أعلى الرأس.. أسفل الخوذة

صورة الكاتب
بقلم: ابراهیم سبتي
التاريخ: 21 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3236
أعلى الرأس.. أسفل الخوذة

تأخذني العبرة وأكاد أجهش ببكاء مرّ وأنا أتذكّر كيف صاح بي آمر وحدتي في ظهيرة قائظة من يوم غفله التاريخ وصار نسياً منسيّاً.. اليوم الأخير من شهر تموز من أحد الأعوام التي نسيت هي أيضاً وصارت ذكرى خائبة في مفكّرة السنين العجاف. وهو آخر يوم لنزولنا من حفرة الصفيح إلى هواء نقيّ لنتنفّسه بعد فساد المكان لأكثر من أربعين يوماً. سوف نسير مئة متر برؤوس مطأطأة وظهور محنيّة. عشرة سيتركون قيظ الصفيح دفعة واحدة. الرؤوس النازلة ليست خيارنا، إنّه خيار وإرادة الموت.
الموت هنا الحقيقة الأولى في تاريخ حفرتنا والحفر المجاورة، أو لنقل هو خندق أعدّ لموتنا الجماعيّ. لا غيره يزورنا أو نزوره مطمئنّين راضين. ألفناه محلّقاً فوقنا أو متستّراً برداء الليل المخيف، فلا الليل لغفوتنا التي نتمنّى ولا النهار بأهون منه، كلاهما يتسيّدنا ونحن له طائعون لا حول لنا منه. لا من يرجى سؤاله عمّا يحدث! لا جواب عمّا يحدث! السؤال الأوّل ولا غيره: متى النزول من وحدتنا الساخنة إلى الأسفل الطليق؟ لا سؤال غير هذا نتداوله كلّ لحظة. وعندما نيأس من دوران الكلمات فوق رؤوسنا ولا مجيب نرتضي بالهوان يسري في دواخلنا ولا من صادّ له ولا مخلّص.
الأجوبة هنا قصيرة جدّاً تذكّرنا دوماً بما يريده مدرّس اللغة الإنجليزيّة منّا حين يقول: الإجابة كلمة واحدة لا غيرها! لا أدري ما الذي يذكّرني بذاك الطيّب الهزيل وهو يذرع الصفّ بقامته الفارعة وصوته كأنّه ينساب من الأعالي يصعب سماعه. ولا أدري أين هو من هذا الموت الآن ولو أنّه بعيد عنّا! بعيد؟ ولكنّنا كالمسافرين في عربة واحدة يصيبنا ما يصيبه حتماً. صفنت مرّة وأنا أسمع دويّ الرعب، لماذا كلّ ذلك؟ ليس من مجيب على سؤالي لأنّه كان خفيّاً في دواخلي أخشى إظهاره!
عشرة برؤوس زاولت لعبة الخوف بضمائر مبرّدة، هنا كلّ شيء يتحوّل إلى خسارات متلاحقة: الصمت، الجنون، الخوف.. ما عليك إلّا أن تصدّق ما يحدث وغير ذلك ستندم. مكابدات وأنين الحسرات لا تنقطع في ليل بهيم أو نهار كالح، فكلاهما سيّان. الصفيح من فوقنا وتراب الحفرة من تحتنا. عشرة سوف يقطعون الليل بأجسام منهكة تحمل رؤوساً متدلّية مئة متر أو يزيد قليلاً حتّى بلوغ منطقة يكون الرأس فيها قد استعاد وضعه، والأجساد ستستقيم دون انحناء. مئة متر، يا لهولها! كيف سنقطعها تحت أنظار الموت الشاخص دوماً؟
في ظهيرة القيظ وتحت مسخّن الصفيح اللاهب، يصيح بي آمري من متر خلفي خارج الملجأ. لم أشأ الردّ عليه أو الخروج من حفرة أبعادها متران في متر واحد. لا أدري من أين جاءت فكرتي بعدم الردّ! مع أنّي كنت أحزم ما تيسّر لي من أحمال ترافقني في مغادرتي. صاح مرّة أخرى وأخرى، ضجّ المكان بصراخه وهيجانه. لم أستقبل تخرّصاته بشيء من الاكتراث. لم أعبأ به وبغضبه لكنّه هدّدني بالعقوبة. العقوبة هنا أكثر مأساويّة وفجيعة من الموت نفسه: قطع الإجازات والحرمان من النزول إلى مدننا البعيدة هي عقوبتهم المثلى! قطع الأعناق ولا قطع الإجازات. قلت إنّها عقوبة مميتة لشخص مثلي يريد أن يتنفّس هواءً منعشاً نقيّاً وينسى أزيز الموت الجاري كالنبع لا ينقطع.
