(سيرة الجوع والشبع) للروائية بشرى خلفان
تندرج رواية (دلشاد: سيرة الجوع والشبع) الطبعة الثالثة والصدرة عن منشورات تكوين 2021 ضمن النصوص السردية التي تُعيد تشكيل الهوية التاريخية لعُمان والذاكرة الجمعية العُمانية في لحظة من لحظات تحوّلها التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهي ليست مجرد حكاية شخصية بحته لطفلٍ مبتور النسب (دلشاد) ، الطفل الذي يغزوه الجوع ويسلّيه الضحك بل سيرة لمدينةٍ بكاملها تحكى من خلال مصائر اناس من اصول متنوعة : البلوش واللوغان والزدجال والعرب، في زمنٍ يتذبذب بين الفقر والسلطة، والضحك والجوع، والعبودية والحرية.
اجتهدت الروائية من خلال هذا العمل في اعادة إحياء الهوية التاريخية العمانية من داخل اللغة والمعنى وحفنة من المشاعر المتأرجحة بين الحزن والفرح والرضا واليأس والفقد والحنين ، والصرخات الصامتة والألم المكبوت المتوارث عبر الأجيال وبحضور جغرافي واضح وقوي يؤثث ابعاد مسقط بين ثلاث حارات ترسمها ملامح الرواية (لوغان، ولجات، حارة الشمال) وكما وصف بول ريكور (السرد هو الذي يمنح الزمن والتاريخ معناه، ومن خلاله تتكوّن الهوية السردية للإنسان والمجتمع.) اذ تدغم الوقائع في النسيج السردي بطريقة فنية دون أن تخرجه من الاطار الادبي الذي حددت ابعاده في الرواية مسبقا ومنحته سياقًا تاريخيا حقيقيا ينطوي على فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وما حدث خلالها وما لحقها من احداث وتغيرات ، مع حقبة التواجد البريطاني ، والتباين الاجتماعي والثقافي، والعلاقات العامة بين العائلات، وأثر المرض والجوع والنزوح والحرب. ومع كل تلك التقلبات بالأحداث فأن التاريخ لم يُصاب بالهيمنة ولا التهميش بنفس الوقت ، بل بقي حاضرا باتزان كبطل متفرد بعيدا عن الشخصيات بل وينصهر في بنية الحكاية بانسيابية تجعل القارئ يعيش المناخ العام للرواية بأماكنها واحداثها وحواراتها ليس هذا وحسب بل و يستشعر كل التفاصيل مثل رائحة البحر، زقزقة المراكب، ضجيج الحارات، انهمار الأمطار على الأسطح، أحاديث النسوة في الفناء، صخب السوق وكما يذكر سعيد يقطين) الرواية التاريخية لا تُعيد التاريخ كما هو، وإنما تحوله إلى خطابٍ رمزي يعبر عن صراع الهويات وتحولات الوعي الجمعي) . وقد ذكرت الناقدة أسماء الكواري في دراستها عن الرواية (أن رواية دلشاد تجعل المكان بنية وجدانية، لا جغرافية، حيث تتحول مسقط من فضاءٍ خارجي إلى مرآة لوجع الإنسان العماني في النصف الأول من القرن العشرين)
تنطلق احداث الرواية مع دلشاد الذي يعني اسمه مسرور الفؤاد او سعيد القلب حيث ان (دل) تعني القلب و (شاد) تعني الفرح اذ جاء على لسان الشخصية في سياق السرد (حلفت امي اني خرجت من رحمها وانا اضحك وانها اسمتني فرحان كي اعاكس شؤم ولادتي لأب ملعون) فهو ليس بطلًا فحسب، بل هو بوابة إلى تاريخ نابض بالحياة ،و إلى مسقط التي تُحب وتكره، وإلى الأزقة والحارات التي تستعصي على النسيان. تتقاذفه الرياح في صباه بعد ان ولد داخل خيمة بائسة على الضفة الشرقية لحافة الوادي من لوغان، فيبتعد عن احلامه الطفولية، ويصطدم بمرارة الواقع بحركته الدائمة والمتنقلة بين حارة وأخرى ليكشف عن حقيقة المدينة وأهلها ؛ فلا نجده منفصلاً عن المكان بل عنوانًا له ومجسدا له بحذافيره ومرآة لتقلبات الزمن.
