الذات والاستلاب والواقع المأزوم في رواية «ما كان»

صورة الكاتب
بقلم: عباس لطیف
التاريخ: 4 نوفمبر 2026 عدد المشاهدات: 3460
الذات والاستلاب والواقع المأزوم في رواية «ما كان»

الذات والاستلاب والواقع المأزوم
في رواية «ما كان»

هل بإمكان الذات التماهي المطلق مع الآخر دون أن تفقد خصوصيتها وحريتها وكينونتها الكليّة؟ وكيف يكون التضاد والصراع بين الحب والحرية؟ وما الذي يجعل الذات المنكسرة أن ترمّم مساحتها وتفقد صوتها وما تراكم في أعماقها من هموم وانكسارات لكي تعبر نحو الآخر؟ ما الذي يبقى في خضم هذه الثنائيات المتضادة؟ وكيف يزدهر الحب وسط تداعيات الحرب وزمن الانفجارات العبثية والعدمية التي تحولت إلى عدوى ونسق مستديم؟ وسط هذه التأزمات لا يمكن للذات أن تتوهج وتستكين، وسيكون الحب غريبًا ومنفصلًا عن الواقع.. إنها إشكالية المسافة والمعنى والوجود.
هذه الأسئلة الوجودية الحادة تمثل جوهر ومضمون رواية «ما كان» للروائية اللبنانية نرمين الخنسا.
تعمل نورهان مترجمة، وهي تعشق الأدب وتمثل نموذجًا للمثقف الذي يعيش اغترابًا معقدًا. وسيميائية الاسم تحيل إلى معناه ودلالته؛ فاسم نورهان من أصل تركي، وله أصل عربي أيضًا، ومعناه ضوء القمر أو الملكة المضيئة المتوجة. تعمل نورهان مترجمة، وهي تعشق الأدب وتمثل نموذجًا للمثقف الذي يعيش اغترابًا معقدًا. وسيميائية الاسم تحيل إلى معناه ودلالته؛ فاسم نورهان من أصل تركي، وله أصل عربي أيضًا، ومعناه ضوء القمر أو الملكة المضيئة المتوجة. وتوظيف الاسم يكشف عن امرأة تراهن على التميز والفردانية الباذخة. ولذا نجدها مشدودة إلى سارتر وكتبه التي ترتكز على الفلسفة الوجودية، وجوهرها الفلسفي الذي يجد معنى وجود الإنسان مرتبطًا بالفردانية وتحقق شرط الحرية. وسارتر لا يجد معنى للإنسان دون امتلاك الذات والحرية لكي يتحقق وجود حقيقي للإنسان.
وتلك هي الشفرة التي تكمن في أعماق نورهان، وهي التي أدت إلى أن تكون ذاتًا رافضة لكل هيمنة أو امتلاك من الآخر.. أما سيميائية دلالة العنوان «ما كان»، فما معناها كاسم موصول بمعنى «الذي»؟ وقد توحي بمعنى النفي، أي نفي الماضي كموقف ضد مجرياته وأحداثه. وقد ينفتح المعنى الانزياحي إلى أن «كان» فعل ماضٍ ناقص، وقد يتأطّر الماضي بهذا النقص.
ووفق هذا المعنى، يمكن تفكيك قصدية العنوان والكشف عن النسق الدلالي والتأويل فيه. ونجد شخصية نورهان تعيش صراعات في ثنائية الماضي والحاضر، حتى تتحول الفصول الأخيرة في الرواية إلى سرد ارتدادي من خلال استحضار الماضي، الذي يتحول إلى نوع من الوعي والبرهنة على رفض الذات للماضي ومقاومتها للرسائل الإلكترونية التي تصلها عبر الهاتف، وهي تذكّرها بهذا الماضي الذي تجاوزته عبر مستوى وعي الذات والزمن.
تتعرض نورهان إلى تراكم من الضياع وقسوة الفراغ والاغتراب السيكولوجي، والأجواء التي تبعث على السكون والرتابة والملل. وربما تحيلنا هذه الملامح إلى شخصيات استثنائية قلقة تشبه آنا كارنينا، أو شخصية سكارليت أوهارا في الرواية الخالدة «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل، التي تقدم شفرة عميقة في المعنى الكلي للرواية: الحب هو الذي يبقى، وهو أهم وأجمل من الحرب. والرواية أيضًا تجسد الصراع الأهلي بين الجنوب والشمال الأميركي.
ونجد نورهان ملتصقة بصديقتها المزمنة منال، وهي زميلتها في دراسة اللغات، وهي الوجه الآخر لها، فكلاهما ترتبطان بالذات التي تبحث عن يقينها ووجدان الذات المؤطّر بالحرية، بعيدًا عن هيمنة الآخر.
وكلاهما رفضتا الحب وفق وصفة أو مقياس خارج الذات، ولا يمثّل ذهاب وليد وسامر خسارة لهما، بل يكشف عن ثبات داخلي وصلابة أنثوية لتأسيس الذات التي يصعب تدجينها وترويضها وفق قياسات وهيمنات النسق الذكوري القائم على محو الذات الأنثوية وفرض الامتلاك والوصاية، وتحويلها إلى كائن مستلب ومقموع ومراقب.
