسر والأمكنة والشخصيات بجذب جميل، ومن خلال التنقلات في الأمكنة (البيت، الشارع، السوق، القرية، المدينة)، استطاعت من خلال تناوب الأحداث أن تتصاعد بالأحداث بدرامية وتوتر، واستطاعت أن تجمع خيوط الأحداث في خط البحث عن العدالة، على الأقل الإنسانية ما بين الرجل والمرأة، فقد عادت «أم كلثوم» لأمها منتصرة بطفلتها، واستطاعت «عفراء» أن تحقق أحلامها بمواصلة التعليم حتى أخذت مكانة اجتماعية عالية (دكتورة). – اعتمدت الرواية على الروائي العليم الذي يعلم كل شيء عن الشخصيات والأحداث والنفسيات؛ ممّا أتاح للسارد استبطان عوالم الشخصيات الداخلية، واستبطان العالم الروائي من أمكنة وأزمنة وشخصيات وأفكار ورؤى. – استطاع البناء أن يأتي بمفارقات من خلال الاختلاف بين الشخصيات، سواءً في المستوى الاجتماعي أو الاستسلام وقوة الإرادة، وكل الاختلافات والتناقضات، حتى يصنع السارد صراعًا وتشويقًا وجذبًا ونقل رؤى مختلفة عن المجتمع والنفسيات والأفكار، وكي يعبر عن التنوع الفكري والاجتماعي، فقد أتت بالطفلة المضطهدة «أم كلثوم» القائمة حياتها على الحرمان والجبر والقهر، وجاءت بـ «مادلين» المتحررة المتعلمة الواعية المتوفر لها كل شيء، جاءت بالمرأة المريضة نفسيًّا «سميرة» التي فقدت الثقة بنفسها وبالمجتمع، وجاءت بصورة المرأة التي تثق بنفسها رغم أنها من أسرة المزاينة «أم مادلين»، وجاءت بصورة الشباب المتهور «عبد الملك» الذي يتزيّن بالسلاح، و«وضاح» المتعلِّم الذي يتزيّن بالعلم، وجاءت بشخصية «عفراء» الواثقة بنفسها تعمل وتتعلّم حتى حملت الدكتوراه. – باختصار تنوعت الشخصيات والأحداث ممّا أفضى صراع، والصراع أدى إلى تشويق ومصداقية وجذب وتعميق وتأثير وإقناع للمتلقي من خلال رسالة الرواية. ولكن ما الذي يؤخذ على الرواية؟ يؤخذ على الرواية: – بعض الخطابية في بعض الأحداث، كأن تقول «أم كلثوم»: «أمي تجعل مني جروًا»، ويقول: «عبد الملك» لخالته: «… أيتها المنبوذة». – حدث واحد بلا استباق ومفتعل: الحادث الذي وقع لأسرة «مادلين» ونقل على إثره للمستشفى، والمفترض يوضع استباقًا وتوقعًا من خلال وصولهم للحارة، كأن يبدو الأب مريضًا وغيره وبعدها ينتقل للمستشفى. باختصار الرواية أكثر من جيدة، ولأول مرة أقرأ لكاتبة صاعدة نصًّا بهذه الجدية والعمق.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
رواية «فصامية» لليمنية تسبيح عباد ..قراءة في مضامين الخطاب الروائي
رواية «فصامية» لليمنية / تسبيح عباد قراءة في مضامين الخطاب الروائي
إذا كان العنوان اللقاء الأول بالقارئ ويُعدّ اللافتة التي تجذب المتلقّي، فإن المبدع والباحث والكاتب والجميع عمومًا يولون العنوان أهميةً خاصة، باعتباره يختزل مضمونًا ويسبر أغوار النص ويختزل عوالمه الداخلية، يُعدّ إضاءةً وعتبةً أولى تشير إلى دلالات النص والخطاب، بل تعود شهرة المنجز الإبداعي أو فشله لاختيار العنوان؛ لذلك يشترط في العنوان أن يكون لافتًا كثيرًا ومثيرًا للانتباه ومكثّفًا وجديدًا غير مستهلك، ولأننا في سياق الرواية فإن العنوان قد يأتي زمانيًّا أو مكانيًّا أو وصفًا لإحدى الشخصيات أو يأتي فكريًّا مختزلًا لمضمون الرواية. وإذا تأمّلنا