تشير أطروحة بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابيه (الرمز والسلطة) و(ما معنى أن نتكلم؟) إلى أنّ قوّة الخطاب لا تُستَمدّ من بنيته اللغويّة وحدَها (الكلام عمل)، وإنّما تستند إلى الموقع الذي يشغله الخطيب في المجتمع، وما يملكه من شرعيّة ورأس مال رمزيّ يتيحان لقوله أن يُسمَعَ ويُصدَّقَ ويُنفَّذَ؛ إذ يتقاطع الفعل التواصليّ مع علاقات القوّة وموازين المكانة والتفويض الاجتماعيّ، فيصبح الخطاب قوّة رمزيّة قادرة على فرض المعنى أو إعادة إنتاج الهيمنة بحسب الموقع الذي يشغله الخطيب.
غير أنّ هذه القدرة نفسها قد تنحرف عن وظيفتها التواصليّة، فلا تكون غايتها إظهار المعنى بقدر ما تصبح وسيلة للوصول إلى الغاية عبر الالتفاف عليها، وهنا تتشكّل ملامح ما يمكن تسميته بـ (بلاغة المكر)؛ ولفهم هذا المركّب، ينبغي أن تكون الدلالة المعجميّة مدخلا كاشفا؛ فالبلاغة تدور في أصلها حول بلوغ الغاية والوصول بالقول إلى ما يحقّق المقصود (تاج اللغة وصحاح العربية، 1987)، في حين يحيل المكر إلى الخداع والاحتيال وتدبير الأمر على وجه خفيّ (مقاييس اللغة، 1989). ومن ثَمَّ فإنّ تركيب اللفظين يشير إلى نوع من البلاغة التي تستثمر جودة التعبير في إخفاء المقصد، وتوظّف الحيلة اللغويّة لتأجيل الحقيقة أو تحويرها أو الإفلات من تبعاتها، فتظلّ العبارة محكمة، ويبقى الأسلوب مقنعا، غير أنّ الوظيفة العميقة للكلام تنزاح من الإبانة إلى المناورة، ومن هذه الزاوية يمكن أن تقترب بلاغة المكر ممّا نطلق عليه (خطاب التلوّن)؛ وهو خطاب مراوغ تتعدّد فيه الوجوه التعبيريّة بتعدّد الجهات التي تستقبله، بحيث يمكن للمتكلّم أن يعيد ترتيب موقفه بحسب مقتضيات المصلحة وموازين القوّة.
ولم يكن التكيّف مذموما في ذاته؛ فاختلاف المقامات يقتضي اختلاف الأساليب، ولكن تكمن المشكلة حين يتحوّل التكيّف من مرونة مشروعة في الأداء إلى تبديل في الموقف، ومن مراعاة للمقام إلى ارتهان لأهواء المتلقّي، وعندئذ يرتدي الخطاب أقنعة متعدّدة، ويصبح الخطيب قادرا على أن يقول لكلّ جهة ما يرضيها، من غير أن يلتزم بموقف يمكن مساءلته عنه.
وتتجلى إحدى أخطر آليّات هذا التلوّن في الإضمار؛ إذ لا يصرّح الخطيب بموقفه بصورة تسمح بإدانته أو محاسبته، وإنّما يتركه معلَّقا في منطقة رماديّة مضلّلة بين التصريح والتلميح. وقد أشارت (أوريكيوني Orecchioni) إلى أهمّيّة المضمر في تحليل ما لا يقوله الخطاب صراحة، وما يتركه للمتلقّي كي يستنتجه من القرائن والسياقات (المضمر، 2008)، غير أنّ المضمر حين يوظف توظيفا مراوغا يكوّن استراتيجيّة دفاعيّة تحمي الخطيب من تبعاته؛ إذ يتيح له أن يلمّح دون أن يصرّح، وأن يوحي دون أن يلتزم، وأن يفتح أكثر من تأويل دون أن يتحمّل مسؤوليّة أيّ منها. وهنا تكمن المفارقة الأشد إثارة في خطاب التلوّن، فكلّما ازداد غموض العبارة، اتسعت مساحة نجاة الخطيب، فالمتلقّي يجد نفسه أمام خطاب متعدّد المسالك، بينما يحتفظ الخطيب بإمكانيّة الرجوع عن المعنى أو إعادة توجيهه متى تبدّلت ظروف المشهد، وإذا اعترض عليه قيل: لم أقصد هذا، وإذا أُعجب به المتلقّي أمكنه أن ينسب إلى كلامه ما لم يصرّح به، وهكذا يتحوّل الغموض من خاصيّة أسلوبيّة إلى نوع من الحصانة الخطابية؛ إذ يصبح الخطيب حاضرا في المعنى حين يخدمه، وغائبا عنه حين تترتّب عليه مسؤوليّة.
