كان شاعرًا مغمورًا لا يعرفه أحد يُكتب ما يجول بخاطره ويدونه على الورق .لا أحد يعرف متى بدأ يكتب ولا من علمه أن يجعل الجملة تمشي على حافة الوجع دون أن تسقط فيه كان يقول :ملامحي تتساقط على الورق ،الشعر نبض أعيش عليه يمدني الحياة هو لايحتاح شاهدًا،يكتب ثم يكتب ويكتب ثم يقبل الورقة ويتنفس عطر الحبر فيها في غرفته الصغيرة فوق سطح بناية قديمة عبر نافذة واحدة تطل على أسطح متشابهة وغسيلٍ يتحرك مع الريح وقططٍ تعرف طريقها أكثر منه.
في الصباح يضع كوب الشاي إلى جوار دفتـره، ويكتب.
قصيدة تترجم أوجاعه تحاكي امرأة لم تأتِ بعد
يعاتب أبيه الراحل بحروفه وكذلك المدينة التي لا تحفظ أسماء أبنائها،وقصيدة طويلة جدًا عن إرهاصاته الحياتية ، لكنه لم يكتب اسمه في نهايتها.كان يعرف أن القصائد مسماة باسم شاعرها لكنه لم يكن يعرف أن المشهد الأدبي في عصرنا يحتاج أحيانًا إلى قصائد تعرفهم من هو مبدعها ذات مساء شاهد إعلان في فيس بك يعلن عن أمسية شعرية .ذكر أسماء شعراء كثيرين.علق لهم ألق دائم،بالتوفيق ،ستكون أمسية مميزة و…..
ثم قيل:
— ويشارك في الأمسية عدد من أبرز الأصوات الشعرية…
ابتسم. أغلق متصفحه لم يكن غاضبًا.كان فقط يتساءل:
هل يصبح الشاعر شاعرًا حين يعلن اسمه؟
في اليوم التالي، حمل مجموعة قصائد كتبها خلال عشرين عامًا، وذهب إلى اتحاد الادباء انتظر ساعتين.
حين دخل قلب الموظف الصفحات بسرعة.
سأله:
— هل لديك متابعون؟
قال:
— لا.
— جوائز؟
— لا.
— مشاركات؟
— قليلة.
رفع الموظف عينيه.
— إذن لماذا نضيفك إلى برنامجنا؟
قال الشاعر:
— لأن لدي قصائد.
ابتسم الموظف ابتسامة مهنية.
— كل الذين يأتون إلينا لديهم قصائد.خرج،في الطريق مرّ أمام لوحة ضخمة معلقة على واجهة بناية صورة شاعر مشهور وتحتها اسمه، وتاريخ ميلاده، وتاريخ وفاته، واقتباس من إحدى قصائده،وقف طويلًا قرأ العبارة،ثم قال:— محظوظ أنت.
ولم يعرف هل كان يخاطب الشاعر أم العبارة.
مرت السنوات كبر شعراء آخرون،ظهرت منصات جديدة.
صار الشعر يُقرأ في قاعات مضاءة، وتحت عدسات الهواتف، وأمام جمهور يصفق قبل أن تنتهي القصيدة أحيانًا. أما هو ظل يكتب،ذات ليلة، مرض لم يجد من يذهب به إلى المستشفى اتصل بجاره.
قال:— أحتاج مساعدتك.جاء الرجل،وجد الشاعر جالسًا إلى جوار النافذة، والدفتر فوق ركبتيه. قال له:— لماذا لم تتصل بي من قبل؟أجاب: — كنت أريد أن أنهي قصيدة.
ضحك الجار:— حتى وأنت مريض؟قال:— القصيدة لا تعرف أنني مريض.بعد أيام مات.لم تُكتب عنه صحيفة ،لم تُنشر صورته،لم تعقد مؤسسة أمسية باسمه،لم يكتب ناقد: (رحل اليوم صوت شعري مهم)رحل بهدوء يشبه الطريقة التي عاش بها.لكن قبل موته بأسبوع، كان قد وضع جميع دفاتره في صندوق خشبي، وكتب على غطائه:
(إلى من يجدني بعد أن أنتهي)
بعد موته، بقي الصندوق سنوات في الغرفة،ثم انتقلت البناية إلى مالك جديد.وفي يوم من الأيام، كان أحد العمال ينظف السطح، فوجد الصندوق فتحه،قرأ أول قصيدة ثم الثانية ثم جلس،قرأ حتى غابت الشمس.