دلشاد على الرغم من انه فقد والدته بوقت مبكر الامرأة الضالة والمختلة عقلياً كما يصفها الجميع وعلى الرغم بانه لا يتذكر بأن له كان أباً لكنه كان يضحك في كل موقف يمر به، في الحزن والفرح، في الضياع والحيرة، حتى حين لا يعرف سبب الضحك فالضحك كان بمثابة الاستجابة لمعتركه الداخلي وهواجسه وافكاره، فيضحك حين يُهان، حتى يصبح الضحك جزءًا من تكوينه النفسي واحيانا رد فعل لقرصة الجوع التي لا تنفك عن جوفه الخاوي .لأنه ببساطة كبر مع الجوع ومع مرور الوقت تصالح معه حتى اصبح الشبع المتأخر لا يناسبه ولايليق به انتقل هذا الضحك كعدوى او لعنة الى زوجته (نورجيهان) التي انسلت روحها وهي تسلم مولودتها (مريم) الى دلشاد فتلاففتها ايادي نساء اخريات اللواتي اصبحن لها امهات فيما بعد، فقد كانت الضحكة ليست مجرّد هزلٍ وعبث، بل هي الحالة الوجودية التي لا تُقاوم. ابنته مريم عند ولادة ، نجت من جوعها الأول بأعجوبة لكن الجوع صار ملازما لها الى الابد حتى أصبحت كائن يتزامن داخله حالة من الضحك والجوع بذات الوقت فهي لم تكن مجرد امتدادًا لوالدها دلشاد فقط بل تكرارًا وامتدادًا لقضيته وحياته.
ان الجوع لم يكن كدلالة مادية على الفقر فقط ، بل هي الثيمة المركزية في الرواية التي تجسدت بدلالات متعددة مثل الجوع إلى الأب، الجوع إلى الحنان، الجوع إلى الانتماء، الجوع إلى الكرامة ، أي انه ليس جوعًا إلى الطعام فقط ، بل هو جوع وجودي و روحي يسري مع الدماء فـ(دلشاد) لا يفتقر إلى الخبز فحسب، بل إلى الانتماء ذاته كذلك الحال بالنسبة لمريم و كما جاء في السرد على لسانها (قاس هو الجوع قاس وقبيح ومثلي يقف عاريا بلا اب) وكما قال جان بول سارت (الجوع هو أول ما يجعل الإنسان يدرك أنه موجود في عالم لا يعبأ به) وقد تجلى الجوع في رسم كل الشخصيات فهم كانوا بمثابة أصداء للجوع المتعدد (حميد عبدالله) الجوع عنده ليس إلى الطعام، بل إلى المكانة.فقد كان يعيش شعورًا دائمًا بالدونية الطبقية، ويغادر مسقط بحثًا عن ثوب يناسبه كما يقول.اما (ما مويزي) فقد كان جوعها هو جوع الحرية تُنتزع من أمها عبدة وتُباع وتُشترى، لكنها تختار أمومة رمزية بدلًا من زواج قسري، فيتحول جسدها إلى بيان صامت ضد الاسترقاق.
(نورجيهان ومريم) الجوع فيهما أنثوي مزدوج، جوع إلى الأمان وإلى استمرار الضحك في وجه القهر.فتتحول هذه الشخصيات جميعًا إلى مرايا لوجهٍ واحد من الجوع، لتتشكل منها سيرة جمعية تتجاوز دلشاد وتنتقل إلى وطنٍ بأكمله.
ومن جهة أخرى فان الضحك لم يكن مجرد ردّ فعل طبيعي، بل هو مقاومة، وسلاح للبقاء و تهريج وجودي أمام الفقر والمصير والواقع المرير فقد كان ضحك مر و مؤلم، وأحيانًا لا معنى له إلا أنه الوسيلة لبقاء دلشاد ومريم وللرد على القهر.