وهذه النوازع هي التي تعلن موت الحرية، الذي يعني موتًا حقيقيًا ورمزيًا للذات والمعنى.
وموت شقيق نورهان في حادث سير في دبي يحيل إلى قيمة وإشارة مهمة ترتبط بظاهرة الهجرة من الأوطان التي فقدت الكثير من خصائص الحياة والاستقرار، وتحولت إلى بيئة جاذبة للعدمية والاستحواذ والقبح المؤدلج!
وبعد ذلك موت سميح وإلهام، الأبوين المثاليين، ويمكن الانتباه إلى رمزية الأسماء ودلالاتها.
وينقسم الموت وتداعياته في الرواية إلى موت فسيولوجي (جسدي)، وإلى موت رمزي هو الموت السيكولوجي.
هذا ما كابدته نورهان ومنال، اللتان ظلتا دون نور ودون منال.
إن النسق الذكوري، متمثلًا بوليد وسامر، أراد استلاب الذات الأنثوية من نضارة كينونتها وتحويلها إلى البعد الشيئي، أي تسليع الذات. فالأول، استبد بتضخم ذاته واستلب حرية نورهان أراد محو الأنوثة. أما الآخر، فقد استبد بالهيمنة ومحو الذات من خلالها، وفصلها عن تراكمات الماضي، والمتمثلة بمعاناة منال من انفصال أمها وأبيها وشعورها بالضياع الوجودي. فبدل ترميم ذاتها المتماهية مع هذه المعاناة، أراد منها أن تسلخ ذاتها وتتحول إلى ذات مستعارة. هذه ملامح الاستلاب والهيمنة والنزعة التملكية التي جسدتها الرواية، وسعت من خلال الكشف إلى إدانتها، كما أدانت مأزومية الواقع الاجتماعي وبيئته وتاريخه، التي أدّت إلى ظهور هذه الإفرازات، وكأن الرجل تحول إلى شفرة ونتيجة من نتائج الاختلال السوسيوسيكولوجي، وتحول الناس إلى بيادق متخشبة أنتجها الواقع المكتظ بالصراعات والتناقضات. وقد ارتكزت البنية السردية في الرواية على السرد الموضوعي بصيغة ضمير الغائب، وصولًا إلى السرد الذي يوحي بدكتاتورية الراوي، كجزء من التماهي مع روح الهيمنة على الشخصيات والأحداث. واتسمت اللغة بالتدفق السردي، مع الميل إلى أناقة المفردات وتوهجها، والاقتراب من الأداء الشاعري بسبب التعلق بالروح ووصف الهواجس الأنثوية الشفيفة. وتحوّل الهاتف المحمول إلى نسق شيئي، مع محاولات السعي إلى تشييء الذات الأنثوية وتسليعها، وقد تحوّل إلى أداة للقلق والترقب والتجسس والمراقبة، لا وسيلة للتواصل الإنساني. وقسّمت الروائية الرواية إلى فصول قصيرة تميل إلى الاختزال وعدم الاستغراق في الفائضية السردية، ووضعت عنوانًا لكل فصل ما عدا الفصل الأخير. فإن كان عدم حمله إشارة أو عنوانًا دالًا (الفصل الأخير) مقصودًا، وأرادت به المعنى المعاكس، فإنه يقينًا ليس الفصل الأخير في حياة نورهان ومنال، مما يوحي بوضع نهاية مفتوحة لأحداث الرواية.
وقد اصطبغ النسق الزمني باتجاه صيغة الزمن النفسي. فالرواية، باشتغالها على الزمن الذاتي وهواجس الشخصيتين ومشاعرهما، ارتكزت على هذا التدفق بدلًا من الزمن الفيزيائي الخطي. وقد عمدت الروائية إلى تقديم واقع مأزوم بأسلوب التوليفة الرومانسية، وبذلك ابتعدت عن الصياغة المباشرة والواقعية المفرطة؛ أي إنها قدمت الواقع من خلال البعد الإنساني والجمالي، وانطلقت من جمال الذات وتمثلاتها وهواجسها باتجاه الواقع الخارجي والموضوعي، لخلق ثنائية في معنى التصادم والتناغم، انسجامًا مع الثنائيات المتضادة التي ارتكزت عليها في تشكيل خطابها: ثنائية المرأة والرجل، والماضي والحاضر، والحلم والكابوس، والكينونة والفراغ. وقدمت رؤية لتأنيث العوالم الدالة والعميقة، أي بوضع رؤية أنثوية محلقة للعالم، وليس مجرد الانكفاء على الهموم الثانوية. فالأنثى ذات، وليست كائنًا صالحًا للاستلاب والتملك الديكتاتوري، بل هي ذات فاعلة وموازية ومنتجة للفعل والمعنى الإنساني.

