بورتيريه

صورة الكاتب
بقلم: أحمد الحاج
التاريخ: 25 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 1768
بورتيريه

لمح صورتها من بعيد، نظرات فاتنة وقوام ممشوق وشعر منسدل على كتفيها والكحل الأسود يداعب جفنيها بغواية، اقترب منها والتقط لها صورة في مخيلته، لم يشأ أن يكلمها خشية تبعثر الصورة، عاد مسرعاً إلى مرسمه ليمسك ريشته وألوانه بعد أَن ثبت لوحته على قاعدتها، فقد شاء أن يرسمها زيتاً على قماش، كان مرسمه يعج بالبورتريهات، في اليمين كان يقف المهاتما غاندي وجيفارا ونلسون مانديلا وزرياب، وعلى اليسار كانت تقف بلقيس وعليسة وزها حديد وتوكل كرمان.
بدأ في التحضير للرسم ومزج الألوان بكل همة ونشاط، استدعى الصورة التي التقطها لها قبل قليل لتجد نفسها وقد اعتلت لوحته بعد برهة من الزمن ليست بالقليلة، تمعن جمالها ورونقها مرة ثانية، إِنها هي حتى بساعتها الصغيرة التي تزين بها معصم يدها اليسرى، ولكنها فاضية اليدين، عاد أدراجه لمكان تواجدها، استدعى ذاكرته وخياله، لم تسعفه جميعها بشكل حقيبتها، إذن عليه العودة لمصادر الإلهام واعتلاء منصة التخيل التي يمتلكها عن فطرة واحترافية، فراح يرسم حقيبة يد من بنات أفكاره، فكر قليلا وهو يتمعن بها مرة أخرى فلاحظ أنها بحاجة إلى دمعة تنسرب من عينيها لتعكس مسحة من الحزن كانت تتلفعها وتنعكس على قسمات خديها المكتنزين، جلس على الكرسي ليستريح قليلاً من عناء العمل الشاق، أمعن النظر بالحقيبة فراوده فضول لمعرفة ما بداخلها، تقدم بإتجاه اللوحة واستل الحقيبة من يدها اليمنى وراح يفتش فيها، وجد فيها مجموعة كبيرة من الرسائل والصور معظمها لرجال، تجار وعبيد وسماسرة، تساءل في نفسه وهو في هول الصدمة: “هل من المعقول أن تكون على هذه الشاكلة؟”، رجع إلى الوراء كي يتأمل مطابقة الصورة مع الأصل، “نعم إنها هي بلا شك”، سألها وهو يدقق في نظراتها وحركة أجفانها:
– “لمن كل هذه الرسائل والصور؟”
استدارت إِليه بحركة ممشوقة وأطلقت ضحكة عالية أصابته بالرعب، ولما استفاق من هول الصدمة وجدها تترجل من اللوحة مغادرة مرسمه على عجل وهي تنظر في ساعة يدها اليسرى وكأنها على موعد مسبق، تابع السير خلفها محاولاً اللحاق بها وهو لا يكاد يصدق ما رأت عيناه، حتى وصلت لباحة منتصف المدينة حيث التقى بها أول مرة، انحرفت يساراً ودخلت في زقاق ضيق، تبعها حتى دخلت في دار قديمة بابها موارب تشع منه روائح الدخان ووهج الأنوار الحمراء، وقف أمام الباب متردداً، استجمع قواه ودخل بتردد وقلبه متسارع الخفقان، كانت الموسيقى صاخبة والأنوار ساطعة، أما هي فقد كانت تتلوى بين يدي مجموعة من الرجال والتجار يحيطون بها والعبيد يتنقلون بين يديها والسماسرة يحرسونها.
حانت منها التفاتة إلى الوراء فرمقته بنظرة اشفاق، عندما هدأ الصخب وتحولت الموسيقى إلى معزوفة هادئة، تقدمت باتجاهه وأخذت بيده وراحا في رقصة السلو ويدها اليسرى تتكئ على كتفه، أما هو فقد طوق خصرها بيده اليمنى، بينما كانت يده الأخرى تشتبك بأصابع يدها اليمنى، سألته:
– ما الذي تريده؟
– أريد أن أعرف من أنت؟
– أنت من تخيلني؟
– لم تكوني كذلك في الحقيقة.
– ولكني ترجلت من لوحتك.
– ستعودين برفقتي؟
– كلا.
– ولكني أريدك.
– وكيف تريدني؟
– أريد أن أسمو بك في الأعالي.
– نعم، تريدني لوحة تضاف لرصيد إبداعك اللوني.
عندما استيقظ في الصباح نهض مهرولاً إلى مرسمه، جلس قبالة آخر بورتريه رسمه، لاحظ أن دمعتها قد اختفت تماماً وهناك نظرة لعوبة تتمرغ في عينيها، كما أنها قد أحنت برأسها للوراء قليلاً بحركة راقصة وشعرها قد لامس أرضية اللوحة، “كلا، كلا”، تناول ريشته وراح يطلي القماش باللون الأبيض ليحولها إلى بياض ناصع، تناول فطوره وغير ملابسه وخرج إلى باحات المدينة وأسواقها يبحث عن بورتيريه جديد.

