التجوال في روايات نجيب محفوظ

صورة الكاتب
بقلم: سحر حسب الله عبد
التاريخ: 25 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 1933
التجوال في روايات نجيب محفوظ

يقال إن الله حين أراد أن يخلق مصر منحها النيل لتسقي منه شجيرات الفول والكافور ومنحها نجيب محفوظ ليرسم بها خرائط الخراب المقفي والضحك الباكي.

إن قراءة هذا العجوز القاهري الذي قضى عمره يرتدي نظارة طبية ذات إطار سميك ويضبط ساعته السويسرية على مواعيد وزارة الأوقاف ليست مجرد سفر في أحياء الحسين والجمالية والعباسية بل هي جولة ميدانية في مشرحة الأوهام البشرية ، لم يكن الرجل يكتب روايات لتسلية الموظفين المغصوبين على الخدمة في دواوين الحكومة بل كان يستل مشرط جراح يرتدي طربوشًا ليقطع نسيج الكبرياء الإنساني ويتأمل ببرود فلسفي مرير كيف يتحول الأنبياء والأبطال إلى مجرد شحاذين يسعلون على أرصفة الخان الخليلي.

إن السذاجة النقديّة المعتادة تحب أن تؤطر محفوظ في قفص “رائد الواقعية العربية” وكأن مهمته كانت مجرد تصوير الحارات وتقديم وصفات دقيقة لطريقة إعداد الشاي بالنعناع في قعدة السيد أحمد عبد الجواد لكن الحقيقة التي تصفعك بين السطور هي أن الحارة عند محفوظ ليست جغرافية بل هي كبسولة عبثية مضغوطة تمثل الوجود بأكمله. إنها مسرح أقيم بوقاحة تحت سقف السماء، يتعارك فيه القتلة والشعراء والفتوات والمرضى بينما يتفرج العرش الإلهي الصامت من ورائه خلف غمام السحاب غير أبهٍ بالصرخات التي تصدر من الحكايات المتكررة.

تأملوا معي هذه الملهاة السوداء المسماة بالثلاثية يبدأ الأب السيد أحمد عبد الجواد حياته كسلطان مطلق يتجشأ الفراخ المحشية ويرعب أطفاله بالزمجرة، ويقضي ليلته يغازل الراقصات وينفق الذهب تحت أقدام العوالم لكي يستيقظ في الصباح فيتوضأ ويقف أمام سجادة الصلاة أخشع من القديسين.

أليست هذه نكتة وجودية شديدة المرارة؟ إنسان يتأرجح بين شهوات الطين الموحلة وبين الحنين إلى الفردوس المفقود دون أن يرى أدنى تناقض بين الأمرين! وحين تدور العجلة وتمر السنوات نرى هذا الجبل العتيد يتحول إلى هيكل عظمي أصم ترتعد أطرافه في حجرته المعتمة ويبتسم ببلاهة لولده كمال الذي يقضي شبابه في التسكع بين كتب الفلسفة الغربية ليصل في النهاية إلى النتيجة الخالدة: إن الله والعدل والحب مجرد مجازات اخترعها العقل لمواجهة البرد الوجودي!

إن كمال عبد الجواد هو البطل الفلسفي المحفوظي بامتياز ، ذلك البائس الذي انكسر قلبه لأن محبوبته الأرستقراطية شديدة البياض تزوجت برجل من طبقتها فقضا بقية حياته يرتدي جلبابًا  ويحتسي الخمرة الرخيصة في الحانات المظلمة ويكتب مقالات عن الفلسفة والنشوء والارتقاء في مجلات لا يقرؤها أحد.

إنه الرمز الحي للإنسان الحديث الذي خسر إيمانه الفطري القديم ولم يكسب في المقابل سوى الشك، والصداع النصفي، وشوارب كثيفة تبدو كحطام منزل أثر في زلزال.