وفي الرواية نجد ان الضحك قد كان ينجح أحيانًا، ويُهزم في أحيانٍ أخرى فقد أصيب دلشاد بنوبة من الصرع عندما اصبح الضحك وسيلة هشة ولا قيمة لها أمام أشكال المعاناة التي اختبرها. وكما قال محمود درويش (الضحك شكل من أشكال البكاء حين نتعب من اللغة( ويقول فرانز كافكا (نضحك أحيانًا لا لأننا سعداء، بل لأننا نعلم أن لا جدوى من الجِدّ في عالمٍ كهذا)
ومن هذا المنطلق يبرز جوهر الرواية، الا وهو هذه التزامن الدقيق بين الجوع والضحك كثيمة واضحة للرواية: فالفقر إذا زاد، فإنّ الضحك يعلو ويعلو، ليُصبح صوتًا للتمرد وللانتفاضة وللتنفيس المؤقت عن معاني الجوع الكثيرة. لكن حين يعجز الضحك عن التعبير ويتهالك الجسد وقتها ستغزوه فيوض الحزن ويعاود الصمت سلطته.
وقد عملت الروائية على صياغة هذه الثنائية بمعرفة فلسفية دقيقة، تذكر القارئ بقراءة هنري برجسون في كتابه الضحك: بحث في دلالة المضحك، حيث يرى ان الضحك فعلًا عقليا لا وجدانيا، وآلية دفاع ضد الجمود والخوف.
كما و تتقاطع الرواية مع نظرية التنفيس لفرويد، التي تعتبر الضحك تفريغا لطاقة نفسية مكبوتة و من هنا يصبح ضحك دلشاد وابنته مريم فعلاً وجوديًا أكثر منه فعلاً ترفيهيًا فهو ضحك ضد الموت و الجوع و القدر.
ويرى الناقد يوسف ضمرة أن الرواية (تحقق معادلة دقيقة بين التوثيق والتخييل، فتقدم التاريخ الإنساني لا كحدث بل كجوعٍ مستمر إلى الحياة).
من الناحية التقنية للسرد فقد اختارت الكاتبة أن تكون روايتها متعددة الأصوات (بوليفونية) وفق المفهوم الباختيني، إذ يمنح هذا التنوع السردي لكل صوت استقلاله، مع بقاء الانسجام العام للنص. وهكذا تتجاوز الرواية المنظور الأحادي إلى نظرة بانورامية تتيح رؤية متعدّدة للمجتمع العُماني بين الحربين العالميتين.
فيكون السرد في تنقل دائم بين أصوات الشخصيات التي تتناوب بالظهور، ليُستعاد السرد من جديد بصيغة و رؤية جديدة لتعبر الشخصيات عن تعدد الطبقات الاجتماعية وتداخل المصائر ففي النهاية هي ليست رواية لأبطال مطلقون بل حكاية واحدة تُتداولها الأصوات تُضاف إلى نسيجها وتروي الحكاية من الناحية النفسية والاجتماعية ومن منظورها الشخصي ومشاعرها وتثبت في ذاكرة القارئ. ميلان كونديرا من كتاب فن الرواية: (الرواية العظيمة ليست أغنية منفردة، بل سمفونية تتناوب فيها الأصوات لتكشف عن تعدّد الوجود الإنساني) وكما وصف عبد الرحمن منيف (في الرواية لا يمكن أن يكون الجميع على صوت واحد، لأن الحياة نفسها فوضى من الأصوات والوجوه) فقد تميزت بشرى خلفان ببناء لغوي متوازن يجمع بين البساطة والثراء كذلك ينتقل السرد بين فصحى سلسة ولهجة محلية مما أضفى مصداقية على الشخصيات دون أن يخل بصفاء النص الأدبي ودون أن تحدث كسراً في الإيقاع أو انقطاعاً في التلقي.