لم أهتمّ بأيّ كلام صدر منه. كنت منشغلاً بعدّتي وبعض متاعي الذي سأحمله معي لحظة وضع ورقة الإجازة في جيبي. الآخرون الذين سيسمح لهم بالنزول تسعة، وهذا عدد ضخم لوجبة واحدة، الوجبات الأخرى كانت لا تتجاوز الخمسة. صاح وعربد وانهال عليّ بالسباب والشتائم. لم يثرني طالما لم أره ولم يرني وكلّ ما يحدث كان من خارج حفرة الصفيح. كم من الوقت يستغرق جمع عدّة السفر؟ دقائق معدودات قد لا تتجاوز غيرها. قلت ما ضرّ لو أجبته؟ ما نفع العناد وأنا مقبل على اجتياح عالم الهواء النقيّ بعد لحظات؟ كنت لا أتأخّر دقيقة واحدة حين يأمرني بشيء لأنّه آمري وله كلّ الحقّ في معاقبتي وربما حرماني من النزول إلى مدينتي التي تبعد مسافة أكثر من يوم في الطريق مجازاً مسروراً.
لم أفكّر طيلة خدمتي أن أعصي أمراً ما مهما كان صعباً أو خفيفاً رغم هول اللحظات وتطاير شظايا الموت في أرجائنا. حين أدنو منه أحياناً أشعر بضآلتي أمامه. لا أعرف لماذا تأتيني تلك الدونيّة مع أنّي لم أرتكب إثماً أعاقب عليه، ولكنّه لا يتذكّر مرّة أنّي فعلت له شيئاً لم يفعله غيري عندما خلّصته من مأزق! لا بل من لحظة يمكن أن يتلاشى كلّ شيء في جسده ويصير مثل ذرّات تختلط بالتراب وينتهي كلّ شيء! لحظة تطيح بكلّ عنفوانه وتكلّفه المصطنع. مؤكّد أنّه لم ينس تلك اللحظة ما بقي حيّاً. إنّه لا يريد كسر مهابته المهلهلة أمامي. تغافله يجعلني صغيراً لا حجم لي وأكاد أركل نفسي أو أقتلها من شدّة تخاذلي المرير.
لا يتذكّر ولو لمرّة أنّي سحبته من ياقته وأرديته ملفّعاً بتراب الأرض الميّتة المقفرة وألقيت بنفسي بجانبه صارخاً كالملسوع حينما شككت بشيء مدفون ناتئ قليلاً أمامنا نقترب منه ونحن نتّجه خلفاً إلى موقع الطبابة سائرين لعيادته من حمّى انتابته. لم يرتض لنفسه وقتها أن يطاح به أرضاً حتّى لو كان فم الموت على وشك ابتلاعه. صرخ بي ولعن اليوم الذي جئت فيه إلى وحدته منقولاً من وحدة أخرى! لكنّي سمعت في هياجه بضع كلمات يتوعّدني فيها. كان يرتدي بزّة كاكيّة مرصّعة بنجوم مذهّبة. شتم وعربد وصرخ كأنّه وحش فلت من قفصه المقضبن بالفولاذ. هدأت فورته وطلب تفسيراً لما ارتكبته بحقّه. كلمتان فقط أطلقتهما ببرودة أعصاب لا نظير لها: إنّه لغم سيّدي!
وجهه غاص في ذهول وخوف وغزت صفرة مفاجئة وجهه الحنطيّ! لحظات وحاول إعادة هيبته إلى وضعها أمامي رغم أنّي أعرف تكلّفه في ذلك وأنّه يرتجف وأكاد أسمع اصطكاك أسنانه بوضوح. لم يتكلّم وأخذته صفنة عظمى لم أره بمثلها قبل ذلك قطّ. ردّ بتلعثم: لا يخيفني!! أحسست أنّه يداري خوفه وعجزه وحيرته أمام رهبة الموقف. لم أكترث لردّه الذي أراد به تجريدي من لحظة إنقاذ ستحسب لي حتماً لكنّي لن أتكلّم عن هذا الموقف، وخمّنت أنّه يريد أن يشير بالفضل لي في إنقاذه. ما زلت ألملم أغراضي ولكنّي لأوّل مرّة قرّرت الردّ عليه وإنهاء زمجرته: سأخرج بعد دقيقتين!
