ساعات الاربعة الاخيرة

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 16 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2499
ساعات الاربعة الاخيرة

ساعات الاربعة الاخيرة

كان البرج الإسمنتي يضيق عليه مع كل رصاصة ترتطم بجدرانه. في البداية ظنّ محمد أبو علي أن الأمر لن يستغرق أكثر من عشر دقائق. اشتباك عابر كما حدث عشرات المرات من قبل. مجموعة مسلحة تظهر بين بساتين الطارمية، تطلق النار، ثم تختفي داخل الأشجار ولكن حين اخترقت أول دفعة من الرصاص أكياس الرمل أمامه، أدرك أن شيئاً مختلفاً يحدث هذه المرة. خفض رأسه بسرعة. تناثرت ذرات الإسمنت فوق شعره، رفع رشاشه على فتحة الشباك اعلى راسه وأطلق دفعة طويلة نحو مصدر النيران لم يكن يرى المهاجمين بوضوح كانوا أشباحاً تتحرك بين جذوع النخيل وأغصان البرتقال ظلالاً سوداء تظهر للحظة ثم تختفي. كان التاسع من حزيران الحرارة خانقة. الهواء داخل البرج يشبه نفساً ساخناً يخرج من فرن مغلق، مسح العرق عن عينيه . ثم أعاد تعبئة السلاح، صوت التذخير بدا له مطمئناً أكثر من أي صوت آخر في العالم. بعد أربعين دقيقة تقريباً بدأ يفهم حجم الكارثة لم يكن هناك مهاجمون اثنان أو ثلاثة، كانوا كثيرين . أكثر مما يستطيع عدّهم ،كلما أسكت مجموعة ظهرت أخرى وكلما توقف إطلاق النار من جهة بدأ من جهة ثانية. نظر عبر الفتحة الضيقة في الجدار . الدخان يتصاعد بين الأشجار، الطلقات تتطاير حول البرج مثل أسراب من الحشرات الغاضبة . أمسك جهاز الاتصال وصرخ طالباً الإسناد، جاءه الرد متقطعاً وسط التشويش. اصمد . سمعها متقطعة ولم يفهم الكلمات التي اتت بعدها ثم انقطع الصوت، ابتسم بسخرية . اصمد! وانا تحت وابل من الرصاص .. كلمة جميلة جداً عندما تكون بعيداً عن الموت. قالها بسخرية .. في الساعة الثانية حدث ما غيّر كل شيء . كان يطلق النار من الجهة الشمالية حين شعر بلكمة هائلة تضرب جانبه. لم يسمع صوت الرصاصة . لم يشعر باختراقها شعر فقط بقوة صاعقة دفعت جسده إلى الخلف. سقط على أرضية البرج ،الرشاش انزلق من يده تقطع الصوت مختفيا تدريجي  حدّق في السقف لثوانٍ لم يفهم ما جرى. ثم رأى الدم…
بقعة حمراء تنتشر فوق ملابسه العسكرية. كانت تتحرك ببطء بهدوء كأنها تملك كل الوقت في العالم،
مد يده إليها رفع أصابعه. كانت مغطاة بالدم، هنا فقط شعر بالألم ألم حاد، عميق يشبه قطعة حديد مغروسة في جسده. أغلق عينيه وفجأة رأى الناصرية. رأى شارع النيل رأى باعة السمك قرب السوق. رأى أمه جالسة أمام باب البيت في مساء صيفي بعيد. سمع ضحكات الأطفال وشمّ رائحة الخبز الحار .. فتح عينيه بعنف الموت كان يحاول خداعه. كان يعرف ذلك الموت يحب الذكريات. يستعملها كطُعم أخير.
شد قطعة قماش حول جرحه. ضغط بقوة حتى كاد يصرخ ثم زحف نحو الرشاش، رفع السلاح وعاد إلى موقعه. كأن شيئاً لم يحدث ، الساعة الثالثة كانت الأسوأ. لم يعد الزمن واضحاً، كل دقيقة بدت ساعة.
وكل ساعة بدت يوماً كاملاً، الرؤية بدأت تتشوش ،
الدم يواصل النزف، العطش يحرق حلقه . نفدت قارورة الماء منذ زمن، البرج الذي كان يحميه أصبح سجناً، الجدران مثقوبة وأكياس الرمل ممزقة. شظايا الإسمنت تغطي الأرض. حتى العلم المعلق فوق امامه أصابته ثقوب كثيرة لكنه ظل صامد وبلحظه مؤثرة اخذ له تحية تجديدا للعهد ونظر إليه طويلاً.
ثم ضحك ضحكة قصيرة جافة حتى أنت ترفض السقوط؟ لم يكن متأكداً إن كان قد قالها بصوت مرتفع أم في رأسه، فقط أحياناً كان يسمع أصواتاً لا وجود لها. أحياناً يسمع والده يناديه وأحياناً يسمع أمه تسأله إن كان تناول الطعام ومرة تخيل أنه عاد إلى الناصرية فعلاً كان يسير قرب النهر ثم تحولت أصوات الأطفال فجأة إلى أزيز رصاص . فعاد البرج للظهور أمامه. عاد الدم وعاد الألم
وعاد الحصار.
في الخارج كان المهاجمون يقتربون وأصبح يسمع أصواتهم بوضوح سمع  لغات لم يسمع بها من قبل، يتحدثون يصرخون يشجع بعضهم بعضاً. عرف أنهم أدركوا حالته كانوا ينتظرون انهياره، فقط رصاصة أخرى أصابت الجدار قرب رأسه. تناثر الإسمنت فوق وجهه، مسح عينيه. نظر إلى صندوق الذخيرة، لم يبق الكثير، شريط أخير تقريباً. جلس للحظة. تنفس بصعوبة. ثم وضع الشريط في الرشاش.
ربت على السلاح كما يربت رجل على كتف صديق قديم. نبقى سوية للنهاية : قالها بقوة مفقودة جزيا
حين بدأت الساعة الرابعة كان جسده قد تجاوز الألم.
لم يعد يشعر بشيء تقريباً صار آلة. عينان تبحثان عن هدف. إصبع يضغط الزناد وذهن يرفض الاستسلام
فقط. سمع حركة قرب قاعدة البرج، أحد المهاجمين اقترب كثيراً أطلق دفعة طويلة تبعها صراخ طائفي متوعد بالذبح ثم صوت رصاص ثم صمت. عاد الهدوء للحظة، هدوء غريب مريب. حتى الطيور اختفت. حتى الريح توقفت،شعر بالنعاس. نعاس ثقيل ومخيف أسند رأسه إلى الجدار. أغمض عينيه قليلاً. دقيقة واحدة فقط… دقيقة واحدة غمض بثقل .. ثم سمعه. في البداية ظنه وهماً جديداً، صوت محرك بعيد ثم محرك ثانٍ ثم ثالث. بعدها جاء صوت الرشاشات الثقيلة. من جهة الطريق العام فتح عينيه. رفع رأسه بصعوبة استمع جيداً هذه ليست أصواتهم هذه أصوات رجاله.

