الورقة التي قدمت في جلسة الورشة الثقافية بالمركز الثقافي البغدادي بعنوان ( الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل)
هل الأديب حارس للذاكرة؟
يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى بسيطاً ومباشراً، لكنه في جوهره سؤال إشكالي لا يحتمل إجابة واحدة أو حكماً قاطعاً. فحين نصف الأديب بأنه “حارس للذاكرة”، فإننا نمنح الأدب وظيفة محددة بينما يظل الأدب أكثر رحابة وتعقيداً من أن يختزل في رسالة واحدة.
لقد ساد وما يزال اعتقادٌ مفاده أن الأدب يؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في حفظ التاريخ الإنساني في مقابل التاريخ الرسمي الذي تكتبه الدول والمؤسسات. ولا شك أن الرواية والقصة والشعر تحفظ ما تعجز الوثائق الرسمية عن تدوينه، فهي توثق مشاعر الناس، وأحلامهم، وخيباتهم، وتحولات حياتهم اليومية، وتمنح التاريخ وجهاً إنسانياً.
ولعل خير مثال على ذلك الأدب الروسي ، فكثير من القراء وجدوا في روايات ليو تولستوي ودوستويفسكي فهماً للمجتمع الروسي يفوق ما تقدمه بعض الدراسات التاريخية أو الاجتماعية، لأن الأدب يكشف البنية النفسية والوجدانية للمجتمع، لا وقائعه الخارجية فحسب. غير أن هذا لا يعني أن حفظ الذاكرة هو الوظيفة الوحيدة للأدب.
فالروائي الحقيقي لا يكتب بياناً سياسياً ولا خطاباً أيديولوجياً، بل يبتكر عالماً فنياً مستقلاً، يعبر فيه عن رؤيته بصورة غير مباشرة، ويترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل والمشاركة في إنتاج المعنى. وهنا يكمن الفارق بين الأديب والمثقف، فالمثقف يواجه القضايا مباشرة، بينما يجسدها الأديب عبر الشخصيات والأحداث والرموز والصور الفنية.
ويقدم تاريخ الأدب العراقي مثالاً واضحاً على هذا التداخل بين الفن والرسالة. فمنذ بدايات الدولة العراقية الحديثة، حمل الأدباء هموم المجتمع، ودعوا إلى مقاومة الفقر والجهل والاستبداد، والدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة. وكانت تلك القضايا مشروعة وملحة، إلا أن بعض الأعمال الأدبية انشغلت بالرسالة أكثر من انشغالها بالفن، فغلب عليها الطابع المباشر والوعظي الأمر الذي أثر في قيمتها الجمالية.
إن الأدب، حين يتحول إلى وسيلة لنقل الأفكار أو الشعارات، يفقد جانباً من سحره وقدرته على الإبداع، فالفن لا يعيش بالخطابات، وإنما بما يخلقه من جمال وأسئلة ودهشة، وبقدرته على إثارة التأمل وإعادة النظر في المسلمات.
وإذا انتقلنا إلى المشهد الثقافي الراهن، نجد أن ذائقة الأجيال الجديدة قد تغيرت كثيراً. فالشباب يقرأون كافكا، وألبير كامو، ونيتشه، وغيرهم من المفكرين والكتّاب الذين لا يقدمون حلولاً جاهزة، ولا يرفعون شعارات إصلاحية مباشرة، بل يطرحون أسئلة الوجود، والحرية، والقلق، والعبث، والعزلة. ولعل هذا ما يجعل نصوصهم أكثر قرباً من الإنسان المعاصر، الذي يعيش في عالم تتعدد فيه الأزمات وتتراجع فيه اليقينيات.
وقد انعكس هذا التحول أيضاً على الرواية العربية الحديثة، التي أصبحت أكثر اهتماماً بالفرد وأسئلته الداخلية، وأقل انشغالاً بالشعارات الكبرى والخطابات الأيديولوجية.
إن جيلاً كاملاً اليوم يعيش حالة من فقدان الثقة بالأيديولوجيات والأحزاب، بعد أن اختبر نتائجها على أرض الواقع. ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: أي ذاكرة ينبغي للأديب أن يحرسها؟ أهي ذاكرة السلطة؟ أم ذاكرة الجماعة؟ أم ذاكرة الإنسان الفرد؟
أميل إلى القول إن مهمة الأديب ليست حراسة الذاكرة بقدر ما هي مساءلتها. فالذاكرة ليست بريئة دائماً، فقد تكون انتقائية، أو منحازة، أو مثقلة بالأوهام. والأديب الحقيقي لا يكتفي بتسجيل الماضي، بل يعيد قراءته، ويكشف ما أُهمل فيه، ويمنح المهمشين صوتاً، ويضيء المناطق التي تجاهلها التاريخ الرسمي.
لهذا فإن الأدب لا يخلد لأنه يحفظ الذاكرة وحدها، بل لأنه يعيد تشكيلها فنياً، ويمنحها دلالات جديدة تتجاوز حدود الزمن، لتصبح جزءاً من التجربة الإنسانية المشتركة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحتاج الأدب إلى أن يكون حارساً للذاكرة، أم أن مهمته الأسمى هي الدفاع عن الإنسان، وعن حريته في التذكر والنسيان، وفي إعادة اكتشاف العالم بعين جديدة؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح الأدب في المستقبل، وتحدد دوره في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتآكل فيه الذاكرة الإنسانية يوماً بعد آخر.
الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل
الورقة التي قدمت في جلسة الورشة الثقافية بالمركز الثقافي البغدادي بعنوان ( الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل)
هل الأديب حارس للذاكرة؟
يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى بسيطاً ومباشراً، لكنه في جوهره سؤال إشكالي لا يحتمل إجابة واحدة أو حكماً قاطعاً. فحين نصف الأديب بأنه “حارس للذاكرة”، فإننا نمنح الأدب وظيفة محددة بينما يظل الأدب أكثر رحابة وتعقيداً من أن يختزل في رسالة واحدة.
لقد ساد وما يزال اعتقادٌ مفاده أن الأدب يؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في حفظ التاريخ الإنساني في مقابل التاريخ الرسمي الذي تكتبه الدول والمؤسسات. ولا شك أن الرواية والقصة والشعر تحفظ ما تعجز الوثائق الرسمية عن تدوينه، فهي توثق مشاعر الناس، وأحلامهم، وخيباتهم، وتحولات حياتهم اليومية، وتمنح التاريخ وجهاً إنسانياً.
ولعل خير مثال على ذلك الأدب الروسي ، فكثير من القراء وجدوا في روايات ليو تولستوي ودوستويفسكي فهماً للمجتمع الروسي يفوق ما تقدمه بعض الدراسات التاريخية أو الاجتماعية، لأن الأدب يكشف البنية النفسية والوجدانية للمجتمع، لا وقائعه الخارجية فحسب. غير أن هذا لا يعني أن حفظ الذاكرة هو الوظيفة الوحيدة للأدب.
فالروائي الحقيقي لا يكتب بياناً سياسياً ولا خطاباً أيديولوجياً، بل يبتكر عالماً فنياً مستقلاً، يعبر فيه عن رؤيته بصورة غير مباشرة، ويترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل والمشاركة في إنتاج المعنى. وهنا يكمن الفارق بين الأديب والمثقف، فالمثقف يواجه القضايا مباشرة، بينما يجسدها الأديب عبر الشخصيات والأحداث والرموز والصور الفنية.
ويقدم تاريخ الأدب العراقي مثالاً واضحاً على هذا التداخل بين الفن والرسالة. فمنذ بدايات الدولة العراقية الحديثة، حمل الأدباء هموم المجتمع، ودعوا إلى مقاومة الفقر والجهل والاستبداد، والدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة. وكانت تلك القضايا مشروعة وملحة، إلا أن بعض الأعمال الأدبية انشغلت بالرسالة أكثر من انشغالها بالفن، فغلب عليها الطابع المباشر والوعظي الأمر الذي أثر في قيمتها الجمالية.
إن الأدب، حين يتحول إلى وسيلة لنقل الأفكار أو الشعارات، يفقد جانباً من سحره وقدرته على الإبداع، فالفن لا يعيش بالخطابات، وإنما بما يخلقه من جمال وأسئلة ودهشة، وبقدرته على إثارة التأمل وإعادة النظر في المسلمات.
وإذا انتقلنا إلى المشهد الثقافي الراهن، نجد أن ذائقة الأجيال الجديدة قد تغيرت كثيراً. فالشباب يقرأون كافكا، وألبير كامو، ونيتشه، وغيرهم من المفكرين والكتّاب الذين لا يقدمون حلولاً جاهزة، ولا يرفعون شعارات إصلاحية مباشرة، بل يطرحون أسئلة الوجود، والحرية، والقلق، والعبث، والعزلة. ولعل هذا ما يجعل نصوصهم أكثر قرباً من الإنسان المعاصر، الذي يعيش في عالم تتعدد فيه الأزمات وتتراجع فيه اليقينيات.
وقد انعكس هذا التحول أيضاً على الرواية العربية الحديثة، التي أصبحت أكثر اهتماماً بالفرد وأسئلته الداخلية، وأقل انشغالاً بالشعارات الكبرى والخطابات الأيديولوجية.
إن جيلاً كاملاً اليوم يعيش حالة من فقدان الثقة بالأيديولوجيات والأحزاب، بعد أن اختبر نتائجها على أرض الواقع. ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: أي ذاكرة ينبغي للأديب أن يحرسها؟ أهي ذاكرة السلطة؟ أم ذاكرة الجماعة؟ أم ذاكرة الإنسان الفرد؟
أميل إلى القول إن مهمة الأديب ليست حراسة الذاكرة بقدر ما هي مساءلتها. فالذاكرة ليست بريئة دائماً، فقد تكون انتقائية، أو منحازة، أو مثقلة بالأوهام. والأديب الحقيقي لا يكتفي بتسجيل الماضي، بل يعيد قراءته، ويكشف ما أُهمل فيه، ويمنح المهمشين صوتاً، ويضيء المناطق التي تجاهلها التاريخ الرسمي.
لهذا فإن الأدب لا يخلد لأنه يحفظ الذاكرة وحدها، بل لأنه يعيد تشكيلها فنياً، ويمنحها دلالات جديدة تتجاوز حدود الزمن، لتصبح جزءاً من التجربة الإنسانية المشتركة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحتاج الأدب إلى أن يكون حارساً للذاكرة، أم أن مهمته الأسمى هي الدفاع عن الإنسان، وعن حريته في التذكر والنسيان، وفي إعادة اكتشاف العالم بعين جديدة؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح الأدب في المستقبل، وتحدد دوره في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتآكل فيه الذاكرة الإنسانية يوماً بعد آخر.
التعليقات