فبالإضافة إلى دلشاد ومريم، هناك شخصيات لا تقل أهمية ولا يمكن وصفها على انها ثانوية فحسب، لانها تُشكل أبعاد النص وتُحرّكه مثل (حميد عبدالله)، العاشق المتواري الذي يرزح تحت شعور الدونية، أو (ما حليمة) التي احتضنت دلشاد مع أولادها عيسى ونورية وحسين، أو (ما مويزي) التي تجسد معنى الاسترقاق والمقاومة والكثير من الشخصيات الأخرى مثل (بتول قاسم فريدة ناصر بن صالح حسن لبن فردوس عبداللطيف). كل هذه الأصوات تلتقي معا وتروي حكاية لتشكل بانوراما مجتمعية حافلة لا ترسم خريطة جغرافية وتاريخا لمسقط فقط، بل تمثل مأزق إنساني ومعترك جمعي وجودي .
ومن الجدير بالذكر أن الكاتبة لا تغفل اللهجة المحلية، وتُوظفها بلا إرباك او تشويش للمتلقي العربي وان هذا التضمين اللغوي لا يبدو اعتماده كزخرفة فقد، بل يعزز الشعور بالمكان والهوية وتتيح المجال لكل شخصية ان تعبر عن نفسها بلغتها ويصف غابرييل غارسيا ماركيز)حين تتكلم الشخصيات بلغتها الخاصة، تصبح الرواية أكثر صدقًا من المؤلف ذاته) ويمكن ايجاز نقاط القوة في الرواية تعدد الأصوات والفاعلية السردية فالرواية جعلت من الرواة واصواتهم نوافذ إبداعية مختلفة تطل على الحدث لتعبر عنه وتسرده وفقا لرؤيتها الشخصية دون أن تتفتت. وبالتالي فتقنية تعدد الأصوات كانت من عوامل التشويق الابداع الفني في بناء الرواية. اما بالنسبة للغة فكانت تتسم بالإحساس العالي والبساطة في آن لا مبالغة في الزخرفة و لكنها غنية بالتوصيف الذي يجعل المشهد يُرى ويُشم ويُسمع. اما فكرة تأطير الرواية بالتاريخ الاجتماعي اظهر قدرة الكاتبة على تجسيد وتوثيق العادات، والطقوس، والبيع، والأسواق، والسفر، والمآتم، دون أن يصبح السرد ممل ولقد اظهر السرد تماهياً وامتزاجاً ساحراً بين الشخصيات والمكان فلم تتشكل شخصية بذاتها بمعزل عن الحارات، ولا الحارة يمكن ان تُروى او توصف بمعزل عن من يسكنها. ان هذا التداخل يمنح الرواية وحدة موضوعية.
من جانب اخر فأن نقاط الضعف تمحورت حول عدة محاور أولها السرد الذي اتسم بالإيقاع البطيء و الممل عند بعض القراء الذين يبحثون عن حبكة ظاهرة و سريعة بالإضافة الى ان أن التشعب في الانتقالات بين الأصوات المتعددة يتطلب تركيزًا إضافياً من قبل القراء. خصوصاً عند ظهور بعض الشخصيات واختفاؤها بشكل مفاجئ دون تهيئة كافية في السرد ، كذلك غياب التتابع الزمني الصريح في بعض الأحيان قد يشتت ذهن القارئ، مع ترك النهاية مفتوحة كأنها تمهيد لجزء ثانٍ و الإغفال عن التوسع في بعض القضايا الحساسة والمعقدة (كالسحاقية أو تجارب الهوية الحميمية) فلم تعالجها بشكل تام او تمنحها المساحة السردية الكافية المتوقعة من قبل القارئ وهذا يجعل السرد يفقد التوضيح في البناء أو الدلالة عند هذه النقطة.