هذه أصوات النجاة. وفجأة انفجرت البساتين بالنيران.
تبدلت الصرخات. تحولت من هجوم إلى هروب. بدأ المهاجمون ينسحبون بين الأشجار بسرعة.بعجلة بخوف ظل محمد ينظر من فتحة البرج. يراقب آثار هروبهم وهي تختفي واحدة تلو الأخرى. حتى اختفى آخرها. عندها فقط سمح لنفسه بالابتسام. ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت وسط الدم والغبار، اقتربت أصوات الآليات أكثر. أصوات الجنود
أصوات رفاقة ..
أصوات الحياة ..
لكنه لم يعد قادراً على رؤيتهم كانت عيناه تنغلقان ببطء. آخر ما رآه كان ضوء النهار يتسلل من عشرات ثقوب الرصاص في الجدار المقابل ،كانت الثقوب كثيرة حتى بدا البرج كأنه سماء صغيرة مليئة بالنجوم ثم أغمض عينيه. وآخر فكرة مرت في رأسه لم تكن عن الموت
ولا عن الألم
كانت عن الناصرية
وعن وعد قطعه لنفسه قبل سنوات. أن يعود إليها واقفاً لا منكسراً. وفي ذلك اليوم وسط برج تحول إلى غربال من الرصاص، أوفى بوعده …

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بائع الزهور

بائع الزهور

بائع الزهور في تلك اللحظة أدركت أنني أصبحت أسيرًا لمشاعري، وأن النسخة الأضعف مني ،…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
8 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون

ما لا تراه العيون لا أعرف كيف تمالكت نفسي ولا كيف أخفيت ما اجتاحني من…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
1 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
الأثر الأخير

الأثر الأخير

الأثر الأخير   لم يكن طارق يثق بالذاكرة البشرية، ولهذا أمضى عشرين عاماً يرمم الأشرطة…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
25 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ساعات الاربعة الاخيرة

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 16 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

ساعات الاربعة الاخيرة

كان البرج الإسمنتي يضيق عليه مع كل رصاصة ترتطم بجدرانه. في البداية ظنّ محمد أبو علي أن الأمر لن يستغرق أكثر من عشر دقائق. اشتباك عابر كما حدث عشرات المرات من قبل. مجموعة مسلحة تظهر بين بساتين الطارمية، تطلق النار، ثم تختفي داخل الأشجار ولكن حين اخترقت أول دفعة من الرصاص أكياس الرمل أمامه، أدرك أن شيئاً مختلفاً يحدث هذه المرة. خفض رأسه بسرعة. تناثرت ذرات الإسمنت فوق شعره، رفع رشاشه على فتحة الشباك اعلى راسه وأطلق دفعة طويلة نحو مصدر النيران لم يكن يرى المهاجمين بوضوح كانوا أشباحاً تتحرك بين جذوع النخيل وأغصان البرتقال ظلالاً سوداء تظهر للحظة ثم تختفي. كان التاسع من حزيران الحرارة خانقة. الهواء داخل البرج يشبه نفساً ساخناً يخرج من فرن مغلق، مسح العرق عن عينيه . ثم أعاد تعبئة السلاح، صوت التذخير بدا له مطمئناً أكثر من أي صوت آخر في العالم. بعد أربعين دقيقة تقريباً بدأ يفهم حجم الكارثة لم يكن هناك مهاجمون اثنان أو ثلاثة، كانوا كثيرين . أكثر مما يستطيع عدّهم ،كلما أسكت مجموعة ظهرت أخرى وكلما توقف إطلاق النار من جهة بدأ من جهة ثانية. نظر عبر الفتحة الضيقة في الجدار . الدخان يتصاعد بين الأشجار، الطلقات تتطاير حول البرج مثل أسراب من الحشرات الغاضبة . أمسك جهاز الاتصال وصرخ طالباً الإسناد، جاءه الرد متقطعاً وسط التشويش. اصمد . سمعها متقطعة ولم يفهم الكلمات التي اتت بعدها ثم انقطع الصوت، ابتسم بسخرية . اصمد! وانا تحت وابل من الرصاص .. كلمة جميلة جداً عندما تكون بعيداً عن الموت. قالها بسخرية .. في الساعة الثانية حدث ما غيّر كل شيء . كان يطلق النار من الجهة الشمالية حين شعر بلكمة هائلة تضرب جانبه. لم يسمع صوت الرصاصة . لم يشعر باختراقها شعر فقط بقوة صاعقة دفعت جسده إلى الخلف. سقط على أرضية البرج ،الرشاش انزلق من يده تقطع الصوت مختفيا تدريجي  حدّق في السقف لثوانٍ لم يفهم ما جرى. ثم رأى الدم…
بقعة حمراء تنتشر فوق ملابسه العسكرية. كانت تتحرك ببطء بهدوء كأنها تملك كل الوقت في العالم،
مد يده إليها رفع أصابعه. كانت مغطاة بالدم، هنا فقط شعر بالألم ألم حاد، عميق يشبه قطعة حديد مغروسة في جسده. أغلق عينيه وفجأة رأى الناصرية. رأى شارع النيل رأى باعة السمك قرب السوق. رأى أمه جالسة أمام باب البيت في مساء صيفي بعيد. سمع ضحكات الأطفال وشمّ رائحة الخبز الحار .. فتح عينيه بعنف الموت كان يحاول خداعه. كان يعرف ذلك الموت يحب الذكريات. يستعملها كطُعم أخير.
شد قطعة قماش حول جرحه. ضغط بقوة حتى كاد يصرخ ثم زحف نحو الرشاش، رفع السلاح وعاد إلى موقعه. كأن شيئاً لم يحدث ، الساعة الثالثة كانت الأسوأ. لم يعد الزمن واضحاً، كل دقيقة بدت ساعة.
وكل ساعة بدت يوماً كاملاً، الرؤية بدأت تتشوش ،
الدم يواصل النزف، العطش يحرق حلقه . نفدت قارورة الماء منذ زمن، البرج الذي كان يحميه أصبح سجناً، الجدران مثقوبة وأكياس الرمل ممزقة. شظايا الإسمنت تغطي الأرض. حتى العلم المعلق فوق امامه أصابته ثقوب كثيرة لكنه ظل صامد وبلحظه مؤثرة اخذ له تحية تجديدا للعهد ونظر إليه طويلاً.
ثم ضحك ضحكة قصيرة جافة حتى أنت ترفض السقوط؟ لم يكن متأكداً إن كان قد قالها بصوت مرتفع أم في رأسه، فقط أحياناً كان يسمع أصواتاً لا وجود لها. أحياناً يسمع والده يناديه وأحياناً يسمع أمه تسأله إن كان تناول الطعام ومرة تخيل أنه عاد إلى الناصرية فعلاً كان يسير قرب النهر ثم تحولت أصوات الأطفال فجأة إلى أزيز رصاص . فعاد البرج للظهور أمامه. عاد الدم وعاد الألم
وعاد الحصار.
في الخارج كان المهاجمون يقتربون وأصبح يسمع أصواتهم بوضوح سمع  لغات لم يسمع بها من قبل، يتحدثون يصرخون يشجع بعضهم بعضاً. عرف أنهم أدركوا حالته كانوا ينتظرون انهياره، فقط رصاصة أخرى أصابت الجدار قرب رأسه. تناثر الإسمنت فوق وجهه، مسح عينيه. نظر إلى صندوق الذخيرة، لم يبق الكثير، شريط أخير تقريباً. جلس للحظة. تنفس بصعوبة. ثم وضع الشريط في الرشاش.
ربت على السلاح كما يربت رجل على كتف صديق قديم. نبقى سوية للنهاية : قالها بقوة مفقودة جزيا
حين بدأت الساعة الرابعة كان جسده قد تجاوز الألم.
لم يعد يشعر بشيء تقريباً صار آلة. عينان تبحثان عن هدف. إصبع يضغط الزناد وذهن يرفض الاستسلام
فقط. سمع حركة قرب قاعدة البرج، أحد المهاجمين اقترب كثيراً أطلق دفعة طويلة تبعها صراخ طائفي متوعد بالذبح ثم صوت رصاص ثم صمت. عاد الهدوء للحظة، هدوء غريب مريب. حتى الطيور اختفت. حتى الريح توقفت،شعر بالنعاس. نعاس ثقيل ومخيف أسند رأسه إلى الجدار. أغمض عينيه قليلاً. دقيقة واحدة فقط… دقيقة واحدة غمض بثقل .. ثم سمعه. في البداية ظنه وهماً جديداً، صوت محرك بعيد ثم محرك ثانٍ ثم ثالث. بعدها جاء صوت الرشاشات الثقيلة. من جهة الطريق العام فتح عينيه. رفع رأسه بصعوبة استمع جيداً هذه ليست أصواتهم هذه أصوات رجاله.

