أنا حسن، ولدتُ في قرية صغيرة على ضفاف الفرات. حيث يبدو النهر كأنه لا يتحرك فعلاً، بل يعيد نفسه كل يوم بشكل مختلف قليلاً، كأنه يتذكر ولا يقرر.
لا أتذكر يوماً محدداً بدأ فيه كل شيء، لكنني أحمل شعوراً ثابتاً منذ طفولتي المبكرة: أن الأشياء ليست مكتملة، وأنها تخفي داخلها طبقة أخرى لا نراها، لكنها تؤثر في كل ما نفعله دون أن ننتبه.
أبي اختفي عندما كنت صغيراً. لا يوجد حدث واضح يمكن تسميته “فقداناً”. في البداية قالوا إنه ذهب للعمل، ثم قالوا إنه لن يعود قريباً، ثم توقفوا عن التفسير أصلاً. ومع الوقت، أصبح غيابه جزءاً من طريقة عمل العالم، كأنه ليس شخصاً اختفى، بل احتمال انطفأ.
أمي حاولت أن تبقيني داخل حياة طبيعية؛ تطبخ، تتحدث، ترتب البيت.. وكأن الاستمرار في التفاصيل اليومية يمنع الفراغ من التوسع. لكن الفراغ لا يوجد خارجياً، بل داخلياً ينمو بهدوء، مثل ظل لا يحتاج إلى مصدر واضح.
طفل هادئ أنا، لا أجد ضرورة للكلام كثيراً. الكلمات تبدو لي أحياناً أكبر من استخدامها اليومي، تنتمي إلى شيء أقدم من المحادثة نفسها. أجلس طويلاً قرب النهر، لا لأتأمله كما يفعل الأطفال عادة، بل لأنني أشعر أن النهر ليس شيئاً واحداً، بل طبقات من حركة متراكبة، يتذكر نفسه أثناء الجريان.
في المدرسة، أقرأ أكثر مما أتكلم. الكتب لا توجد كمعلومات مجردة، بل محاولات ضعيفة لوصف شيء أكبر لا يمكن احتواؤه بالكامل. أشعر أحياناً أن الجمل تشير إلى شيء خلفها لا يظهر مباشرة لكنه يضغط على المعنى من الداخل. ومع الوقت يبدأ ذلك الإحساس يتسع داخلي دون اختيار. أبدأ أرسم على الطين دون أن أفهم لماذا.
أجلس عند أطراف الحقول، حيث يلتقي الماء بالأرض، أرسم خطوطاً مستقيمة متقاطعة. لا أفكر فيها كرسوم، بل كأنها شيء يحدث من خلالي لا بواسطتي. في البداية، لم يهتم أحد. الأطفال مروا بي وضحكوا، ثم بدأوا يسألون. ثم تحول السؤال إلى مسافة، وتحولت المسافة إلى تجنب. أسمعهم أحياناً يقولون: “هذا مختلف.. لا يشبهنا”.
لكنني لا أعرف كيف أرد على شيء كهذا، لأنني لا أرى نفسي من الخارج أصلا. ومع مرور السنوات ألاحظ أنني لست وحدي من يتغير، بل طريقة رؤيتي للعالم نفسها تتغير. لم يعد النهر مجرد ماء، لم تعد الأرض مجرد طين، لم تعد البيوت مجرد أماكن. يوجد شيء تحت كل شيء، شيء لا اسم له، لكنه يجعل كل شيء يبدو كأنه يستعيد شكله القديم دون أن ينجح بالكامل.
ثم تبدأ الكلمات تظهر في ذهني بشكل غير مفسر: كيش، أور، نيبور، أريدو. لا أعرف إن كنت أتعلمها أم أتذكرها، لكنها لا تبدو جديدة علي. تأتي كأنها جزء من لغة أعرفها دون أن أستخدمها من قبل. ومع الوقت، تبدأ الرموز التي أرسمها تتغير. لم تعد مجرد خطوط، بل أشكال أقرب إلى كتابة قديمة، مسمارية الملمح، كأنها ليست من خيالي بل من طبقة أخرى من الذاكرة. في تلك المرحلة، يبدأ الناس يلاحظون أنني لا أعود كما عهدوني. وحين أعود إلى قريتي بعد الجامعة، أصير شاباً يحمل هدوءاً غير مفسر.
