ليس النص عبورا لبر غريب، بل هو رحلة تجعل الذات تدرك ما لا تقوله الخرائط، تختبر ما استقر في بواطنها. فقبل أن تطأ الأقدام أرضا غير الأرض، تكون المخيلة، قد سبقتها، وهي مثقلة بما اكتنزته من معرفة. لكن تتبيّن أن المسافات والأبعاد قد تخفي ما هو أعمق، هو المسافات الثقافية والأبعاد الحضارية الّتي لا تتضمّنها النظريات. فماذا يحدث للذات عندما تصطدم الصورة التي تحملها في مخيلتها بالواقع؟ وهل تكفي القراءة لمعرفة الآخر؟ أم أن اكتناه جوهر الأمكنة يقتضي منّا أن نصغي إلى تلك الأمكنة ونعايشها عن كثب؟
يشد الأزهر الزناد الرحال إلى بر الأمريكان، لا سائحا بل باحثا في اللسانيات، يحمل معه الحاضر والماضي والمستقبل، أحلامه وآماله، وأسئلته المعرفية وخلفيته الثقافية، يحمل معه وطنا بطعم الحياة كلها.
وبقدر ما يتوغل الأزهر الزناد في جغرافيا المكان، يمضي قلمه في جغرافيا الدفتر، يقيّد أثر اللحظات العابرة، يحصّنها من التّلاشي من سجلّ الذّاكرة. وعلى هذا، تتوازى رحلتان، رحلة في المكان وأخرى في الزّمان، ومن خيوطهما تنسج يوميات لا تكتفي بتوثيق ما عاشه الرحالة، بل تعيد بناء تلك التجربة في أذهان قرّائها، وتمنح تفاصيلها العابرة فرصة أخرى للحياة.
والمكان في “أيام في بر الأمريكان ” (دار الكتاب، تونس، 2026) لا يحضر بصفته موضوعا ذاتيا، تقف الذات أمامه لتصف قبحه أو جماله، بل يتحول إلى تجربة تتشكل المعرفة في ثنايا تفاصيلها تدريجيا عبر المعاينة والمعايشة والاختبار.
باختصار، يتحول المكان إلى سؤال، واقع مبهر ومتشظّ في الآن نفسه، تتصدع بداهات النظر أمامه، وتنكشف المسافة بين هنا و هناك، بين عالم تخيلته الذات وعالم كشفته التجربة. وعلى امتداد هذه الرحلة، وكلما تعددت الأمكنة التي يعبرها الشاب الحالم، تنفتح أمام القارئ جغرافيا وعي ذلك الشّابّ. حيث يقدح عبور الراوي في الأمكنة عبورا موازيا في أعماق القارئ، وعندئذ يصبح هذا المكان مرآة عاكسة لصورة الذات، ذات القارئ وذات الكاتب وللعالم الإنساني، في آن.
هي رحلة مزدوجة، تتسع في الخارج بتعدد الأمكنة وامتدادها، وتتعمق في الداخل في تلافيف الوعي. فبقدر ما تكشف الرحلة عن العالم، تكشف عن الذات. وبقدر ما توسع معرفة القارئ بالآخر، تعيد تشكيل معرفته بنفسه. ويتجلى ذلك بوضوح في المقارنات التي يقيمها الكاتب بين المجتمع الأمريكي والمجتمع التونسي، بين هذا الآخر الغارق في المادية والوطني المحلي المتشبث بأصالته وهويته وقيمه الروحية.
في هذه اليوميات تتشابك جغرافيا المكان الذي يتنقل فيه الراوي وجغرافيا ذاته التي يعيد اكتشافها عبر التجربة، من جهة، وجغرافيا القارئ الذي يستأنف رحلته داخل وعيه الخاص، من أخرى. فالكتابة لا تكتفي باستعادة رحلة منجزة بل هي تستأنفها باعتبارها معراجا للتأمل والتأويل، فيصير المكان وسيطا للمعرفة والآخر محفزا لمساءلة الذات.
فالسفر لا يوسع حدود الرؤية فقط بل يتيح للذات أن تعيد النظر في موقعها من العالم وفي طرائق فهمها له.
ويتبدى الزمن في أيام في بر الأمريكان كنثرات زئبقية تتفلّت من بين أصابع الشخصية، فكلما توهمت أنها تخضعه، وتنظم إيقاعه، وتستعيد زمامه، ازداد استعصاءً على الضبط. يتجلى ذلك بوضوح في اختلال نظام حياته اليومية، فهو ينام قسطا من النهار ويسهر ليلا. وقد تجاوز هذا الاعتراف حدود التسجيل والإخبار ليكشف مأساة الإنسان أمام زمن يعيشه ولا يملك عليه سلطانا. هكذا يغادر الزمن حياده بوصفه إطارا لوقوع الأحداث ليصبح هاجسا وجوديا تنكشف فيه هشاشة الإنسان وعجزه عن القبض على ما يتفلت منه في صمت وهو عمره الذي يمضي.