عن الکاتب / الکاتبة

عباس لطیف
عباس لطیف
روائي . ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

تمثلات الانكسار و تعرية الواقع في رواية الغرفة 313 للروائي حسن الموسو

تمثلات الانكسار و تعرية الواقع في رواية الغرفة 313 للروائي حسن الموسو

  وفقا لدلالة المعنى الذي يحيل إلى الرقم 313 و ما يتضمنه من إشارة إلى…

صورة الكاتب عباس لطیف
26 أغسطس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الذات والاستلاب والواقع المأزوم في رواية «ما كان»

بقلم: عباس لطیف | التاريخ: 4 نوفمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

الذات والاستلاب والواقع المأزوم
في رواية «ما كان»

هل بإمكان الذات التماهي المطلق مع الآخر دون أن تفقد خصوصيتها وحريتها وكينونتها الكليّة؟ وكيف يكون التضاد والصراع بين الحب والحرية؟ وما الذي يجعل الذات المنكسرة أن ترمّم مساحتها وتفقد صوتها وما تراكم في أعماقها من هموم وانكسارات لكي تعبر نحو الآخر؟ ما الذي يبقى في خضم هذه الثنائيات المتضادة؟ وكيف يزدهر الحب وسط تداعيات الحرب وزمن الانفجارات العبثية والعدمية التي تحولت إلى عدوى ونسق مستديم؟ وسط هذه التأزمات لا يمكن للذات أن تتوهج وتستكين، وسيكون الحب غريبًا ومنفصلًا عن الواقع.. إنها إشكالية المسافة والمعنى والوجود.
هذه الأسئلة الوجودية الحادة تمثل جوهر ومضمون رواية «ما كان» للروائية اللبنانية نرمين الخنسا.
تعمل نورهان مترجمة، وهي تعشق الأدب وتمثل نموذجًا للمثقف الذي يعيش اغترابًا معقدًا. وسيميائية الاسم تحيل إلى معناه ودلالته؛ فاسم نورهان من أصل تركي، وله أصل عربي أيضًا، ومعناه ضوء القمر أو الملكة المضيئة المتوجة. تعمل نورهان مترجمة، وهي تعشق الأدب وتمثل نموذجًا للمثقف الذي يعيش اغترابًا معقدًا. وسيميائية الاسم تحيل إلى معناه ودلالته؛ فاسم نورهان من أصل تركي، وله أصل عربي أيضًا، ومعناه ضوء القمر أو الملكة المضيئة المتوجة. وتوظيف الاسم يكشف عن امرأة تراهن على التميز والفردانية الباذخة. ولذا نجدها مشدودة إلى سارتر وكتبه التي ترتكز على الفلسفة الوجودية، وجوهرها الفلسفي الذي يجد معنى وجود الإنسان مرتبطًا بالفردانية وتحقق شرط الحرية. وسارتر لا يجد معنى للإنسان دون امتلاك الذات والحرية لكي يتحقق وجود حقيقي للإنسان.
وتلك هي الشفرة التي تكمن في أعماق نورهان، وهي التي أدت إلى أن تكون ذاتًا رافضة لكل هيمنة أو امتلاك من الآخر.. أما سيميائية دلالة العنوان «ما كان»، فما معناها كاسم موصول بمعنى «الذي»؟ وقد توحي بمعنى النفي، أي نفي الماضي كموقف ضد مجرياته وأحداثه. وقد ينفتح المعنى الانزياحي إلى أن «كان» فعل ماضٍ ناقص، وقد يتأطّر الماضي بهذا النقص.