وفي اليوم التالي، أخذ الدفاتر إلى ابنته التي كانت تدرس الأدب قرأتها،ثم أعطتها لأستاذها قرأها الأستاذ،ثم أرسل قصيدة إلى شاعر يعرفه قرأها الشاعر وهكذا بدأت القصائد تسافر، لا باسم صاحبها،بل وحدها. بعد سنوات، ظهرت قصيدة على منصة أدبية،انتشرت،ثم انتقلت إلى منصة أخرى.ثم دخلت في كتاب مدرسي.
ثم كتب ناقد طويلًا عن (التحول في القصيدة العربية الحديثة) ووضع عنوانًا فرعيًا:
(الشاعر الذي لم يُعرف في حياته)
بحثوا عن اسمه،لم يجدوا إلا ثلاثة دفاتر قديمة وصورة باهتة وقلمًا جافًا.حتى تاريخ ميلاده لم يكن مؤكدًا.
أما تاريخ وفاته، فكتبوه تقريبًا. لكنهم حين وصلوا إلى السؤال الأهم:من كان هذا الشاعر؟لم يجدوا جوابًا.
كان قد مات قبل أن تمنحه المنصات اسمًا وقبل أن تمنحه المؤسسات مقعدًا،وقبل أن يمنحه التاريخ سطرًا.
ومع ذلك…بقيت قصيدته.
في آخر صفحة من آخر دفتر، وجدوا جملة لم تكن قصيدة:
(لا بأس أن أموت دون أن يعرفني أحد، لكن أخشى أن تموت قصيدتي معي)
ثم سطر آخر:
(إن وصلت إليكم يومًا، فلا تبحثوا عن اسمي… اقرأوها فقط)
ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يقرأون قصائده يختلفون في تفسيرها ،يكتبون عنها الدراسات ويضعونها في الكتب
ويبحثون عن صاحبها. لكن لا أحدًا يعرفه حقًا.فقد حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن يتوقعه: خلّد التاريخ قصيدته، ونسي الشاعر.
خلودٌ بلا اسم
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
خلودٌ بلا اسم
كان شاعرًا مغمورًا لا يعرفه أحد يُكتب ما يجول بخاطره ويدونه على الورق .لا أحد يعرف متى بدأ يكتب ولا من علمه أن يجعل الجملة تمشي على حافة الوجع دون أن تسقط فيه كان يقول :ملامحي تتساقط على الورق ،الشعر نبض أعيش عليه يمدني الحياة هو لايحتاح شاهدًا،يكتب ثم يكتب ويكتب ثم يقبل الورقة ويتنفس عطر الحبر فيها في غرفته الصغيرة فوق سطح بناية قديمة عبر نافذة واحدة تطل على أسطح متشابهة وغسيلٍ يتحرك مع الريح وقططٍ تعرف طريقها أكثر منه.
في الصباح يضع كوب الشاي إلى جوار دفتـره، ويكتب.
قصيدة تترجم أوجاعه تحاكي امرأة لم تأتِ بعد
يعاتب أبيه الراحل بحروفه وكذلك المدينة التي لا تحفظ أسماء أبنائها،وقصيدة طويلة جدًا عن إرهاصاته الحياتية ، لكنه لم يكتب اسمه في نهايتها.كان يعرف أن القصائد مسماة باسم شاعرها لكنه لم يكن يعرف أن المشهد الأدبي في عصرنا يحتاج أحيانًا إلى قصائد تعرفهم من هو مبدعها ذات مساء شاهد إعلان في فيس بك يعلن عن أمسية شعرية .ذكر أسماء شعراء كثيرين.علق لهم ألق دائم،بالتوفيق ،ستكون أمسية مميزة و…..
ثم قيل:
— ويشارك في الأمسية عدد من أبرز الأصوات الشعرية…
ابتسم. أغلق متصفحه لم يكن غاضبًا.كان فقط يتساءل:
هل يصبح الشاعر شاعرًا حين يعلن اسمه؟
في اليوم التالي، حمل مجموعة قصائد كتبها خلال عشرين عامًا، وذهب إلى اتحاد الادباء انتظر ساعتين.
حين دخل قلب الموظف الصفحات بسرعة.
سأله:
— هل لديك متابعون؟
قال:
— لا.