وأخيرا ان رواية (دلشاد: سيرة الجوع والشبع) هي إنجاز سردي ذو بصمة في الأدب العربي المعاصر، خصوصًا على مستوى الخليج والعُمان تحديدًا. فهي رواية تجمع بين التاريخ والضمير الانساني بلغة متماسكة تنسج سردًا اجتماعيا يربط التاريخ بالذاكرة، والمكان بالوجدان.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
فلسفة الضحك وتجليات الهوية التاريخية في رواية دلشاد
(سيرة الجوع والشبع) للروائية بشرى خلفان
تندرج رواية (دلشاد: سيرة الجوع والشبع) الطبعة الثالثة والصدرة عن منشورات تكوين 2021 ضمن النصوص السردية التي تُعيد تشكيل الهوية التاريخية لعُمان والذاكرة الجمعية العُمانية في لحظة من لحظات تحوّلها التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهي ليست مجرد حكاية شخصية بحته لطفلٍ مبتور النسب (دلشاد) ، الطفل الذي يغزوه الجوع ويسلّيه الضحك بل سيرة لمدينةٍ بكاملها تحكى من خلال مصائر اناس من اصول متنوعة : البلوش واللوغان والزدجال والعرب، في زمنٍ يتذبذب بين الفقر والسلطة، والضحك والجوع، والعبودية والحرية.
اجتهدت الروائية من خلال هذا العمل في اعادة إحياء الهوية التاريخية العمانية من داخل اللغة والمعنى وحفنة من المشاعر المتأرجحة بين الحزن والفرح والرضا واليأس والفقد والحنين ، والصرخات الصامتة والألم المكبوت المتوارث عبر الأجيال وبحضور جغرافي واضح وقوي يؤثث ابعاد مسقط بين ثلاث حارات ترسمها ملامح الرواية (لوغان، ولجات، حارة الشمال) وكما وصف بول ريكور (السرد هو الذي يمنح الزمن والتاريخ معناه، ومن خلاله تتكوّن الهوية السردية للإنسان والمجتمع.) اذ تدغم الوقائع في النسيج السردي بطريقة فنية دون أن تخرجه من الاطار الادبي الذي حددت ابعاده في الرواية مسبقا ومنحته سياقًا تاريخيا حقيقيا ينطوي على فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وما حدث خلالها وما لحقها من احداث وتغيرات ، مع حقبة التواجد البريطاني ، والتباين الاجتماعي والثقافي، والعلاقات العامة بين العائلات، وأثر المرض والجوع والنزوح والحرب. ومع كل تلك التقلبات بالأحداث فأن التاريخ لم يُصاب بالهيمنة ولا التهميش بنفس الوقت ، بل بقي حاضرا باتزان كبطل متفرد بعيدا عن الشخصيات بل وينصهر في بنية الحكاية بانسيابية تجعل القارئ يعيش المناخ العام للرواية بأماكنها واحداثها وحواراتها ليس هذا وحسب بل و يستشعر كل التفاصيل مثل رائحة البحر، زقزقة المراكب، ضجيج الحارات، انهمار الأمطار على الأسطح، أحاديث النسوة في الفناء، صخب السوق وكما يذكر سعيد يقطين) الرواية التاريخية لا تُعيد التاريخ كما هو، وإنما تحوله إلى خطابٍ رمزي يعبر عن صراع الهويات وتحولات الوعي الجمعي) . وقد ذكرت الناقدة أسماء الكواري في دراستها عن الرواية (أن رواية دلشاد تجعل المكان بنية وجدانية، لا جغرافية، حيث تتحول مسقط من فضاءٍ خارجي إلى مرآة لوجع الإنسان العماني في النصف الأول من القرن العشرين)
تنطلق احداث الرواية مع دلشاد الذي يعني اسمه مسرور الفؤاد او سعيد القلب حيث ان (دل) تعني القلب و (شاد) تعني الفرح اذ جاء على لسان الشخصية في سياق السرد (حلفت امي اني خرجت من رحمها وانا اضحك وانها اسمتني فرحان كي اعاكس شؤم ولادتي لأب ملعون) فهو ليس بطلًا فحسب، بل هو بوابة إلى تاريخ نابض بالحياة ،و إلى مسقط التي تُحب وتكره، وإلى الأزقة والحارات التي تستعصي على النسيان. تتقاذفه الرياح في صباه بعد ان ولد داخل خيمة بائسة على الضفة الشرقية لحافة الوادي من لوغان، فيبتعد عن احلامه الطفولية، ويصطدم بمرارة الواقع بحركته الدائمة والمتنقلة بين حارة وأخرى ليكشف عن حقيقة المدينة وأهلها ؛ فلا نجده منفصلاً عن المكان بل عنوانًا له ومجسدا له بحذافيره ومرآة لتقلبات الزمن.