ولعل بعض اللحظات العابرة التي يلتقطها الأزهر الزناد تختزل في كثافتها الرمزية ما انتهت إليه هذه القراءة. ففي مشهد كرة السّلّة، مثلا، تتوالى حركة اللاعبين في إيقاع محموم، يركضون، يراوغون، يندفعون، يتسابقون لتسجيل الأهداف. غير أن عين الكاتب لا تستقر عند نبض المشهد واندفاع الأجساد، بل تنفذ إلى تفاصيل المكان وجزئياته. فقد لاحظ عند أعلى السلة صورة جمجمة يتدلى منها عظمان، رمز الموت، صورة تزعزع المألوف، وفي الملعب النابض بالحياة ترتبك كل المسلمات (أيام، ص82).
هنا تتولد المفارقة الجميلة، ملعب بوصفه ميدان الحياة يغدو مسرحا لاستحضار الموت. يركض اللاعبون نحو أهدافهم، فيما تستقر الجمجمة بوصفها علامة النهاية لا تستثني أحدا. وبين تدافع الأجساد وثبات الجمجمة تتشكل صورة مكثفة للوجود الإنساني، حركة لا تهدأ، غايات تطارد، نهاية تظل حاضرة رغم الغياب، وبذلك تنقلب حيوية المشهد إلى سؤال في جدوى الحياة. الإنسان يمضي يتماهى مع المكان ليحقق أهدافه، لكنه ينسى أنّ الزمن الذي يمنحه فرصة الركض هو نفسه يقربه من النهاية. هكذا تتراءى لنا الجمجمة تفصيلا غرائبيا في المشهد، بل علامة تعيد تأويله وتكشف الرهانات الكبرى للإنسان.
ولا يقل مشهد الاحتفال باختتام السنة الجامعية أهمية، إنه يفتح أفقا آخر للتأمل في علاقة الإنسان بالزمن وبالمكان أيضا. يقول الكاتب: غادرتهم وتركتهم يصبّحون (أيّام، ص305). فدلالة الكلمة لا تكمن في الحدث فقط، بل في وقوع الانسحاب قبل اكتمال الاحتفال وقبل أن يستنفذ الزمن المخصص لها مداه. فحينما يواصل الآخرون الاحتفال يختار الكاتب أن يغادر وكأنه يستعيد حقه في الإمساك بخيوط الزمن، رافضا أن تظل حركته رهينة الإيقاع الجماعي. غير أن المغادرة وإن كانت منفصلة في لحظة ما فهي لا تعني محوها، هو يغادر حاملا المكان الذي سيظل عالقا في الذاكرة بكل تفاصيله ليتجلى بوضوح كلما استثاره القرطاس والقلم.
وهكذا تبرز الذاكرة بوصفها قدرة على المقاومة، فهو لا يوقف الزمن، ولكن يحاول إنقاذ آثاره من المحو. الإنسان لا يستطيع أن يوقف الزمن، لكنه يستطيع أن يحدد موقعه منه، وأن ينتقي اللحظات التي يمنحها حضوره، ثم يستبقي منها ما هو جدير بالبقاء في تجاويف الذاكرة. وذاكرة الشاب قوية قادرة على الاستغناء عن كل وسيط، إنها مستودع حي للتجربة، قادرة على استبقاء ما يفلت من قبضة اللحظة.
الحروف في يوميات الزنّاد بطعم السفر تضيء الأيام التي تبدو نكرة في أعيننا، لكنها في تجربة الكاتب محملة بدلالات لا يهبها المكان إلا لمن عاش تفاصيله. يعود المسافر إلى بلاده، إلى المكان الذي غادره، لكنه لا يعود إلى الذات التي انطلق بها منها، فالرحلة هنا لم تغير تضاريس المكان، بل أعادت رسم تضاريس وعي الشاب الحالم وخرائط روحه، فقد انزاحت عن رؤيته حجب الصور المسبقة وبدّدت عن ذاته غشاوة الجهل، فإذا بالعالم الذي قصده للمعرفة يغدو مرآة يرى فيها نفسه على نحو مغاير.