لم يعجبه ردّي لكنّ الهدوء ساد للحظات. دهشت؛ انقطع خيط الهدوء بلعلعة الرصاص المتدفّق نحو صفيح الحفرة! صار السقف كغربال. دخلت خيوط الشمس من ثقوب الصفيح. تنحّيت جانباً فزعاً من موت قريب منّي. صرخت أنا ولا أحد سواي، أكاد أموت من خوف مفاجئ، أجبته: نعم! لم يرد! أخرجت رأسي المعتمر بخوذة كالمتلصّص أحاول معرفة ما يحدث.. كان مصوّباً بندقيّة نحوي!
أوّل مرّة أرى فوّهة مصوّبة نحوي، انسابت أمامي كلمات العريف أوّل دخولي الخدمة، كان يقول دائماً: لا تصوّب فوّهة البندقيّة أمام زميلك حتّى ولو أثناء الصيانة وهي فارغة فقد تخرج طلقة محشورة ليست في حسبان أحد! شعرت برجفة خوف تسري في داخلي.. قلت له متوسّلاً: أبعدها أرجوك! لم يكترث لكنّه قال بشيء من التحدّي: تكسر كلامي؟ لا طاعة لي بعد الآن أمام الآخرين بسببك! ارتجفت مثل نبتة هزيلة في ريح هائجة، أجبته بلهجة الطائع الخجول: أمرك، ما تطلب منّي؟ ردّ بعنفوان وتعالٍ: فات الأوان، لا أريد إلّا التخلّص منك!
كانت الفوّهة مصوّبة نحو رأسي الظاهر من الحفرة، ولكنّي فجّرت مكامن في مخيّلتي المنهارة وقلت بخشوع: لقد أنقذت حياتك ذات مرّة! ربّما لو لم أفعلها لكنت أنت الآن ذكرى تمرّ كسحابة عابرة! شعرت بأنّ الوجه المكفهرّ عاد متراخياً ورأيت يده تهبط نحو الأسفل، حينها أمرني بالتوجّه زاحفاً على بطني بين الأحجار والحصى إلى حلّاق الوحدة ليحلق شعر رأسي نمرة صفر وأحبس ثلاثة أيّام وأحرم من إجازتي الدوريّة

عن الکاتب / الکاتبة

ابراهیم سبتي
ابراهیم سبتي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أعلى الرأس.. أسفل الخوذة

بقلم: ابراهیم سبتي | التاريخ: 21 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

تأخذني العبرة وأكاد أجهش ببكاء مرّ وأنا أتذكّر كيف صاح بي آمر وحدتي في ظهيرة قائظة من يوم غفله التاريخ وصار نسياً منسيّاً.. اليوم الأخير من شهر تموز من أحد الأعوام التي نسيت هي أيضاً وصارت ذكرى خائبة في مفكّرة السنين العجاف. وهو آخر يوم لنزولنا من حفرة الصفيح إلى هواء نقيّ لنتنفّسه بعد فساد المكان لأكثر من أربعين يوماً. سوف نسير مئة متر برؤوس مطأطأة وظهور محنيّة. عشرة سيتركون قيظ الصفيح دفعة واحدة. الرؤوس النازلة ليست خيارنا، إنّه خيار وإرادة الموت.
الموت هنا الحقيقة الأولى في تاريخ حفرتنا والحفر المجاورة، أو لنقل هو خندق أعدّ لموتنا الجماعيّ. لا غيره يزورنا أو نزوره مطمئنّين راضين. ألفناه محلّقاً فوقنا أو متستّراً برداء الليل المخيف، فلا الليل لغفوتنا التي نتمنّى ولا النهار بأهون منه، كلاهما يتسيّدنا ونحن له طائعون لا حول لنا منه. لا من يرجى سؤاله عمّا يحدث! لا جواب عمّا يحدث! السؤال الأوّل ولا غيره: متى النزول من وحدتنا الساخنة إلى الأسفل الطليق؟ لا سؤال غير هذا نتداوله كلّ لحظة. وعندما نيأس من دوران الكلمات فوق رؤوسنا ولا مجيب نرتضي بالهوان يسري في دواخلنا ولا من صادّ له ولا مخلّص.