— جوائز؟
— لا.
— مشاركات؟
— قليلة.
رفع الموظف عينيه.
— إذن لماذا نضيفك إلى برنامجنا؟
قال الشاعر:
— لأن لدي قصائد.
ابتسم الموظف ابتسامة مهنية.
— كل الذين يأتون إلينا لديهم قصائد.خرج،في الطريق مرّ أمام لوحة ضخمة معلقة على واجهة بناية صورة شاعر مشهور وتحتها اسمه، وتاريخ ميلاده، وتاريخ وفاته، واقتباس من إحدى قصائده،وقف طويلًا قرأ العبارة،ثم قال:— محظوظ أنت.
ولم يعرف هل كان يخاطب الشاعر أم العبارة.
مرت السنوات كبر شعراء آخرون،ظهرت منصات جديدة.
صار الشعر يُقرأ في قاعات مضاءة، وتحت عدسات الهواتف، وأمام جمهور يصفق قبل أن تنتهي القصيدة أحيانًا. أما هو ظل يكتب،ذات ليلة، مرض لم يجد من يذهب به إلى المستشفى اتصل بجاره.
قال:— أحتاج مساعدتك.جاء الرجل،وجد الشاعر جالسًا إلى جوار النافذة، والدفتر فوق ركبتيه. قال له:— لماذا لم تتصل بي من قبل؟أجاب: — كنت أريد أن أنهي قصيدة.
ضحك الجار:— حتى وأنت مريض؟قال:— القصيدة لا تعرف أنني مريض.بعد أيام مات.لم تُكتب عنه صحيفة ،لم تُنشر صورته،لم تعقد مؤسسة أمسية باسمه،لم يكتب ناقد: (رحل اليوم صوت شعري مهم)رحل بهدوء يشبه الطريقة التي عاش بها.لكن قبل موته بأسبوع، كان قد وضع جميع دفاتره في صندوق خشبي، وكتب على غطائه:
(إلى من يجدني بعد أن أنتهي)
بعد موته، بقي الصندوق سنوات في الغرفة،ثم انتقلت البناية إلى مالك جديد.وفي يوم من الأيام، كان أحد العمال ينظف السطح، فوجد الصندوق فتحه،قرأ أول قصيدة ثم الثانية ثم جلس،قرأ حتى غابت الشمس.
وفي اليوم التالي، أخذ الدفاتر إلى ابنته التي كانت تدرس الأدب قرأتها،ثم أعطتها لأستاذها قرأها الأستاذ،ثم أرسل قصيدة إلى شاعر يعرفه قرأها الشاعر وهكذا بدأت القصائد تسافر، لا باسم صاحبها،بل وحدها. بعد سنوات، ظهرت قصيدة على منصة أدبية،انتشرت،ثم انتقلت إلى منصة أخرى.ثم دخلت في كتاب مدرسي.
ثم كتب ناقد طويلًا عن (التحول في القصيدة العربية الحديثة) ووضع عنوانًا فرعيًا:
(الشاعر الذي لم يُعرف في حياته)
بحثوا عن اسمه،لم يجدوا إلا ثلاثة دفاتر قديمة وصورة باهتة وقلمًا جافًا.حتى تاريخ ميلاده لم يكن مؤكدًا.
أما تاريخ وفاته، فكتبوه تقريبًا. لكنهم حين وصلوا إلى السؤال الأهم:من كان هذا الشاعر؟لم يجدوا جوابًا.
كان قد مات قبل أن تمنحه المنصات اسمًا وقبل أن تمنحه المؤسسات مقعدًا،وقبل أن يمنحه التاريخ سطرًا.
ومع ذلك…بقيت قصيدته.
في آخر صفحة من آخر دفتر، وجدوا جملة لم تكن قصيدة:
(لا بأس أن أموت دون أن يعرفني أحد، لكن أخشى أن تموت قصيدتي معي)
ثم سطر آخر:
(إن وصلت إليكم يومًا، فلا تبحثوا عن اسمي… اقرأوها فقط)
ومنذ ذلك اليوم، صار الناس يقرأون قصائده يختلفون في تفسيرها ،يكتبون عنها الدراسات ويضعونها في الكتب
ويبحثون عن صاحبها. لكن لا أحدًا يعرفه حقًا.فقد حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن يتوقعه: خلّد التاريخ قصيدته، ونسي الشاعر.
التعليقات