عنوان الرواية للقاصة اليمنية: «تسبيح عباد» فقد جاء مفهومًا أو مصطلحًا نفسيًّا: «فصاميّة»، وهو مصدر صناعي من الفصام (المرض النفسي)، ليشير إلى صفة عامة في بعض شخصيات الرواية أو المجتمع، وإذا كان مفهوم الفصام (Schizophrenia) هو: اضطراب عقلي مزمن وخطير يؤثر على تفكير ومشاعر وسلوك الفرد، حيث يعاني المريض من ذهانات، هلاوس (سماع أصوات)، أوهام (اعتقادات خاطئة)، واضطراب في التواصل مع الواقع، ويُعرف الفصام بـ «انقسام العقل»، فإن تلك الأعراض والمميزات المرضية تتصف بها بعض الشخصيات في الرواية، وتتصف بها بعض الأحداث، ومن هذه الدلالة فلم يعد الفصام على مستوى شخصيات الرواية بل على المستوى الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بالممارسات القهرية والعادات والتقاليد والأفكار والمعتقدات والتصورات التي تعد حتميات اجتماعية متوارثة لا يمكن الخروج عنها بوصفها قوانين متجذِّرة في العقليات والأفكار، فالخطاب في الرواية يشنع بالفصام الفكري الذي يمزِّق العلاقات ويمزِّق المجتمع ممّا يؤدي إلى سيطرة رؤى على أخرى حد الاستبداد والقهر والتسلُّط. وبذلك جاء العنوان موفّقًا إلى حدٍّ بعيد، يتناغم مع مضمون الرواية وما تطرحه من رؤى، وقد زاد من عمق دلالة العنوان اختيار لوحة الغلاف، فقد اختارت القاصة لوحة عالمية للفنان العالمي «بيكاسو» وهي لوحة «المرأة الباكية» لتكون لوحة الغلاف، بل إن «بيكاسو» نفسه كان يعاني من اضطراب نفسي وعقلي، فلوحة الغلاف والعنوان يتوازيان بالدلالة مع مضمون الرواية، ويتفاعلان مع الرسائل والرهانات البعيدة للرواية، لا سيما والمرأة الباكية تعبِّر عن معاناة المرأة النفسية والاجتماعية والتي ركزت عليها مضامين الرواية. وإذا عدنا إلى قراءة خطاب الرواية ومساءلة بعض مضامينها، فإنها انشغلت بعدة قضايا أهمها: قضايا المرأة وهمومها وصراعها الاجتماعي سواءً مع الرجل أو العادات والتقاليد أو الأفكار والتصورات، محاولةً تجاوز خيباتها إلى إثبات ذاتها وتأثيرها وفاعليتها بوصفها كينونة اجتماعية تمثِّل نصف المجتمع -بل في رأيي كله- ومحاولة إعادة صياغة الأفكار والتصورات المتجذِّرة في الفكر الاجتماعي، أو على الأقل طرح رسالة قابلة للتساؤل الفكري إذا ما نظرنا إلى الوحدة الدينية والدعوة، وصولًا إلى التنوع الاجتماعي العادل. ولذلك تناولت الرواية مشكلة الطفولة الأنثوية (الصغيرات) من خلال شخصية بطلة القصة «أم كلثوم» الطفلة التي لم تتجاوز الخمسة عشر عامًا، تلك الطفلة التي تعيش وسط أسرة ممزقة ومضطربة وغير مستقرة، بل ومكونة من الأم المريضة نفسيًّا، منطوية ومصابة بالخوف من المجتمع، فهي منطوية على نفسها في البيت، وتريد أن تعكس تلك الصفات على ابنتها «أم كلثوم» خوفًا عليها من المجتمع، وقد جاء في وصف الأم على لسان «أم كلثوم»: «تغلق هذا المنزل بالشهور، تتوجس من أن يطرق أحد الباب، ولا تستقبل أحدًا، ولا تذهب لأحد، فلا أرى بشرًا إلا هي أو والدي، وإن حضر زاد الضجر بها، لتتيح لجارتنا العمياء أن تزورنا». فالأم فقدت الثقة بالمجتمع، بمن حولها، وبنفسها، وتريد أن تعكس تلك الصفات على ابنتها. وإذا كانت تلك صورة الأم المريضة نفسيًّا، فإن