أحاول أن أعيش حياة طبيعية: عمل، حديث، فكرة الزواج، حب بسيط لفترة قصيرة.. لكن كل ذلك يبدو وكأنه حياة فوق حياة أخرى، لا تلغيها بل تغطيها فقط.
ثم يظهر البيت القديم في أطراف القرية. لا يقترب منه أحد، جزء من صمت المكان. لكنني أشعر أنه ليس مجرد بناء، بل ذاكرة صلبة لا تتحرك. وفي يوم، يبدأ الدخان يتصاعد منه. لا أركض، لا أصرخ، لست حتى متفاجئاً بالشكل الكامل. أقف فقط، وكأن شيئاً داخلي يعرف أن هذه اللحظة ليست بداية حادث، بل اكتمال شيء تأخر طويلاً.
ثم أدخل. في الداخل، لا يوجد الحريق كالنار فقط، بل كشف تدريجي لطبقات غير مرئية من المكان. الجدران لم تعد جدرانا، بل طبقات زمن، والدخان لا يوجد عائقاً بل غشاء يفتح رؤية أخرى. أمشي دون خوف، ليس لأنني قوي، بل لأنني لست متأكداً أنني داخل نفس العالم الذي اعتدت عليه. في الزاوية، يوجد صندوق خشبي قديم؛ أفتحه.
توجد أوراق، ورسالة بخط أبي:
“أنا لم أختف، بل استعدت اسمي الحقيقي”.
لا أفهم الجملة، لكنها لا تغادرني بعد قراءتها. في تلك اللحظة، أشعر أن شيئاً في داخلي ينقسم بهدوء. ليس إلى شخصين، بل إلى زمنين؛ واحد أعيشه، وآخر ينتظرني منذ زمن لا أعرِفه. يسقط جزء من السقف، ويتطاير الرماد حولي. أمد يدي إليه. لا أراه رمادا، بل شيئاً يشبه الزمن حين يتفكك. أخرج من البيت، ولا أعود كما عهدت نفسي. لكن التغير الحقيقي لا يوجد في داخلي وحدي، بل يظهر في القرية أيضاً.
يبدأ الناس يلاحظون أنني لا أعود إلى حالتي السابقة. في البداية يوجد صمت، ثم همس، ثم أحكام. بعضهم يقول إن نساءً حاقدات سحرنني منذ الطفولة. بعضهم يقول إنني ركلت قطة سوداء في ليلة جمعة، وأن تلك اللحظة فتحت بابا لا يغلق. بعضهم يقول إنني أصبت بمس. لكن آخرين يبدؤون يقولون شيئاً مختلفاً: أنني لا أفقد عقلي، بل أستعيد شيئاً أقدم من العقل نفسه.
وتتسرب بينهم فكرة لا تقال بصوت عال، لكنها حاضرة في نظراتهم: ماذا لو وجد ما نسميه “جنوناً” وهو في الحقيقة إدراك حقيقة أقدم وأعمق من واقعنا الضيق؟
ثم يأتي اليوم الذي يتغير فيه كل شيء في العلن. أقف عند أطراف الأرض، أرسم على الطين كما أفعل دائماً، حين يتجمع الأطفال حولي لا يلعبون هذه اللحظة، بل يوجد في وجوههم شيء غير مألوف. ليس غضباً صريحاً فقط، بل شيء يشبه الخوف حين يتحول إلى عدوان.
أول حجر يسقط قرب قدمي، ثم آخر.. ثم يبدأون يرجمونني.
“أنت غريب!”.. “أنت لست منا!”.. “اخرج من هنا!”