ثم تتجلى البشاعة في أبهى صورها حين تنتقل العدسة إلى “بداية ونهاية” هنا يرتفع الستار عن العبث الطبقي والأخلاقي الذي يدفع البشر إلى حتفهم بسخافة متناهية ، عائلة ينفق والدها أرباحه القليلة ويموت، فيترك أربعة أيتام وأماً تسعى لستر العورة. ماذا نفعل في مواجهة الموت والفقر؟

يقف الأخ الكبير حسنين الضابط الفتوة الشاب الذي يحلم بالأناقة والنفوذ ليدفع أخته نفيستة تلك الفتاة المسكينة ذات الوجه البشع والقلب الطيبإلى البغاء الخفي لكي تؤمن له ثمن بدلة الضابط ورتبته الشاهقة! وحين تُكتشف الجريمة لا يجد هذا البطل المزعوم سوى أن يأمر أخته بالانتحار والغرق في النيل كي يحمي شرفه الضائعي، ليلحق بها بعد لحظات بسقوط مجاني في المياه القذرة ذاتها! إنها السخرية الفلسفية القاتلة:

الشرف والكرامة والأخلاق كلها بضائع تباع وتشتري في سوق المأساة، وحين تحين لحظة الحساب يكتشف الكائن أنه لم يكن سوى دمية خشبية يحركها الخوف من نظرة الناس، لا الخوف من الخالق أو العقل.

وماذا نقول عن “البيوت المغلقة” في “ثرثرة فوق النيل”؟ تلك العائمة الرابضة على صدر النيل التي تضم شلة من المثقفين والموظفين والفنانين المحبطين، يهربون من هزائم الواقع والسياسة بلف سجائر الحشيش وغيبوبة الأفيون ، يجلس أنيس زكي ذلك الموظف المائل الحواجب الذي تشبه عيناه شباك جثة ليتأمل التاريخ البشري بوصفه مجرد قشرة موز تتزحلق عليها الأمم. الرواية تحول المثقف الفاهم إلى جيفة حية؛ كائن ينظر إلى العالم بذكاء حاد يجعله يعرف أن كل مشروع تحرري أو أخلاقي هو مجرد كذبة جديدة لتمرير الفساد ، وحين تدهس سيارتهم الطائرة فتاة ليل على الطريق السريع، يرفضون الوقوف لإسعافها أو إبلاغ الشرطة في تجسيد مرعب للخواء الروحي الذي يصل إليه الإنسان حين يستبدل العمل بالفلسفة الفارغة، والضمير بسجائر الماروانا.

إن العظمة المحفوظية تكمن في هذه القسوة الفائقة؛ إنه لا يربت على كتفك ، ولا يعطيك أثواب أمل زهرية بل يضعك أمام المرآة ليقول لك:

إنك بائس وأن ما تسميه “قدرك” هو مجرد تراكم لأخطائك وأخطاء أجدادك ، نرى ذلك بجلاء في “اللص والكلاب” سعيد مهران يخرج من السجن مليئًا بالرغبة في الانتقام العدلي من الخونة الذين سرقوا زوجته وابنته وماله وشرفه، يحمل مسدسه ويركض في الليل كأنه بطل تراجيدي إغريقي لكنه بدلاً من أن يقتل الخائن الأكبر رؤوف علوان يقتل رجلاً بائسًا بريئًا  استأجر الشقة بضعة أيام، ثم يقتل خادمًا مظلومًا في المرة الثانية!

تحول المنقذ إلى سفاح غبي والعدالة الأسطورية المطاردة تحولت إلى كمين للكلاب البوليسية في مقبرة مظلمة، ينتهي العبث ببطلك ممدداً بين القبور، ينظر إلى النجوم البعيدة دون أن يستطيع تفهّم سبب سقوط العالم بهذه الخسة.

أما في “أولاد حارتنا” فتصل المأساة الفلسفية إلى ذروتها القصوى ، حارة تحكمها خرافات القوة والفتوات، تنتظر مخلصين يخرجون من نسل الجد الأكبر “جبلاوي” القابع في بيته الفخم المغلق.

يظهر أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، وعرفة؛ كل منهم يحمل مشروعاً للخلاص بالعدل، أو النور، أو الحب، أو المعرفة والعلم لكن الأثر النهائي بعد رحيل كل نبي أو مصلح هو عودة الفتوات لجلد الناس وإرغامهم على دفع الفتوة!