صورة الأب جاءت شخصية مستبدّة خاصة تجاه «أم كلثوم» و«سميرة» الزوجة التي تزوجها من المدينة، فهي بنت المدينة وعدَّ أهله ذلك الزواج عارًا فظلوا يعيرونه بها وينتقصون من شرفها مما زاد من مرضها وخوفها من المجتمع، وشددت الرقابة على ابنتها «أم كلثوم»، فإن تأخرت في غرفتها وقعت تحت استجواب أمها وقسوة الأب المريض أيضًا، فشخصية الأب جاءت شخصية متناقضة، شكلانية، وضعيفة، ويتضح ذلك من خلال حوار الأب لابنته «أم كلثوم»: – أتعرفين لماذا أسميتك «أم كلثوم»؟ لأني أريدك مثل المطربة المصرية «أم كلثوم». انفجرت «سميرة» معلّقة: – وأين «ابنة الرسول» من قصتك؟ ألم تقل إنك سميتها «أم كلثوم» لتتصف بصفاتها؟ كان يبحث عن مخرج، فقال بصوت حاد متوجِّهًا لابنته: – منذ متى راجعت القرآن، السور التي عليك؟ ووسط هذا الجو المتمزق المريض تعيش شخصية البطلة، فحُرِمَت من الحق الاجتماعي بخلق علاقات مختلفة وسط المجتمع، وحُرِمَت من التعليم على الرغم من ذكائها الحاد، فرؤية الأسرة للتعليم بأنه مصدر فساد وليس مصدرًا للتنوير: ««أم كلثوم» أُخرِجَت من المدرسة بعد أن تعلَّمَت القراءة والكتابة، أسرتنا لا تزيد في تعليم الفتيات عن ذلك… فالمدرسة -كما تعلمين- لا فائدة منها، وليس منها إلا المفاسد». وحُرِمَت حتى من حقها الأنثوي في التجمُّل والتزيّن لتبدو طفلة متزينة تشعر بأنوثتها؛ فأمها تخاف عليها وتحرمها من كل شيء، إذ قامت بقص شعرها الذي يظل دائمًا ملتفًّا حول رأسها، وغير مسموح له بالانسدال. وتزوجت صغيرة على شيخ القرية المتزوج اثنتين في سنها الصغير؛ إرضاءً لأخيها المتهور، وعانت من استبداد خالتها بعد أن فارق أبوها أمها، ولأنها تخاف أباها اختارت الالتحاق بأبيها جبرًا؛ خوفًا من أبيها وخوفًا على أمها. باختصار، الخطاب يرغب بإعادة صياغة العقلية الاجتماعية برفض الجبر الذكوري سواءً في ناحية التعليم أو الزواج المبكِّر، سواءً للفتيات اللاتي ليس لديهن القدرة على تحمُّل أعباء الزواج أو الفتيان الذين يتزوجون فقط إرضاءً للآباء، يحاول الخطاب الروائي أن يعيد الصياغة الفكرية ولو على وجه التمنّي، لا سيما والأنثى تريد أن تعبِّر عن إرادتها وأن تنتزع لها دورًا اجتماعيًّا فضلًا بأن الرؤية ترغب باحترام الأنثى كروح وليس كجسد، ويظهر الخطاب النضال الوجودي للمرأة داخل المجتمع سواءً في إثبات ذاتها أو كشف معاناتها أو إبراز قدراتها في المجالات المختلفة، ومن خلال ذلك أتت بشخصية موازية لشخصية «أم كلثوم»… «عفراء» بائعة اللحوح، تلك الشخصية تُعدّ رمزًا للمرأة القوية المتمرّدة على سطوة الذكورة وسيطرتها، والتي تحافظ على كرامتها وتصل إلى أهدافها، وهي المرأة غير المستسلمة أو الضعيفة، بل الجريئة، وهي تلك الروح التي تفيض إنسانية، وهي ذلك الجسد المفعم بالجمال والإثارة، وهي تعتز بنفسها على الرغم من طبقتها البسيطة (بائعة لحوح)، فحين تتحدث مع «وضاح» الشباب الثري والمتعلِّم تتحدث بكبرياء واعتزاز بالنفس وثقة بلا استسلام، فجاءت رمزًا للكرامة والنضال من أجل بلوغ أهدافها: «تعتقد أنني أدنى منك منزلة وأني بائعة، وأنت تمسك دكانًا وتدرس في المدرسة، وأنا أدرس في الظهر». وإذا كان الخطاب الروائي