لا أتحرك، لا تمثل الحركة شجاعة هنا، بل عجزاً مختلفاً، كأنني لا أفهم من أين يجب أن أهرب أصلاً. الحجارة تمر حولي، تصيب الأرض، تصيب الهواء، كأنها تحاول طرد شيء لا يرونه لكنهم يشعرون به. وفي تلك اللحظة، لا أرى نفسي كضحية ولا كعدو. أشعر أن هذا المشهد ليس جديداً بالكامل، كأنه يتكرر بطريقة ما في زمن أوسع من هذا الحدث نفسه. لا يتوقف الأطفال بسرعة، ولا أنا أتوقف.. ثم يتوقف كل شيء تدريجيا.
بعدها أقول لأمي عندما تسألني: “أنا ما تبقى حين لا يبقى الاسم كافياً”.
بعد ذلك، يبدأ الناس يضيفون تفسيراً جديداً لكل ما يحدث. لم يعد الأمر سحراً فقط، ولا جنوناً فقط، ولا قطة سوداء.. تبدأ تظهر كلمة أخرى تقال بحذر: “سومري…”
لا يقولون إنني ملك، بل يقولون إن شيئاً سومرياً قديما بدأ يظهر فيّ. كأن الذاكرة لم تمت بالكامل، بل اختارت جسداً جديداً لتكمل فيه ما لم يكمل. وأنا.. لا أستطع أن أنكر ولا أن أؤكد، لأن ما يحدث لي ليس فكرة، بل حالة وجود.
في النهاية، لا أعود أعرف إن كنت أنا من يتذكر، أم أن شيئاً أقدم مني هو الذي بدأ يتذكر العالم من خلالي. ببطء شديد، كأن الزمن نفسه قرر أن يعيد كتابة نفسه عبر جسدي. لا يوجد ما حدث بعد الحريق محتاجاً وقتاً طويلاً حتى يكبر. كأن القرية كانت تنتظر سبباً واحدًا فقط لتقول ما كانت تخفيه منذ البداية.
في البداية، يقولون إنني تغيرت، ثم يقولون إنني غير طبيعي. ثم لا يعودون يختارون الكلمات أصلاً، بل صاروا يشيرون إلي كأنني خطر لا يحتاج إلى تفسير. تبدأ الرموز التي أرسمها على الطين تظهر في أماكن لم ألمسها. على حواف النهر، وعلى جدران مهجورة، وفي أماكن لا يمكن أن أكون مررت بها. ومع الوقت، صار الناس يرون ذلك كدليل لا كصدفة.
ثم يأتي يوم الحسم؛ يجتمع أهل القرية كلهم. لا يوجد اجتماع رسمي، لكنه يبدو واضحاً في نبرتهم: هذه النهاية. يقولون إن الأرض تتغير بسببي، ويقولون إن الأطفال لم يعودوا كما كانوا. ويقولون إن النوم في القرية صار مليئاً بالأحلام الغريبة. ثم يقولون ما ينتظر أن يُقال منذ البداية: “يجب أن يغادر حسن”.
لا أجادل، لا أشرح، لأنني أعرف أن الشرح لم يعد له مكان بيننا. لكن ما لا أتوقعه، هو أن أمي هناك. تقف بين الناس، لكنها لا توجد في صفي. تنظر إلي طويلاً، ثم تقول بصوت منخفض: “ليس ابني.. لم يعد ابني”. لا تبكي، لا تصرخ، فقط تقولها كحكم نهائي.
في تلك اللحظة، أشعر أن الاسم نفسه يبدأ يفقد معناه. لم يعد “حسن” شيئاً ثابتاً، يتراجع بهدوء كأن شيئًا أقدم منه يحاول أن يظهر من تحته. أخرج من القرية دون أن يمنعني أحد، ودون أن يودعني أحد. الطريق إلى الخارج أطول مما أتذكره دائما، كأن الأرض نفسها تتردد في إنهاء علاقتها بي.