والسخرية المروعة تتجلى حين يقتل عرفة رمز العلم والتقنية الحديثة ، الجد الأكبر بالخطأ وهو يحاول سرقة أسراره فتتحول الحارة كلها إلى يتماء يبكون على الإله الذي قتلوه باكتشافاتهم، بينما يظل الفتوات يمارسون البطش باسم السحر والجهل، إنها رؤية فلسفية مظلمة تقول بوضوح:

المأساة ليست في غياب الحقيقة بل في أن الإنسان كائن مدمن للعبودية، يعشق سوطه، ويرفض أن يتحرر حتى لو هبطت عليه السماء بالمعجزات!

وفي “ملحمة الحرافيش” تتكرر الدائرة الخالدة ، عاشور الناجي يبدأ بسيادة النبل والتكافل فتتحول ذريته بالتدريج إلى سلالة من الفتوات القساة، والسكيرين، والمجانين. السلالة التي بدأت بالنقاء تنتهي بالتعفن، والقباب التي بُنيت لتخليد الأولياء تتحول إلى أوكار للدعار والخيانة.

الزمن عند نجيب محفوظ ليس خطًا صاعدًا نحو الرقي بل هو ثعبان يبتلع ذيله، حلقة مفرغة نتحرك فيها مثل الفئران في تجربة معملية، نكرر الأخطاء ذاتها بأسماء مختلفة، ونرفع الشعارات نفسها في مظاهرات متلاحقة، ثم نعود لنجلس في المقاهي ونشتكي من ارتفاع أسعار اللحم والغاز.

الحزن في هذه الأعمال ليس بكاءً رومانسيًا شبيهاً بدموع الشغف بل هو جفاف هائل يصيب الروح؛ حزن الإنسان الذي أدرك فجأة أن أعوامه تضيع في طوابير الجمعيات الاستهلاكية وفي انتظار الترقية الوظيفية التي لن تجلب له سوى معاش تقاعدي يغطي تكاليف جنازته.

إن أبطال محفوظ يمارسون الحياة كما يمارس السجين المشي في الفناء بحركات منتظمة ووجوه خالية من التعبير وأفكار تسير في مسارات محددة مسبقًا .

إن القيمة الكبرى لأدب محفوظ تكمن في هذه السخرية النبيلة المخبأة تحت نبرته الرصينة ، إنه يبتسم لك وهو يقطع آمالك ويهديك أعمق الرؤى الفلسفية وهو يصف لك جلسة شيشة في مقهى الفيشاوي، يجعلك تضحك من جهل عبده الفتوة أو بلاهة الموظف المتقاعد، ثم تنتبه فجأة لتكتشف أنك تضحك على نفسك، وعلى عالمك، وعلى القفص الكبير الذي تحيا فيه وتظنه وطنًا أو مجدًا.

وفي النهاية يظل السور العتيق سائمًا ، وتظل الحارة مكتظة بالحرافيش الذين يتقاتلون على بقايا النعم، وتستمر السفن في العبور في النيل العفن دون أن تسأل عن جثث الغرقى التي تأكلها الأسماك.

يرحل محفوظ ويترك لنا مدونته الهائلة لنسير في شوارع القاهرة فنرى أبطاله ما زالوا يمشون بيننا:

كمال عبد الجواد ما زال يشرب الخمرة ورأسه ينفجر بالشكوك، ونفيستة ما زالت تبيع جسدها لستر إخوتها، وسعيد مهران ما زال يطارد خيالاته في مقبرة مظلمة. والمأساة الأكبر ليست في أنهم يعيشون هذه الأهوال بل في أننا نقرأ حكاياتهم كل يوم ثم نبتسم ابتسامة باهتة ونغلق الكتاب ونذهب لننام في انتظار الفجر الذي لن يحمل معه سوى وباء جديد، أو فتوة جديد، أو خيبة أمل أخرى نكتب عنها مقالاً أدبيًا لنفوز به في مسابقة للأدب.