ووفق هذا المعنى، يمكن تفكيك قصدية العنوان والكشف عن النسق الدلالي والتأويل فيه. ونجد شخصية نورهان تعيش صراعات في ثنائية الماضي والحاضر، حتى تتحول الفصول الأخيرة في الرواية إلى سرد ارتدادي من خلال استحضار الماضي، الذي يتحول إلى نوع من الوعي والبرهنة على رفض الذات للماضي ومقاومتها للرسائل الإلكترونية التي تصلها عبر الهاتف، وهي تذكّرها بهذا الماضي الذي تجاوزته عبر مستوى وعي الذات والزمن.
تتعرض نورهان إلى تراكم من الضياع وقسوة الفراغ والاغتراب السيكولوجي، والأجواء التي تبعث على السكون والرتابة والملل. وربما تحيلنا هذه الملامح إلى شخصيات استثنائية قلقة تشبه آنا كارنينا، أو شخصية سكارليت أوهارا في الرواية الخالدة «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل، التي تقدم شفرة عميقة في المعنى الكلي للرواية: الحب هو الذي يبقى، وهو أهم وأجمل من الحرب. والرواية أيضًا تجسد الصراع الأهلي بين الجنوب والشمال الأميركي.
ونجد نورهان ملتصقة بصديقتها المزمنة منال، وهي زميلتها في دراسة اللغات، وهي الوجه الآخر لها، فكلاهما ترتبطان بالذات التي تبحث عن يقينها ووجدان الذات المؤطّر بالحرية، بعيدًا عن هيمنة الآخر.
وكلاهما رفضتا الحب وفق وصفة أو مقياس خارج الذات، ولا يمثّل ذهاب وليد وسامر خسارة لهما، بل يكشف عن ثبات داخلي وصلابة أنثوية لتأسيس الذات التي يصعب تدجينها وترويضها وفق قياسات وهيمنات النسق الذكوري القائم على محو الذات الأنثوية وفرض الامتلاك والوصاية، وتحويلها إلى كائن مستلب ومقموع ومراقب.
وهذه النوازع هي التي تعلن موت الحرية، الذي يعني موتًا حقيقيًا ورمزيًا للذات والمعنى.
وموت شقيق نورهان في حادث سير في دبي يحيل إلى قيمة وإشارة مهمة ترتبط بظاهرة الهجرة من الأوطان التي فقدت الكثير من خصائص الحياة والاستقرار، وتحولت إلى بيئة جاذبة للعدمية والاستحواذ والقبح المؤدلج!
وبعد ذلك موت سميح وإلهام، الأبوين المثاليين، ويمكن الانتباه إلى رمزية الأسماء ودلالاتها.
وينقسم الموت وتداعياته في الرواية إلى موت فسيولوجي (جسدي)، وإلى موت رمزي هو الموت السيكولوجي.
هذا ما كابدته نورهان ومنال، اللتان ظلتا دون نور ودون منال.