من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الوعي في “أيام في بر الأمريكان” للأزهر الزناد
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الوعي في “أيام في بر الأمريكان” للأزهر الزناد
ليس النص عبورا لبر غريب، بل هو رحلة تجعل الذات تدرك ما لا تقوله الخرائط، تختبر ما استقر في بواطنها. فقبل أن تطأ الأقدام أرضا غير الأرض، تكون المخيلة، قد سبقتها، وهي مثقلة بما اكتنزته من معرفة. لكن تتبيّن أن المسافات والأبعاد قد تخفي ما هو أعمق، هو المسافات الثقافية والأبعاد الحضارية الّتي لا تتضمّنها النظريات. فماذا يحدث للذات عندما تصطدم الصورة التي تحملها في مخيلتها بالواقع؟ وهل تكفي القراءة لمعرفة الآخر؟ أم أن اكتناه جوهر الأمكنة يقتضي منّا أن نصغي إلى تلك الأمكنة ونعايشها عن كثب؟
يشد الأزهر الزناد الرحال إلى بر الأمريكان، لا سائحا بل باحثا في اللسانيات، يحمل معه الحاضر والماضي والمستقبل، أحلامه وآماله، وأسئلته المعرفية وخلفيته الثقافية، يحمل معه وطنا بطعم الحياة كلها.
وبقدر ما يتوغل الأزهر الزناد في جغرافيا المكان، يمضي قلمه في جغرافيا الدفتر، يقيّد أثر اللحظات العابرة، يحصّنها من التّلاشي من سجلّ الذّاكرة. وعلى هذا، تتوازى رحلتان، رحلة في المكان وأخرى في الزّمان، ومن خيوطهما تنسج يوميات لا تكتفي بتوثيق ما عاشه الرحالة، بل تعيد بناء تلك التجربة في أذهان قرّائها، وتمنح تفاصيلها العابرة فرصة أخرى للحياة.
والمكان في “أيام في بر الأمريكان ” (دار الكتاب، تونس، 2026) لا يحضر بصفته موضوعا ذاتيا، تقف الذات أمامه لتصف قبحه أو جماله، بل يتحول إلى تجربة تتشكل المعرفة في ثنايا تفاصيلها تدريجيا عبر المعاينة والمعايشة والاختبار.
باختصار، يتحول المكان إلى سؤال، واقع مبهر ومتشظّ في الآن نفسه، تتصدع بداهات النظر أمامه، وتنكشف المسافة بين هنا و هناك، بين عالم تخيلته الذات وعالم كشفته التجربة. وعلى امتداد هذه الرحلة، وكلما تعددت الأمكنة التي يعبرها الشاب الحالم، تنفتح أمام القارئ جغرافيا وعي ذلك الشّابّ. حيث يقدح عبور الراوي في الأمكنة عبورا موازيا في أعماق القارئ، وعندئذ يصبح هذا المكان مرآة عاكسة لصورة الذات، ذات القارئ وذات الكاتب وللعالم الإنساني، في آن.
هي رحلة مزدوجة، تتسع في الخارج بتعدد الأمكنة وامتدادها، وتتعمق في الداخل في تلافيف الوعي. فبقدر ما تكشف الرحلة عن العالم، تكشف عن الذات. وبقدر ما توسع معرفة القارئ بالآخر، تعيد تشكيل معرفته بنفسه. ويتجلى ذلك بوضوح في المقارنات التي يقيمها الكاتب بين المجتمع الأمريكي والمجتمع التونسي، بين هذا الآخر الغارق في المادية والوطني المحلي المتشبث بأصالته وهويته وقيمه الروحية.
في هذه اليوميات تتشابك جغرافيا المكان الذي يتنقل فيه الراوي وجغرافيا ذاته التي يعيد اكتشافها عبر التجربة، من جهة، وجغرافيا القارئ الذي يستأنف رحلته داخل وعيه الخاص، من أخرى. فالكتابة لا تكتفي باستعادة رحلة منجزة بل هي تستأنفها باعتبارها معراجا للتأمل والتأويل، فيصير المكان وسيطا للمعرفة والآخر محفزا لمساءلة الذات.
فالسفر لا يوسع حدود الرؤية فقط بل يتيح للذات أن تعيد النظر في موقعها من العالم وفي طرائق فهمها له.
ويتبدى الزمن في أيام في بر الأمريكان كنثرات زئبقية تتفلّت من بين أصابع الشخصية، فكلما توهمت أنها تخضعه، وتنظم إيقاعه، وتستعيد زمامه، ازداد استعصاءً على الضبط. يتجلى ذلك بوضوح في اختلال نظام حياته اليومية، فهو ينام قسطا من النهار ويسهر ليلا. وقد تجاوز هذا الاعتراف حدود التسجيل والإخبار ليكشف مأساة الإنسان أمام زمن يعيشه ولا يملك عليه سلطانا. هكذا يغادر الزمن حياده بوصفه إطارا لوقوع الأحداث ليصبح هاجسا وجوديا تنكشف فيه هشاشة الإنسان وعجزه عن القبض على ما يتفلت منه في صمت وهو عمره الذي يمضي.