قد تناول قضايا المرأة مبرزًا معاناتها وقدراتها وتأثيرها وفاعليتها من خلال ما تمتلك من قدرات فكرية أكثر من الثراء الجسدي، لذلك لم يكن الخطاب متحيّزًا للمرأة ومتعصِّبًا لها، بل جاء الخطاب موضوعيًّا، فقد تناولت العمّة (الحماة) التي تحوِّل زوجة ابنها إلى خادمة؛ لذلك يقول «وضاح» لأمه: «إنني لن أطلقها هي، بل أطلقها مني ومنك». فثمّة توازن مقنع في الرواية من خلال الموضوعية، وتناولت الخالة الماكرة والزوجة الغيورة من ضرتها، فزوجة الأب تنادي «أم كلثوم»: ««أم كلثوم» يا ابنتي، ارفعي الصحون واغسليها، أريدها لامعة». وتناولت صورة المرأة الماكرة ذات الكيد من خلال زوجة الأب، ومن خلال معاملتها لـ «أم كلثوم» ومن خلال شخصيات زوجات شيخ القرية. وأتت بصورة المرأة التي تضخِّم ذاتها كذبًا من صورة زوجة أبيها، فحين زارت القرية بمناسبة زفاف قريب، عندما سألها زوجها «عبدالله» عن الزفاف ومن قابلت ردت بتضخيم لذاتها كذبًا: «لقد قابلت جميع الأقارب والجيران، كنّ جميعهن متحلِّقات حولي، عوّذتُ نفسي ثلاثًا مخافة العين والحسد». وهذه الموضوعية أعطت النص تأثيرًا ومصداقية فنية، فلم يكن نصًّا مهاجمًا للرجل على حساب الإعلاء من شأن المرأة، بل جاء خطابًا يطرح القضايا أمام المساءلة النقدية والفكرية والاجتماعية والدينية، ولم يأتِ خطابًا شاطحًا كله شطط، بل جاء متوازنًا ومقبولًا ومقنعًا نوعًا ما، خاصة أن المجتمع يعيش بعض هذه القضايا بالفعل. أما من ناحية البناء فسوف أتحدث باختصار عن: – اللغة: وظّفت الساردة لغة عميقة ذات بعد نفسي، وأحيانًا ذات بعد فلسفي، فطرحت في ثنايا الحكي والأحداث كثيرًا من الرسائل الفكرية والاجتماعية؛ ممّا يجعل المتلقي يعيد ترتيب أفكاره ورؤاه وتصوراته، وهذه مهمة النص الإبداعي عمومًا والروائي خصوصًا، وممّا جاء من دلالة على البعد النفسي والفلسفي: أولًا، جمل ذات بُعد نفسي وفلسفي: 1. عن سيكولوجية الاعتياد: «كيف تبدو الأماني حال تحقيقها؟ هل ستظل مبهرةً كما لو أنها ما زالت أمنيةً بعيدة؟ هل يطفئ توهجها الاعتياد؟ لا بد أن الركض الطويل يفقدنا رغبة العناق حالما نصل». 2. عن التربية وتشكيل الوعي: «يولد الناس عراة من الداخل والخارج، فيهرع الآباء لتغطية أجسادهم ثم عقولهم؛ وكم أن تغطية الجسد فضيلة، فحتمًا تغطية العقل مفسدة». 3. عن مفهوم الأمان النفسي: «تدركين معه أن الأمان ليس أن تُنقذي من الأشرار كما الأميرات في القصص، بل أن تُفهمي. هذا هو الفارس على الحصان الأبيض حين ننزع عنه الخرافة». 4. عن قمع الإرادة والسيطرة الداخلية: «أقسى أشكال السيطرة ليست في السلاسل ولا في السجون، بل في أن يبث المسيطر الخوف في داخلك، عندها لا يحتاج إلى جهد؛ لقد أوكلك إلى نفسك. تصبح أنت السجن، وأنت السجّان». ثانيًا، عبارات تطرح أسئلة فكرية كبيرة: 1. سؤال الجدوى والوجود: «أهذه هي الحياة؟ نأكل ونشرب وننام، لماذا إذًا نعيش؟ لماذا لا ننهي هذه الحياة إن كان الجديد في كل يوم هو المشاكل، الحروب، والمزيد من اللوم والأوامر؟». 2. سؤال الهوية والتمييز الطبقي: «يا لسخطي على تاريخنا وحاضرنا، من أين أتينا بهذه المعتقدات؟ ألم يقل الرسول: الناس سواسية كأسنان المشط؟». 