وتتّخذ هذه الظاهرة في المجال الرقميّ صورة أكثر وضوحا؛ إذ أتاح تعدّد المنصات فرصة غير مسبوقة لتبديل الخطاب بسرعة تتناسب مع سرعة تبدّل الجمهور، وقد ينقسم (اللسان) هنا إلى خطابين أو أكثر إزاء الواقعة نفسها، تبعا لهوية الجالس في جهة التلقّي، وقد رسم القرآن الكريم صورة مكثفة لهذا الانقسام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، فالمشكلة تظهر في ازدواج المرجعية التي تجعل القول تابعا للجهة التي يُوجَّه إليها.
ويمكن أن يظهر هذا التلوّن في ممارسات التزلّف والمداهنة في مواقع التواصل الاجتماعيّ؛ حين يتبدّل التأييد بتبدّل هويّة صاحب المنشور، أو تتناقض التعليقات والمواقف إزاء الأفكار المتعارضة، استجابة لاتجاه القوّة أو المزاج العام، ويستعيد هذا السلوك، من منظور قرآني، معنى المداهنة التي حذّر منها قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، كما قد يتّصل بالرغبة في تحصيل الثناء ولو انفصل عن الاستحقاق، في قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: 188].
وفي مثل هذا السياق يفقد الخطاب وظيفته في التعبير عن الموقف، فيظهر أشبه بعملة اجتماعيّة يتداولها صاحبها لشراء القبول، وتجنّب الخصومة، وتأمين موقعه بين الجماعات، وتبلغ بلاغة التلوّن درجة أشدّ خطورة حين تنتقل من المجال الفرديّ إلى المجال المؤسسيّ؛ إذ تدخل المراوغة في صناعة الخطاب نفسه، وهنا يمكن للمفردات اللامعة، من قبيل النهضة والتطوير والتنمية والإصلاح، أن تكون غطاء لغويّا واسعا يسمح بإخفاء التباين بين القول والممارسة، وعندئذ يصبح الخطيب قادرا على إعادة تعريف المفهوم نفسه بما يلائم الجهة التي يخاطبها، فيتقدّم الخطاب في صورة إصلاحيّة، بينما قد تؤدّي وظيفته الفعليّة إلى حماية المواقع أو تبرير الممارسات أو تحصيل المكاسب، ويستحضر هذا النموذج ما يصوّره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]؛ فالمفارقة القرآنية هنا قائمة بين إعجاب القول وحقيقة الموقف، بين الصورة التي يصنعها اللسان والباطن الذي قد يناقضها.
إنّ نقد خطاب التلوّن لا يعني أنّ ثبات الموقف يستلزم ثبات العبارة في جميع السياقات؛ فاختلاف الأساليب باختلاف المقامات من صميم البلاغة، وإنّما المقصود هو التمييز بين مرونة الأسلوب وثبات المبدأ، وبين تكييف الخطاب وتغيير الحقيقة؛ فالمشكلة تبدأ حين يصبح الخطيب أسيرا للجمهور الذي أمامه، فيتغيّر موقفه بتغيّر الوجوه، وتصبح اللغة مرآة تعكس رغبات الآخرين بدلا من أن تكون أداة للتعبير عن قناعة مستقرّة.
إنّ الهدف من تعريَة سلوك التلوّن ورفض استراتيجيّات التلميح (الماكرة) هو إقرار مبدأ القول السديد في كلّ زمان ومكان وفي مختلف الظروف، فلا يُفهَمُ من هذا النقد بأنّه نداء لممارسة الجفاء أو افتعال الخصومات مع الآخرين، وإنّما هو دعوة للثبات على النهج القرآنيّ المبين، ورعاية القول وإحقاق الحقّ بشجاعة ونزاهة، متجاوزين المداهنة ومخاطبة الهوى للوصول إلى خطاب أصيل ينطلق من الصدق ويتسامى عن المواربة والمراوغة والتقلّب.
ماجد القيسي
شروق يحيى العمري
یوسف عبود جویعد
التعليقات