إن النسق الذكوري، متمثلًا بوليد وسامر، أراد استلاب الذات الأنثوية من نضارة كينونتها وتحويلها إلى البعد الشيئي، أي تسليع الذات. فالأول، استبد بتضخم ذاته واستلب حرية نورهان أراد محو الأنوثة. أما الآخر، فقد استبد بالهيمنة ومحو الذات من خلالها، وفصلها عن تراكمات الماضي، والمتمثلة بمعاناة منال من انفصال أمها وأبيها وشعورها بالضياع الوجودي. فبدل ترميم ذاتها المتماهية مع هذه المعاناة، أراد منها أن تسلخ ذاتها وتتحول إلى ذات مستعارة. هذه ملامح الاستلاب والهيمنة والنزعة التملكية التي جسدتها الرواية، وسعت من خلال الكشف إلى إدانتها، كما أدانت مأزومية الواقع الاجتماعي وبيئته وتاريخه، التي أدّت إلى ظهور هذه الإفرازات، وكأن الرجل تحول إلى شفرة ونتيجة من نتائج الاختلال السوسيوسيكولوجي، وتحول الناس إلى بيادق متخشبة أنتجها الواقع المكتظ بالصراعات والتناقضات. وقد ارتكزت البنية السردية في الرواية على السرد الموضوعي بصيغة ضمير الغائب، وصولًا إلى السرد الذي يوحي بدكتاتورية الراوي، كجزء من التماهي مع روح الهيمنة على الشخصيات والأحداث. واتسمت اللغة بالتدفق السردي، مع الميل إلى أناقة المفردات وتوهجها، والاقتراب من الأداء الشاعري بسبب التعلق بالروح ووصف الهواجس الأنثوية الشفيفة. وتحوّل الهاتف المحمول إلى نسق شيئي، مع محاولات السعي إلى تشييء الذات الأنثوية وتسليعها، وقد تحوّل إلى أداة للقلق والترقب والتجسس والمراقبة، لا وسيلة للتواصل الإنساني. وقسّمت الروائية الرواية إلى فصول قصيرة تميل إلى الاختزال وعدم الاستغراق في الفائضية السردية، ووضعت عنوانًا لكل فصل ما عدا الفصل الأخير. فإن كان عدم حمله إشارة أو عنوانًا دالًا (الفصل الأخير) مقصودًا، وأرادت به المعنى المعاكس، فإنه يقينًا ليس الفصل الأخير في حياة نورهان ومنال، مما يوحي بوضع نهاية مفتوحة لأحداث الرواية.
وقد اصطبغ النسق الزمني باتجاه صيغة الزمن النفسي. فالرواية، باشتغالها على الزمن الذاتي وهواجس الشخصيتين ومشاعرهما، ارتكزت على هذا التدفق بدلًا من الزمن الفيزيائي الخطي. وقد عمدت الروائية إلى تقديم واقع مأزوم بأسلوب التوليفة الرومانسية، وبذلك ابتعدت عن الصياغة المباشرة والواقعية المفرطة؛ أي إنها قدمت الواقع من خلال البعد الإنساني والجمالي، وانطلقت من جمال الذات وتمثلاتها وهواجسها باتجاه الواقع الخارجي والموضوعي، لخلق ثنائية في معنى التصادم والتناغم، انسجامًا مع الثنائيات المتضادة التي ارتكزت عليها في تشكيل خطابها: ثنائية المرأة والرجل، والماضي والحاضر، والحلم والكابوس، والكينونة والفراغ. وقدمت رؤية لتأنيث العوالم الدالة والعميقة، أي بوضع رؤية أنثوية محلقة للعالم، وليس مجرد الانكفاء على الهموم الثانوية. فالأنثى ذات، وليست كائنًا صالحًا للاستلاب والتملك الديكتاتوري، بل هي ذات فاعلة وموازية ومنتجة للفعل والمعنى الإنساني.