عن الکاتب / الکاتبة

أحمد الحاج
أحمد الحاج
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أيا امرأة كانت… وتكون

أيا امرأة كانت… وتكون

أخرجي بأي شكل وبكل هيئة وعلى أية فطرة ثوري على أيامك كوني لي وحدي وتربعي…

صورة الكاتب أحمد الحاج
15 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


بورتيريه

بقلم: أحمد الحاج | التاريخ: 25 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

لمح صورتها من بعيد، نظرات فاتنة وقوام ممشوق وشعر منسدل على كتفيها والكحل الأسود يداعب جفنيها بغواية، اقترب منها والتقط لها صورة في مخيلته، لم يشأ أن يكلمها خشية تبعثر الصورة، عاد مسرعاً إلى مرسمه ليمسك ريشته وألوانه بعد أَن ثبت لوحته على قاعدتها، فقد شاء أن يرسمها زيتاً على قماش، كان مرسمه يعج بالبورتريهات، في اليمين كان يقف المهاتما غاندي وجيفارا ونلسون مانديلا وزرياب، وعلى اليسار كانت تقف بلقيس وعليسة وزها حديد وتوكل كرمان.
بدأ في التحضير للرسم ومزج الألوان بكل همة ونشاط، استدعى الصورة التي التقطها لها قبل قليل لتجد نفسها وقد اعتلت لوحته بعد برهة من الزمن ليست بالقليلة، تمعن جمالها ورونقها مرة ثانية، إِنها هي حتى بساعتها الصغيرة التي تزين بها معصم يدها اليسرى، ولكنها فاضية اليدين، عاد أدراجه لمكان تواجدها، استدعى ذاكرته وخياله، لم تسعفه جميعها بشكل حقيبتها، إذن عليه العودة لمصادر الإلهام واعتلاء منصة التخيل التي يمتلكها عن فطرة واحترافية، فراح يرسم حقيبة يد من بنات أفكاره، فكر قليلا وهو يتمعن بها مرة أخرى فلاحظ أنها بحاجة إلى دمعة تنسرب من عينيها لتعكس مسحة من الحزن كانت تتلفعها وتنعكس على قسمات خديها المكتنزين، جلس على الكرسي ليستريح قليلاً من عناء العمل الشاق، أمعن النظر بالحقيبة فراوده فضول لمعرفة ما بداخلها، تقدم بإتجاه اللوحة واستل الحقيبة من يدها اليمنى وراح يفتش فيها، وجد فيها مجموعة كبيرة من الرسائل والصور معظمها لرجال، تجار وعبيد وسماسرة، تساءل في نفسه وهو في هول الصدمة: “هل من المعقول أن تكون على هذه الشاكلة؟”، رجع إلى الوراء كي يتأمل مطابقة الصورة مع الأصل، “نعم إنها هي بلا شك”، سألها وهو يدقق في نظراتها وحركة أجفانها:
– “لمن كل هذه الرسائل والصور؟”
استدارت إِليه بحركة ممشوقة وأطلقت ضحكة عالية أصابته بالرعب، ولما استفاق من هول الصدمة وجدها تترجل من اللوحة مغادرة مرسمه على عجل وهي تنظر في ساعة يدها اليسرى وكأنها على موعد مسبق، تابع السير خلفها محاولاً اللحاق بها وهو لا يكاد يصدق ما رأت عيناه، حتى وصلت لباحة منتصف المدينة حيث التقى بها أول مرة، انحرفت يساراً ودخلت في زقاق ضيق، تبعها حتى دخلت في دار قديمة بابها موارب تشع منه روائح الدخان ووهج الأنوار الحمراء، وقف أمام الباب متردداً، استجمع قواه ودخل بتردد وقلبه متسارع الخفقان، كانت الموسيقى صاخبة والأنوار ساطعة، أما هي فقد كانت تتلوى بين يدي مجموعة من الرجال والتجار يحيطون بها والعبيد يتنقلون بين يديها والسماسرة يحرسونها.
حانت منها التفاتة إلى الوراء فرمقته بنظرة اشفاق، عندما هدأ الصخب وتحولت الموسيقى إلى معزوفة هادئة، تقدمت باتجاهه وأخذت بيده وراحا في رقصة السلو ويدها اليسرى تتكئ على كتفه، أما هو فقد طوق خصرها بيده اليمنى، بينما كانت يده الأخرى تشتبك بأصابع يدها اليمنى، سألته:
– ما الذي تريده؟
– أريد أن أعرف من أنت؟
– أنت من تخيلني؟
– لم تكوني كذلك في الحقيقة.
– ولكني ترجلت من لوحتك.
– ستعودين برفقتي؟
– كلا.
– ولكني أريدك.
– وكيف تريدني؟
– أريد أن أسمو بك في الأعالي.
– نعم، تريدني لوحة تضاف لرصيد إبداعك اللوني.
عندما استيقظ في الصباح نهض مهرولاً إلى مرسمه، جلس قبالة آخر بورتريه رسمه، لاحظ أن دمعتها قد اختفت تماماً وهناك نظرة لعوبة تتمرغ في عينيها، كما أنها قد أحنت برأسها للوراء قليلاً بحركة راقصة وشعرها قد لامس أرضية اللوحة، “كلا، كلا”، تناول ريشته وراح يطلي القماش باللون الأبيض ليحولها إلى بياض ناصع، تناول فطوره وغير ملابسه وخرج إلى باحات المدينة وأسواقها يبحث عن بورتيريه جديد.