عن الکاتب / الکاتبة

سحر حسب الله عبد
سحر حسب الله عبد
شاعرة/العراق

مقالات أخرى للكاتب

صَهْوَةُ العِشْقِ وَالتَّجَلِّي

صَهْوَةُ العِشْقِ وَالتَّجَلِّي

  غَرَسْتُ عَيْنَيَّ فِي عَيْنَيْكَ مُسْتَهَمًا فَمَا رَأَيْتُ لِغَيْرِ العِشْقِ مُلْتَزَمَا وَصِرْتُ أَشْرَبُ مِنْ نَجْوَاكَ…

صورة الكاتب سحر حسب الله عبد
17 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
شظايا النور في حضرة السرّ

شظايا النور في حضرة السرّ

انكسرت عيناك في فجرٍ لا أعرف اسمه، فتناثرت الأرواح كزجاجٍ يلمع تحت أقدام الغيب. الروح…

صورة الكاتب سحر حسب الله عبد
11 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


التجوال في روايات نجيب محفوظ

بقلم: سحر حسب الله عبد | التاريخ: 25 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

يقال إن الله حين أراد أن يخلق مصر منحها النيل لتسقي منه شجيرات الفول والكافور ومنحها نجيب محفوظ ليرسم بها خرائط الخراب المقفي والضحك الباكي.

إن قراءة هذا العجوز القاهري الذي قضى عمره يرتدي نظارة طبية ذات إطار سميك ويضبط ساعته السويسرية على مواعيد وزارة الأوقاف ليست مجرد سفر في أحياء الحسين والجمالية والعباسية بل هي جولة ميدانية في مشرحة الأوهام البشرية ، لم يكن الرجل يكتب روايات لتسلية الموظفين المغصوبين على الخدمة في دواوين الحكومة بل كان يستل مشرط جراح يرتدي طربوشًا ليقطع نسيج الكبرياء الإنساني ويتأمل ببرود فلسفي مرير كيف يتحول الأنبياء والأبطال إلى مجرد شحاذين يسعلون على أرصفة الخان الخليلي.

إن السذاجة النقديّة المعتادة تحب أن تؤطر محفوظ في قفص “رائد الواقعية العربية” وكأن مهمته كانت مجرد تصوير الحارات وتقديم وصفات دقيقة لطريقة إعداد الشاي بالنعناع في قعدة السيد أحمد عبد الجواد لكن الحقيقة التي تصفعك بين السطور هي أن الحارة عند محفوظ ليست جغرافية بل هي كبسولة عبثية مضغوطة تمثل الوجود بأكمله. إنها مسرح أقيم بوقاحة تحت سقف السماء، يتعارك فيه القتلة والشعراء والفتوات والمرضى بينما يتفرج العرش الإلهي الصامت من ورائه خلف غمام السحاب غير أبهٍ بالصرخات التي تصدر من الحكايات المتكررة.

تأملوا معي هذه الملهاة السوداء المسماة بالثلاثية يبدأ الأب السيد أحمد عبد الجواد حياته كسلطان مطلق يتجشأ الفراخ المحشية ويرعب أطفاله بالزمجرة، ويقضي ليلته يغازل الراقصات وينفق الذهب تحت أقدام العوالم لكي يستيقظ في الصباح فيتوضأ ويقف أمام سجادة الصلاة أخشع من القديسين.

أليست هذه نكتة وجودية شديدة المرارة؟ إنسان يتأرجح بين شهوات الطين الموحلة وبين الحنين إلى الفردوس المفقود دون أن يرى أدنى تناقض بين الأمرين! وحين تدور العجلة وتمر السنوات نرى هذا الجبل العتيد يتحول إلى هيكل عظمي أصم ترتعد أطرافه في حجرته المعتمة ويبتسم ببلاهة لولده كمال الذي يقضي شبابه في التسكع بين كتب الفلسفة الغربية ليصل في النهاية إلى النتيجة الخالدة: إن الله والعدل والحب مجرد مجازات اخترعها العقل لمواجهة البرد الوجودي!

إن كمال عبد الجواد هو البطل الفلسفي المحفوظي بامتياز ، ذلك البائس الذي انكسر قلبه لأن محبوبته الأرستقراطية شديدة البياض تزوجت برجل من طبقتها فقضا بقية حياته يرتدي جلبابًا  ويحتسي الخمرة الرخيصة في الحانات المظلمة ويكتب مقالات عن الفلسفة والنشوء والارتقاء في مجلات لا يقرؤها أحد.

إنه الرمز الحي للإنسان الحديث الذي خسر إيمانه الفطري القديم ولم يكسب في المقابل سوى الشك، والصداع النصفي، وشوارب كثيفة تبدو كحطام منزل أثر في زلزال.