دلشاد على الرغم من انه فقد والدته بوقت مبكر الامرأة الضالة والمختلة عقلياً كما يصفها الجميع وعلى الرغم بانه لا يتذكر بأن له كان أباً لكنه كان يضحك في كل موقف يمر به، في الحزن والفرح، في الضياع والحيرة، حتى حين لا يعرف سبب الضحك فالضحك كان بمثابة الاستجابة لمعتركه الداخلي وهواجسه وافكاره، فيضحك حين يُهان، حتى يصبح الضحك جزءًا من تكوينه النفسي واحيانا رد فعل لقرصة الجوع التي لا تنفك عن جوفه الخاوي .لأنه ببساطة كبر مع الجوع ومع مرور الوقت تصالح معه حتى اصبح الشبع المتأخر لا يناسبه ولايليق به انتقل هذا الضحك كعدوى او لعنة الى زوجته (نورجيهان) التي انسلت روحها وهي تسلم مولودتها (مريم) الى دلشاد فتلاففتها ايادي نساء اخريات اللواتي اصبحن لها امهات فيما بعد، فقد كانت الضحكة ليست مجرّد هزلٍ وعبث، بل هي الحالة الوجودية التي لا تُقاوم. ابنته مريم عند ولادة ، نجت من جوعها الأول بأعجوبة لكن الجوع صار ملازما لها الى الابد حتى أصبحت كائن يتزامن داخله حالة من الضحك والجوع بذات الوقت فهي لم تكن مجرد امتدادًا لوالدها دلشاد فقط بل تكرارًا وامتدادًا لقضيته وحياته.
ان الجوع لم يكن كدلالة مادية على الفقر فقط ، بل هي الثيمة المركزية في الرواية التي تجسدت بدلالات متعددة مثل الجوع إلى الأب، الجوع إلى الحنان، الجوع إلى الانتماء، الجوع إلى الكرامة ، أي انه ليس جوعًا إلى الطعام فقط ، بل هو جوع وجودي و روحي يسري مع الدماء فـ(دلشاد) لا يفتقر إلى الخبز فحسب، بل إلى الانتماء ذاته كذلك الحال بالنسبة لمريم و كما جاء في السرد على لسانها (قاس هو الجوع قاس وقبيح ومثلي يقف عاريا بلا اب) وكما قال جان بول سارت (الجوع هو أول ما يجعل الإنسان يدرك أنه موجود في عالم لا يعبأ به) وقد تجلى الجوع في رسم كل الشخصيات فهم كانوا بمثابة أصداء للجوع المتعدد (حميد عبدالله) الجوع عنده ليس إلى الطعام، بل إلى المكانة.فقد كان يعيش شعورًا دائمًا بالدونية الطبقية، ويغادر مسقط بحثًا عن ثوب يناسبه كما يقول.اما (ما مويزي) فقد كان جوعها هو جوع الحرية تُنتزع من أمها عبدة وتُباع وتُشترى، لكنها تختار أمومة رمزية بدلًا من زواج قسري، فيتحول جسدها إلى بيان صامت ضد الاسترقاق.
(نورجيهان ومريم) الجوع فيهما أنثوي مزدوج، جوع إلى الأمان وإلى استمرار الضحك في وجه القهر.فتتحول هذه الشخصيات جميعًا إلى مرايا لوجهٍ واحد من الجوع، لتتشكل منها سيرة جمعية تتجاوز دلشاد وتنتقل إلى وطنٍ بأكمله.
ومن جهة أخرى فان الضحك لم يكن مجرد ردّ فعل طبيعي، بل هو مقاومة، وسلاح للبقاء و تهريج وجودي أمام الفقر والمصير والواقع المرير فقد كان ضحك مر و مؤلم، وأحيانًا لا معنى له إلا أنه الوسيلة لبقاء دلشاد ومريم وللرد على القهر.