الأجوبة هنا قصيرة جدّاً تذكّرنا دوماً بما يريده مدرّس اللغة الإنجليزيّة منّا حين يقول: الإجابة كلمة واحدة لا غيرها! لا أدري ما الذي يذكّرني بذاك الطيّب الهزيل وهو يذرع الصفّ بقامته الفارعة وصوته كأنّه ينساب من الأعالي يصعب سماعه. ولا أدري أين هو من هذا الموت الآن ولو أنّه بعيد عنّا! بعيد؟ ولكنّنا كالمسافرين في عربة واحدة يصيبنا ما يصيبه حتماً. صفنت مرّة وأنا أسمع دويّ الرعب، لماذا كلّ ذلك؟ ليس من مجيب على سؤالي لأنّه كان خفيّاً في دواخلي أخشى إظهاره!
عشرة برؤوس زاولت لعبة الخوف بضمائر مبرّدة، هنا كلّ شيء يتحوّل إلى خسارات متلاحقة: الصمت، الجنون، الخوف.. ما عليك إلّا أن تصدّق ما يحدث وغير ذلك ستندم. مكابدات وأنين الحسرات لا تنقطع في ليل بهيم أو نهار كالح، فكلاهما سيّان. الصفيح من فوقنا وتراب الحفرة من تحتنا. عشرة سوف يقطعون الليل بأجسام منهكة تحمل رؤوساً متدلّية مئة متر أو يزيد قليلاً حتّى بلوغ منطقة يكون الرأس فيها قد استعاد وضعه، والأجساد ستستقيم دون انحناء. مئة متر، يا لهولها! كيف سنقطعها تحت أنظار الموت الشاخص دوماً؟
في ظهيرة القيظ وتحت مسخّن الصفيح اللاهب، يصيح بي آمري من متر خلفي خارج الملجأ. لم أشأ الردّ عليه أو الخروج من حفرة أبعادها متران في متر واحد. لا أدري من أين جاءت فكرتي بعدم الردّ! مع أنّي كنت أحزم ما تيسّر لي من أحمال ترافقني في مغادرتي. صاح مرّة أخرى وأخرى، ضجّ المكان بصراخه وهيجانه. لم أستقبل تخرّصاته بشيء من الاكتراث. لم أعبأ به وبغضبه لكنّه هدّدني بالعقوبة. العقوبة هنا أكثر مأساويّة وفجيعة من الموت نفسه: قطع الإجازات والحرمان من النزول إلى مدننا البعيدة هي عقوبتهم المثلى! قطع الأعناق ولا قطع الإجازات. قلت إنّها عقوبة مميتة لشخص مثلي يريد أن يتنفّس هواءً منعشاً نقيّاً وينسى أزيز الموت الجاري كالنبع لا ينقطع.
لم أهتمّ بأيّ كلام صدر منه. كنت منشغلاً بعدّتي وبعض متاعي الذي سأحمله معي لحظة وضع ورقة الإجازة في جيبي. الآخرون الذين سيسمح لهم بالنزول تسعة، وهذا عدد ضخم لوجبة واحدة، الوجبات الأخرى كانت لا تتجاوز الخمسة. صاح وعربد وانهال عليّ بالسباب والشتائم. لم يثرني طالما لم أره ولم يرني وكلّ ما يحدث كان من خارج حفرة الصفيح. كم من الوقت يستغرق جمع عدّة السفر؟ دقائق معدودات قد لا تتجاوز غيرها. قلت ما ضرّ لو أجبته؟ ما نفع العناد وأنا مقبل على اجتياح عالم الهواء النقيّ بعد لحظات؟ كنت لا أتأخّر دقيقة واحدة حين يأمرني بشيء لأنّه آمري وله كلّ الحقّ في معاقبتي وربما حرماني من النزول إلى مدينتي التي تبعد مسافة أكثر من يوم في الطريق مجازاً مسروراً.
لم أفكّر طيلة خدمتي أن أعصي أمراً ما مهما كان صعباً أو خفيفاً رغم هول اللحظات وتطاير شظايا الموت في أرجائنا. حين أدنو منه أحياناً أشعر بضآلتي أمامه. لا أعرف لماذا تأتيني تلك الدونيّة مع أنّي لم أرتكب إثماً أعاقب عليه، ولكنّه لا يتذكّر مرّة أنّي فعلت له شيئاً لم يفعله غيري عندما خلّصته من مأزق! لا بل من لحظة يمكن أن يتلاشى كلّ شيء في جسده ويصير مثل ذرّات تختلط بالتراب وينتهي كلّ شيء! لحظة تطيح بكلّ عنفوانه وتكلّفه المصطنع. مؤكّد أنّه لم ينس تلك اللحظة ما بقي حيّاً. إنّه لا يريد كسر مهابته المهلهلة أمامي. تغافله يجعلني صغيراً لا حجم لي وأكاد أركل نفسي أو أقتلها من شدّة تخاذلي المرير.