ثم تتجلى البشاعة في أبهى صورها حين تنتقل العدسة إلى “بداية ونهاية” هنا يرتفع الستار عن العبث الطبقي والأخلاقي الذي يدفع البشر إلى حتفهم بسخافة متناهية ، عائلة ينفق والدها أرباحه القليلة ويموت، فيترك أربعة أيتام وأماً تسعى لستر العورة. ماذا نفعل في مواجهة الموت والفقر؟

يقف الأخ الكبير حسنين الضابط الفتوة الشاب الذي يحلم بالأناقة والنفوذ ليدفع أخته نفيستة تلك الفتاة المسكينة ذات الوجه البشع والقلب الطيبإلى البغاء الخفي لكي تؤمن له ثمن بدلة الضابط ورتبته الشاهقة! وحين تُكتشف الجريمة لا يجد هذا البطل المزعوم سوى أن يأمر أخته بالانتحار والغرق في النيل كي يحمي شرفه الضائعي، ليلحق بها بعد لحظات بسقوط مجاني في المياه القذرة ذاتها! إنها السخرية الفلسفية القاتلة:

الشرف والكرامة والأخلاق كلها بضائع تباع وتشتري في سوق المأساة، وحين تحين لحظة الحساب يكتشف الكائن أنه لم يكن سوى دمية خشبية يحركها الخوف من نظرة الناس، لا الخوف من الخالق أو العقل.

وماذا نقول عن “البيوت المغلقة” في “ثرثرة فوق النيل”؟ تلك العائمة الرابضة على صدر النيل التي تضم شلة من المثقفين والموظفين والفنانين المحبطين، يهربون من هزائم الواقع والسياسة بلف سجائر الحشيش وغيبوبة الأفيون ، يجلس أنيس زكي ذلك الموظف المائل الحواجب الذي تشبه عيناه شباك جثة ليتأمل التاريخ البشري بوصفه مجرد قشرة موز تتزحلق عليها الأمم. الرواية تحول المثقف الفاهم إلى جيفة حية؛ كائن ينظر إلى العالم بذكاء حاد يجعله يعرف أن كل مشروع تحرري أو أخلاقي هو مجرد كذبة جديدة لتمرير الفساد ، وحين تدهس سيارتهم الطائرة فتاة ليل على الطريق السريع، يرفضون الوقوف لإسعافها أو إبلاغ الشرطة في تجسيد مرعب للخواء الروحي الذي يصل إليه الإنسان حين يستبدل العمل بالفلسفة الفارغة، والضمير بسجائر الماروانا.

إن العظمة المحفوظية تكمن في هذه القسوة الفائقة؛ إنه لا يربت على كتفك ، ولا يعطيك أثواب أمل زهرية بل يضعك أمام المرآة ليقول لك:

إنك بائس وأن ما تسميه “قدرك” هو مجرد تراكم لأخطائك وأخطاء أجدادك ، نرى ذلك بجلاء في “اللص والكلاب” سعيد مهران يخرج من السجن مليئًا بالرغبة في الانتقام العدلي من الخونة الذين سرقوا زوجته وابنته وماله وشرفه، يحمل مسدسه ويركض في الليل كأنه بطل تراجيدي إغريقي لكنه بدلاً من أن يقتل الخائن الأكبر رؤوف علوان يقتل رجلاً بائسًا بريئًا  استأجر الشقة بضعة أيام، ثم يقتل خادمًا مظلومًا في المرة الثانية!

تحول المنقذ إلى سفاح غبي والعدالة الأسطورية المطاردة تحولت إلى كمين للكلاب البوليسية في مقبرة مظلمة، ينتهي العبث ببطلك ممدداً بين القبور، ينظر إلى النجوم البعيدة دون أن يستطيع تفهّم سبب سقوط العالم بهذه الخسة.

أما في “أولاد حارتنا” فتصل المأساة الفلسفية إلى ذروتها القصوى ، حارة تحكمها خرافات القوة والفتوات، تنتظر مخلصين يخرجون من نسل الجد الأكبر “جبلاوي” القابع في بيته الفخم المغلق.