هذه أصوات النجاة. وفجأة انفجرت البساتين بالنيران.
تبدلت الصرخات. تحولت من هجوم إلى هروب. بدأ المهاجمون ينسحبون بين الأشجار بسرعة.بعجلة بخوف ظل محمد ينظر من فتحة البرج. يراقب آثار هروبهم وهي تختفي واحدة تلو الأخرى. حتى اختفى آخرها. عندها فقط سمح لنفسه بالابتسام. ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت وسط الدم والغبار، اقتربت أصوات الآليات أكثر. أصوات الجنود
أصوات رفاقة ..
أصوات الحياة ..
لكنه لم يعد قادراً على رؤيتهم كانت عيناه تنغلقان ببطء. آخر ما رآه كان ضوء النهار يتسلل من عشرات ثقوب الرصاص في الجدار المقابل ،كانت الثقوب كثيرة حتى بدا البرج كأنه سماء صغيرة مليئة بالنجوم ثم أغمض عينيه. وآخر فكرة مرت في رأسه لم تكن عن الموت
ولا عن الألم
كانت عن الناصرية
وعن وعد قطعه لنفسه قبل سنوات. أن يعود إليها واقفاً لا منكسراً. وفي ذلك اليوم وسط برج تحول إلى غربال من الرصاص، أوفى بوعده …