وفي الرواية نجد ان الضحك قد كان ينجح أحيانًا، ويُهزم في أحيانٍ أخرى فقد أصيب دلشاد بنوبة من الصرع عندما اصبح الضحك وسيلة هشة ولا قيمة لها أمام أشكال المعاناة التي اختبرها. وكما قال محمود درويش (الضحك شكل من أشكال البكاء حين نتعب من اللغة( ويقول فرانز كافكا (نضحك أحيانًا لا لأننا سعداء، بل لأننا نعلم أن لا جدوى من الجِدّ في عالمٍ كهذا)
ومن هذا المنطلق يبرز جوهر الرواية، الا وهو هذه التزامن الدقيق بين الجوع والضحك كثيمة واضحة للرواية: فالفقر إذا زاد، فإنّ الضحك يعلو ويعلو، ليُصبح صوتًا للتمرد وللانتفاضة وللتنفيس المؤقت عن معاني الجوع الكثيرة. لكن حين يعجز الضحك عن التعبير ويتهالك الجسد وقتها ستغزوه فيوض الحزن ويعاود الصمت سلطته.
وقد عملت الروائية على صياغة هذه الثنائية بمعرفة فلسفية دقيقة، تذكر القارئ بقراءة هنري برجسون في كتابه الضحك: بحث في دلالة المضحك، حيث يرى ان الضحك فعلًا عقليا لا وجدانيا، وآلية دفاع ضد الجمود والخوف.
كما و تتقاطع الرواية مع نظرية التنفيس لفرويد، التي تعتبر الضحك تفريغا لطاقة نفسية مكبوتة و من هنا يصبح ضحك دلشاد وابنته مريم فعلاً وجوديًا أكثر منه فعلاً ترفيهيًا فهو ضحك ضد الموت و الجوع و القدر.
ويرى الناقد يوسف ضمرة أن الرواية (تحقق معادلة دقيقة بين التوثيق والتخييل، فتقدم التاريخ الإنساني لا كحدث بل كجوعٍ مستمر إلى الحياة).
من الناحية التقنية للسرد فقد اختارت الكاتبة أن تكون روايتها متعددة الأصوات (بوليفونية) وفق المفهوم الباختيني، إذ يمنح هذا التنوع السردي لكل صوت استقلاله، مع بقاء الانسجام العام للنص. وهكذا تتجاوز الرواية المنظور الأحادي إلى نظرة بانورامية تتيح رؤية متعدّدة للمجتمع العُماني بين الحربين العالميتين.
فيكون السرد في تنقل دائم بين أصوات الشخصيات التي تتناوب بالظهور، ليُستعاد السرد من جديد بصيغة و رؤية جديدة لتعبر الشخصيات عن تعدد الطبقات الاجتماعية وتداخل المصائر ففي النهاية هي ليست رواية لأبطال مطلقون بل حكاية واحدة تُتداولها الأصوات تُضاف إلى نسيجها وتروي الحكاية من الناحية النفسية والاجتماعية ومن منظورها الشخصي ومشاعرها وتثبت في ذاكرة القارئ. ميلان كونديرا من كتاب فن الرواية: (الرواية العظيمة ليست أغنية منفردة، بل سمفونية تتناوب فيها الأصوات لتكشف عن تعدّد الوجود الإنساني) وكما وصف عبد الرحمن منيف (في الرواية لا يمكن أن يكون الجميع على صوت واحد، لأن الحياة نفسها فوضى من الأصوات والوجوه) فقد تميزت بشرى خلفان ببناء لغوي متوازن يجمع بين البساطة والثراء كذلك ينتقل السرد بين فصحى سلسة ولهجة محلية مما أضفى مصداقية على الشخصيات دون أن يخل بصفاء النص الأدبي ودون أن تحدث كسراً في الإيقاع أو انقطاعاً في التلقي.