يظهر أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، وعرفة؛ كل منهم يحمل مشروعاً للخلاص بالعدل، أو النور، أو الحب، أو المعرفة والعلم لكن الأثر النهائي بعد رحيل كل نبي أو مصلح هو عودة الفتوات لجلد الناس وإرغامهم على دفع الفتوة!

والسخرية المروعة تتجلى حين يقتل عرفة رمز العلم والتقنية الحديثة ، الجد الأكبر بالخطأ وهو يحاول سرقة أسراره فتتحول الحارة كلها إلى يتماء يبكون على الإله الذي قتلوه باكتشافاتهم، بينما يظل الفتوات يمارسون البطش باسم السحر والجهل، إنها رؤية فلسفية مظلمة تقول بوضوح:

المأساة ليست في غياب الحقيقة بل في أن الإنسان كائن مدمن للعبودية، يعشق سوطه، ويرفض أن يتحرر حتى لو هبطت عليه السماء بالمعجزات!

وفي “ملحمة الحرافيش” تتكرر الدائرة الخالدة ، عاشور الناجي يبدأ بسيادة النبل والتكافل فتتحول ذريته بالتدريج إلى سلالة من الفتوات القساة، والسكيرين، والمجانين. السلالة التي بدأت بالنقاء تنتهي بالتعفن، والقباب التي بُنيت لتخليد الأولياء تتحول إلى أوكار للدعار والخيانة.

الزمن عند نجيب محفوظ ليس خطًا صاعدًا نحو الرقي بل هو ثعبان يبتلع ذيله، حلقة مفرغة نتحرك فيها مثل الفئران في تجربة معملية، نكرر الأخطاء ذاتها بأسماء مختلفة، ونرفع الشعارات نفسها في مظاهرات متلاحقة، ثم نعود لنجلس في المقاهي ونشتكي من ارتفاع أسعار اللحم والغاز.

الحزن في هذه الأعمال ليس بكاءً رومانسيًا شبيهاً بدموع الشغف بل هو جفاف هائل يصيب الروح؛ حزن الإنسان الذي أدرك فجأة أن أعوامه تضيع في طوابير الجمعيات الاستهلاكية وفي انتظار الترقية الوظيفية التي لن تجلب له سوى معاش تقاعدي يغطي تكاليف جنازته.

إن أبطال محفوظ يمارسون الحياة كما يمارس السجين المشي في الفناء بحركات منتظمة ووجوه خالية من التعبير وأفكار تسير في مسارات محددة مسبقًا .

إن القيمة الكبرى لأدب محفوظ تكمن في هذه السخرية النبيلة المخبأة تحت نبرته الرصينة ، إنه يبتسم لك وهو يقطع آمالك ويهديك أعمق الرؤى الفلسفية وهو يصف لك جلسة شيشة في مقهى الفيشاوي، يجعلك تضحك من جهل عبده الفتوة أو بلاهة الموظف المتقاعد، ثم تنتبه فجأة لتكتشف أنك تضحك على نفسك، وعلى عالمك، وعلى القفص الكبير الذي تحيا فيه وتظنه وطنًا أو مجدًا.

وفي النهاية يظل السور العتيق سائمًا ، وتظل الحارة مكتظة بالحرافيش الذين يتقاتلون على بقايا النعم، وتستمر السفن في العبور في النيل العفن دون أن تسأل عن جثث الغرقى التي تأكلها الأسماك.

يرحل محفوظ ويترك لنا مدونته الهائلة لنسير في شوارع القاهرة فنرى أبطاله ما زالوا يمشون بيننا:

كمال عبد الجواد ما زال يشرب الخمرة ورأسه ينفجر بالشكوك، ونفيستة ما زالت تبيع جسدها لستر إخوتها، وسعيد مهران ما زال يطارد خيالاته في مقبرة مظلمة. والمأساة الأكبر ليست في أنهم يعيشون هذه الأهوال بل في أننا نقرأ حكاياتهم كل يوم ثم نبتسم ابتسامة باهتة ونغلق الكتاب ونذهب لننام في انتظار الفجر الذي لن يحمل معه سوى وباء جديد، أو فتوة جديد، أو خيبة أمل أخرى نكتب عنها مقالاً أدبيًا لنفوز به في مسابقة للأدب.