3. سؤال الانتماء والاغتراب: «ما الذي يجعل الروح مريضة حين تُنخَر من الداخل، أن تنبذك الأرض التي تنتمين لها، البقعة التي تسكنكِ أكثر مما تسكنينها… الانتماء يا حبيبتي هو السبب في كل هذا الألم الذي أشعر به». 4. سؤال العدالة الفردية: «العدل هو ألّا يزيد شيء عن شيء دون وجه حق. مملكة العدل، لا شيء يعلو على شيء، لن يُقهَر عندي طبق، ولن تشكو ملعقة». واستطاعت اللغة من خلال السرد والوصف والحوار أن تقوم بوظيفة التخييل الروائي من خلال الإيهام بالواقعية، ممّا يدفع القارئ إلى تقبُّل الأحداث من خلال إيهام اللغة كواقع، ويتأثر بها ويتعاطف مع الشخصيات والأحداث، وطرحت اللغة أسئلة كبيرة، خاصةً في حوار شخصية «أم كلثوم» مع نفسها وحوارها مع أمها والآخرين. – اعتمدت الروائية على السرد المتقطِّع والتناوبي، إذ تتناوب المشاهد وسط الأسر والأمكنة والشخصيات بجذب جميل، ومن خلال التنقلات في الأمكنة (البيت، الشارع، السوق، القرية، المدينة)، استطاعت من خلال تناوب الأحداث أن تتصاعد بالأحداث بدرامية وتوتر، واستطاعت أن تجمع خيوط الأحداث في خط البحث عن العدالة، على الأقل الإنسانية ما بين الرجل والمرأة، فقد عادت «أم كلثوم» لأمها منتصرة بطفلتها، واستطاعت «عفراء» أن تحقق أحلامها بمواصلة التعليم حتى أخذت مكانة اجتماعية عالية (دكتورة). – اعتمدت الرواية على الروائي العليم الذي يعلم كل شيء عن الشخصيات والأحداث والنفسيات؛ ممّا أتاح للسارد استبطان عوالم الشخصيات الداخلية، واستبطان العالم الروائي من أمكنة وأزمنة وشخصيات وأفكار ورؤى. – استطاع البناء أن يأتي بمفارقات من خلال الاختلاف بين الشخصيات، سواءً في المستوى الاجتماعي أو الاستسلام وقوة الإرادة، وكل الاختلافات والتناقضات، حتى يصنع السارد صراعًا وتشويقًا وجذبًا ونقل رؤى مختلفة عن المجتمع والنفسيات والأفكار، وكي يعبر عن التنوع الفكري والاجتماعي، فقد أتت بالطفلة المضطهدة «أم كلثوم» القائمة حياتها على الحرمان والجبر والقهر، وجاءت بـ «مادلين» المتحررة المتعلمة الواعية المتوفر لها كل شيء، جاءت بالمرأة المريضة نفسيًّا «سميرة» التي فقدت الثقة بنفسها وبالمجتمع، وجاءت بصورة المرأة التي تثق بنفسها رغم أنها من أسرة المزاينة «أم مادلين»، وجاءت بصورة الشباب المتهور «عبد الملك» الذي يتزيّن بالسلاح، و«وضاح» المتعلِّم الذي يتزيّن بالعلم، وجاءت بشخصية «عفراء» الواثقة بنفسها تعمل وتتعلّم حتى حملت الدكتوراه. – باختصار تنوعت الشخصيات والأحداث ممّا أفضى صراع، والصراع أدى إلى تشويق ومصداقية وجذب وتعميق وتأثير وإقناع للمتلقي من خلال رسالة الرواية. ولكن ما الذي يؤخذ على الرواية؟ يؤخذ على الرواية: – بعض الخطابية في بعض الأحداث، كأن تقول «أم كلثوم»: «أمي تجعل مني جروًا»، ويقول: «عبد الملك» لخالته: «… أيتها المنبوذة». – حدث واحد بلا استباق ومفتعل: الحادث الذي وقع لأسرة «مادلين» ونقل على إثره للمستشفى، والمفترض يوضع استباقًا وتوقعًا من خلال وصولهم للحارة، كأن يبدو الأب مريضًا وغيره وبعدها ينتقل للمستشفى. باختصار الرواية أكثر من جيدة، ولأول مرة أقرأ لكاتبة صاعدة نصًّا بهذه الجدية والعمق.
التعليقات