ولعل بعض اللحظات العابرة التي يلتقطها الأزهر الزناد تختزل في كثافتها الرمزية ما انتهت إليه هذه القراءة. ففي مشهد كرة السّلّة، مثلا، تتوالى حركة اللاعبين في إيقاع محموم، يركضون، يراوغون، يندفعون، يتسابقون لتسجيل الأهداف. غير أن عين الكاتب لا تستقر عند نبض المشهد واندفاع الأجساد، بل تنفذ إلى تفاصيل المكان وجزئياته. فقد لاحظ عند أعلى السلة صورة جمجمة يتدلى منها عظمان، رمز الموت، صورة تزعزع المألوف، وفي الملعب النابض بالحياة ترتبك كل المسلمات (أيام، ص82).
هنا تتولد المفارقة الجميلة، ملعب بوصفه ميدان الحياة يغدو مسرحا لاستحضار الموت. يركض اللاعبون نحو أهدافهم، فيما تستقر الجمجمة بوصفها علامة النهاية لا تستثني أحدا. وبين تدافع الأجساد وثبات الجمجمة تتشكل صورة مكثفة للوجود الإنساني، حركة لا تهدأ، غايات تطارد، نهاية تظل حاضرة رغم الغياب، وبذلك تنقلب حيوية المشهد إلى سؤال في جدوى الحياة. الإنسان يمضي يتماهى مع المكان ليحقق أهدافه، لكنه ينسى أنّ الزمن الذي يمنحه فرصة الركض هو نفسه يقربه من النهاية. هكذا تتراءى لنا الجمجمة تفصيلا غرائبيا في المشهد، بل علامة تعيد تأويله وتكشف الرهانات الكبرى للإنسان.
ولا يقل مشهد الاحتفال باختتام السنة الجامعية أهمية، إنه يفتح أفقا آخر للتأمل في علاقة الإنسان بالزمن وبالمكان أيضا. يقول الكاتب: غادرتهم وتركتهم يصبّحون (أيّام، ص305). فدلالة الكلمة لا تكمن في الحدث فقط، بل في وقوع الانسحاب قبل اكتمال الاحتفال وقبل أن يستنفذ الزمن المخصص لها مداه. فحينما يواصل الآخرون الاحتفال يختار الكاتب أن يغادر وكأنه يستعيد حقه في الإمساك بخيوط الزمن، رافضا أن تظل حركته رهينة الإيقاع الجماعي. غير أن المغادرة وإن كانت منفصلة في لحظة ما فهي لا تعني محوها، هو يغادر حاملا المكان الذي سيظل عالقا في الذاكرة بكل تفاصيله ليتجلى بوضوح كلما استثاره القرطاس والقلم.
وهكذا تبرز الذاكرة بوصفها قدرة على المقاومة، فهو لا يوقف الزمن، ولكن يحاول إنقاذ آثاره من المحو. الإنسان لا يستطيع أن يوقف الزمن، لكنه يستطيع أن يحدد موقعه منه، وأن ينتقي اللحظات التي يمنحها حضوره، ثم يستبقي منها ما هو جدير بالبقاء في تجاويف الذاكرة. وذاكرة الشاب قوية قادرة على الاستغناء عن كل وسيط، إنها مستودع حي للتجربة، قادرة على استبقاء ما يفلت من قبضة اللحظة.
الحروف في يوميات الزنّاد بطعم السفر تضيء الأيام التي تبدو نكرة في أعيننا، لكنها في تجربة الكاتب محملة بدلالات لا يهبها المكان إلا لمن عاش تفاصيله. يعود المسافر إلى بلاده، إلى المكان الذي غادره، لكنه لا يعود إلى الذات التي انطلق بها منها، فالرحلة هنا لم تغير تضاريس المكان، بل أعادت رسم تضاريس وعي الشاب الحالم وخرائط روحه، فقد انزاحت عن رؤيته حجب الصور المسبقة وبدّدت عن ذاته غشاوة الجهل، فإذا بالعالم الذي قصده للمعرفة يغدو مرآة يرى فيها نفسه على نحو مغاير.
عدنان حسين أحمد
د. سمیر الخلیل
حمدي العطار
التعليقات