وعند حافة الفرات أتوقف وأنظر إلى الماء. ولأول مرة، لا أرى انعكاسي، بل أرى شيئاً آخر غير واضح، ليس وجهاً، بل أثرًا لشكل لم يكتمل بعد. وفي داخلي، لا يوجد صوت واضح، بل إحساس قديم جداً يقول دون كلمات: أنني لم أبدأ هنا أصلا.. وأن اسمي الذي عرفوه ليس إلا طبقة واحدة فقط.. طبقة تبدأ تنفصل الآن.
أما القرية، فتبقى خلفي، وأما أنا.. فلا أعد أعرف إن كنت مغادراً، أم أن شيئاً أقدم مني هو الذي أخيراً عاد إلى مكانه الأول.
عند الضفة التي يختلط فيها الطمي بالسراب، لا أكون وحدي تماماً. لا يوجد صوت مادي، لكن الكلمات تشكلت في تجاويف روحي:
“تأخرت كثيراً يا حسن”.
أتوقف، والأنفاس تضيق في صدري. لا أعرف إن كانت الفكرة خطرت لي.. أم مرت بي.. أو أن شيئاً تحت الأرض تذكرني قبلي.
تتحرك الكلمات.. لا أدري إن كنتُ قائلها أم ممرها: “لم أكن أعرف الطريق”.
جاء الرد بارداً كجريان النهر في الشتاء: “لم يوجد طريقاً يوماً… بل وجد تذكراً. أنت لا تصل إلي، أنت تستيقظ فيّ”.
أحني رأسي على الماء، فلا أرى وجه “حسن” الذي ألفته في المرايا. السطح صافٍ أكثر مما ينبغي، لكنه لا يُرجع لي إلا ملامح واحدة، ثم يتردد. أرى ملامح أخرى؛ جبلاً من الصبر، وعينين وسعتا أفق كيش القديمة. يوجد شيء أقدم، كأنه لا يحتاج أن يظهر كاملاً ليفهم.
أسأل برعب خفي: “من أنت؟”
لا يوجد صوت.. بل انطباع يجد طريقه إلي:
“أنا الذي صعدتُ على أجنحة النسر أبحث عن سر البقاء، فوجدت أن السماء لا تعطي ثمارها لمن يخشى السقوط. كنتُ أحكم كيش حين وجد الزمن طفلاً، وظننتُ أنني أقود البشر، حتى فهمتُ أنني لستُ سوى خادم للجرح الذي يسكن أرحام الأمهات. لا تبحث عني في القبور، فأنا لست ميتاً لتحييني، أنا الاستمرارية التي تجري في دمك كلما أوجعك الحنين إلى ما لا تذكره”.
يمر اسم “إيتانا” في عروقي.. أو لعل العروق هي التي تنطق به.
“وهل يهم الاسم؟”
يمر شيء بالسخرية: “الأسماء تسقط كأوراق الخريف… عندما يعود الأصل إلى منبعه. أنت تبحث عن عشب الولادة في الكتب، بينما هو ينمو في جرحك”.
أشعر بثقل غريب في صدري، ليس خوفاً من الموت، بل مسؤولية تجاه حياة لم أخترها.
أقول بضعف أخير: “لكني… أنا لست ملكاً”.
هذه المرة، يوجد الرد أقرب: “ما يُوضع على الرأس يزول… أما ما ينهض من الداخل، فلا يحتاج إلى اعتراف”.
أسكتُ… أو ربما يسكت عني ما يجده يتكلم بي.
يعود النهر نهراً، ويختفي الأثر دون أن يغادرني. أحني رأسي قليلاً، ومع ذوبان صورتي في الماء، أفهم سر أبي: لم يغب… بل تحول. كان هو النهر… وأنا ما ينساب فيه.
لا يفتقدني أحد في القرية بعد ذلك، لأنني لم أرحل حقاً… لقد أصبحت أنا الجريان، وهم الضفاف التي تراقب امتدادي الأبدي.
وعندما أحاول أن أقول “أنا”… أتوقف. ليس لأن الكلمة اختفت، بل لأنها لم تعد تشير إلى شيء واحد.
مؤيد الشاوي
سلوان إحسان
أحمد الحاج
التعليقات