على المقعدِ الذي جلسنا عليه،
أفتحُ وجوهَ العابرين
واحدًا واحدًا،
أبحثُ في جيوبهم
عن شيءٍ نجا منكِ.
لا شيء.
أسألُ الريحَ
التي مرّت على بابكِ:
هل ما زالت تعرفُ الطريق؟
لا تجيب.
حتى النهرُ
بدأ غريبًا.
كان، كلما جلسنا بجواره،
يمدُّ أكفَّهُ إلينا،
أما الآن،
فيمرُّ بي
دون أن يلتفت،
كأنّه نسي
أننا كنّا هنا.
منذ غبتِ،
والأشياءُ تتخفّفُ مني
واحدةً واحدة.
الطرقاتُ
صار لها أسماءٌ أخرى.
المقاعدُ
تنهضُ من مكانها
حين أمرّ.
رائحةُ القهوة
تناديني باسمٍ
ليس اسمي.
وكلُّ ما ألمسه
يتركُ في يدي
مسافةً أخرى.
كلما مددتُ يدي
إلى شيء،
ابتعد.
حتى السراب
صار له موعدٌ معي.
أراهُ من بعيد،
فأمضي نحوه
كأنّكِ تركتِ لي عنوانًا
ولا تريدينني أن أصل.
أقترب…
فلا أجدُ سوى
خطواتي
تعودُ إليَّ
وحيدة.
وفي الهواء
ثقبٌ على شكلِك.
كلما اتّسع،
ضاقَ بي العالم.
كلُّ وجهٍ أراه
يسرقُ ملامحَكِ
ثم يمضي.
صوتُكِ
يجيءُ من أفواهِ الغرباء.
أسمعه،
ولا ألتفت.
أعرفُ أنّني
لو التفتُّ
لن أجدكِ،
وسأجدُ الكرسيَّ
إلى جانبي،
باردًا.
وفي آخر الليل،
أسمعُ خطواتكِ
في الطابقِ العلوي.
لا أحدَ هناك.
لكنّي أتركُ البابَ مفتوحًا
كما تركتِهِ
يوم رحلتِ.
ثم يطلعُ الصباح.
أعودُ إلى المقعدِ
الذي جلسنا عليه،
فأجدُ كلَّ شيءٍ
في مكانه…
إلا أنا.
كأنّكِ حين رحلتِ
أخذتِ معكِ ظلّي،
وتركتِ لي جسدي
يقفُ في الضوء
وحيدًا.
وأجلس.
فيمرُّ النهرُ
غريبًا…
ولا يعرفني.
الحسین بن خلیل
د. ثائرة اكرم العكيدي
باقر طه الموسوي
التعليقات