فبالإضافة إلى دلشاد ومريم، هناك شخصيات لا تقل أهمية ولا يمكن وصفها على انها ثانوية فحسب، لانها تُشكل أبعاد النص وتُحرّكه مثل (حميد عبدالله)، العاشق المتواري الذي يرزح تحت شعور الدونية، أو (ما حليمة) التي احتضنت دلشاد مع أولادها عيسى ونورية وحسين، أو (ما مويزي) التي تجسد معنى الاسترقاق والمقاومة والكثير من الشخصيات الأخرى مثل (بتول قاسم فريدة ناصر بن صالح حسن لبن فردوس عبداللطيف). كل هذه الأصوات تلتقي معا وتروي حكاية لتشكل بانوراما مجتمعية حافلة لا ترسم خريطة جغرافية وتاريخا لمسقط فقط، بل تمثل مأزق إنساني ومعترك جمعي وجودي .
ومن الجدير بالذكر أن الكاتبة لا تغفل اللهجة المحلية، وتُوظفها بلا إرباك او تشويش للمتلقي العربي وان هذا التضمين اللغوي لا يبدو اعتماده كزخرفة فقد، بل يعزز الشعور بالمكان والهوية وتتيح المجال لكل شخصية ان تعبر عن نفسها بلغتها ويصف غابرييل غارسيا ماركيز)حين تتكلم الشخصيات بلغتها الخاصة، تصبح الرواية أكثر صدقًا من المؤلف ذاته) ويمكن ايجاز نقاط القوة في الرواية تعدد الأصوات والفاعلية السردية فالرواية جعلت من الرواة واصواتهم نوافذ إبداعية مختلفة تطل على الحدث لتعبر عنه وتسرده وفقا لرؤيتها الشخصية دون أن تتفتت. وبالتالي فتقنية تعدد الأصوات كانت من عوامل التشويق الابداع الفني في بناء الرواية. اما بالنسبة للغة فكانت تتسم بالإحساس العالي والبساطة في آن لا مبالغة في الزخرفة و لكنها غنية بالتوصيف الذي يجعل المشهد يُرى ويُشم ويُسمع. اما فكرة تأطير الرواية بالتاريخ الاجتماعي اظهر قدرة الكاتبة على تجسيد وتوثيق العادات، والطقوس، والبيع، والأسواق، والسفر، والمآتم، دون أن يصبح السرد ممل ولقد اظهر السرد تماهياً وامتزاجاً ساحراً بين الشخصيات والمكان فلم تتشكل شخصية بذاتها بمعزل عن الحارات، ولا الحارة يمكن ان تُروى او توصف بمعزل عن من يسكنها. ان هذا التداخل يمنح الرواية وحدة موضوعية.
من جانب اخر فأن نقاط الضعف تمحورت حول عدة محاور أولها السرد الذي اتسم بالإيقاع البطيء و الممل عند بعض القراء الذين يبحثون عن حبكة ظاهرة و سريعة بالإضافة الى ان أن التشعب في الانتقالات بين الأصوات المتعددة يتطلب تركيزًا إضافياً من قبل القراء. خصوصاً عند ظهور بعض الشخصيات واختفاؤها بشكل مفاجئ دون تهيئة كافية في السرد ، كذلك غياب التتابع الزمني الصريح في بعض الأحيان قد يشتت ذهن القارئ، مع ترك النهاية مفتوحة كأنها تمهيد لجزء ثانٍ و الإغفال عن التوسع في بعض القضايا الحساسة والمعقدة (كالسحاقية أو تجارب الهوية الحميمية) فلم تعالجها بشكل تام او تمنحها المساحة السردية الكافية المتوقعة من قبل القارئ وهذا يجعل السرد يفقد التوضيح في البناء أو الدلالة عند هذه النقطة.
وأخيرا ان رواية (دلشاد: سيرة الجوع والشبع) هي إنجاز سردي ذو بصمة في الأدب العربي المعاصر، خصوصًا على مستوى الخليج والعُمان تحديدًا. فهي رواية تجمع بين التاريخ والضمير الانساني بلغة متماسكة تنسج سردًا اجتماعيا يربط التاريخ بالذاكرة، والمكان بالوجدان.
التعليقات