لا يتذكّر ولو لمرّة أنّي سحبته من ياقته وأرديته ملفّعاً بتراب الأرض الميّتة المقفرة وألقيت بنفسي بجانبه صارخاً كالملسوع حينما شككت بشيء مدفون ناتئ قليلاً أمامنا نقترب منه ونحن نتّجه خلفاً إلى موقع الطبابة سائرين لعيادته من حمّى انتابته. لم يرتض لنفسه وقتها أن يطاح به أرضاً حتّى لو كان فم الموت على وشك ابتلاعه. صرخ بي ولعن اليوم الذي جئت فيه إلى وحدته منقولاً من وحدة أخرى! لكنّي سمعت في هياجه بضع كلمات يتوعّدني فيها. كان يرتدي بزّة كاكيّة مرصّعة بنجوم مذهّبة. شتم وعربد وصرخ كأنّه وحش فلت من قفصه المقضبن بالفولاذ. هدأت فورته وطلب تفسيراً لما ارتكبته بحقّه. كلمتان فقط أطلقتهما ببرودة أعصاب لا نظير لها: إنّه لغم سيّدي!
وجهه غاص في ذهول وخوف وغزت صفرة مفاجئة وجهه الحنطيّ! لحظات وحاول إعادة هيبته إلى وضعها أمامي رغم أنّي أعرف تكلّفه في ذلك وأنّه يرتجف وأكاد أسمع اصطكاك أسنانه بوضوح. لم يتكلّم وأخذته صفنة عظمى لم أره بمثلها قبل ذلك قطّ. ردّ بتلعثم: لا يخيفني!! أحسست أنّه يداري خوفه وعجزه وحيرته أمام رهبة الموقف. لم أكترث لردّه الذي أراد به تجريدي من لحظة إنقاذ ستحسب لي حتماً لكنّي لن أتكلّم عن هذا الموقف، وخمّنت أنّه يريد أن يشير بالفضل لي في إنقاذه. ما زلت ألملم أغراضي ولكنّي لأوّل مرّة قرّرت الردّ عليه وإنهاء زمجرته: سأخرج بعد دقيقتين!
لم يعجبه ردّي لكنّ الهدوء ساد للحظات. دهشت؛ انقطع خيط الهدوء بلعلعة الرصاص المتدفّق نحو صفيح الحفرة! صار السقف كغربال. دخلت خيوط الشمس من ثقوب الصفيح. تنحّيت جانباً فزعاً من موت قريب منّي. صرخت أنا ولا أحد سواي، أكاد أموت من خوف مفاجئ، أجبته: نعم! لم يرد! أخرجت رأسي المعتمر بخوذة كالمتلصّص أحاول معرفة ما يحدث.. كان مصوّباً بندقيّة نحوي!
أوّل مرّة أرى فوّهة مصوّبة نحوي، انسابت أمامي كلمات العريف أوّل دخولي الخدمة، كان يقول دائماً: لا تصوّب فوّهة البندقيّة أمام زميلك حتّى ولو أثناء الصيانة وهي فارغة فقد تخرج طلقة محشورة ليست في حسبان أحد! شعرت برجفة خوف تسري في داخلي.. قلت له متوسّلاً: أبعدها أرجوك! لم يكترث لكنّه قال بشيء من التحدّي: تكسر كلامي؟ لا طاعة لي بعد الآن أمام الآخرين بسببك! ارتجفت مثل نبتة هزيلة في ريح هائجة، أجبته بلهجة الطائع الخجول: أمرك، ما تطلب منّي؟ ردّ بعنفوان وتعالٍ: فات الأوان، لا أريد إلّا التخلّص منك!
كانت الفوّهة مصوّبة نحو رأسي الظاهر من الحفرة، ولكنّي فجّرت مكامن في مخيّلتي المنهارة وقلت بخشوع: لقد أنقذت حياتك ذات مرّة! ربّما لو لم أفعلها لكنت أنت الآن ذكرى تمرّ كسحابة عابرة! شعرت بأنّ الوجه المكفهرّ عاد متراخياً ورأيت يده تهبط نحو الأسفل، حينها أمرني بالتوجّه زاحفاً على بطني بين الأحجار والحصى إلى حلّاق الوحدة ليحلق شعر رأسي نمرة صفر وأحبس ثلاثة أيّام وأحرم من إجازتي الدوريّة