من عيون تراثنا الشعري الزاخر بالكنوز قصيدة شعرية رائعة استشعر القدماء روعتها وأصالتها فاطلقوا عليها (اليتيمة) أي التي لا شبه لها ولا نظير. وقد ظلت اليتيمة عصورا طويلة مجهولة النسب لا يُعرف اسم شاعرها الحقيقي فمن قائل هو الشاعر العباسي علي بن جبلة الذي قتله المأمون في القرن الثاني الهجري، ومن قائل هو الشاعر العباسي الذي اشتهر بالخمريات والمجون أبو نؤاس، ومن قائل هو دوقلة المنبجي الشاعر الذي لن تتحدث عنه كتب الأدب ولا يُعرف له شعر سواها. وأخيرا قد عُثر على النص الكامل لليتيمة في نسخة مخطوطة من المقامات توجد في منسوبة الى دوقلة المنبجي، وهكذا لم تُعد هذه القصيدة باليتيمة.
وهذه القصيدة تنطق بشاعرية شاعر اصيل مقتدر تفنن في وصف محبوبته (دعد) فلم يترك شيئا منها الا وقد وصفه أدق وصف وأجمله، وهو بذلك يقدم صورة للجمال كما نعشَّقه العربي القديم حتى ليُخيَّل للقارىء انه يتأمل لوحة فاتنة أبدعتها ريشة رسام مبدع.
رسم الشاعر في لوحته الفاتنة جسم محبوبته ووجهها وشعرها وجبينها وجيدها وزندها ومعصمها وغدائرها وكل نبضة من نبضاتها، ولم يفت الشاعر أن يصف ذهوله أمام هذا المشهد الرائع من مشاهد الحب والجمال وأن يتحدث عن أنفته وعزته وكبريائه حين يعز عليه الوصال.
يستهل دوقلة قصيدته بمخاطبة الأطلال شأنه في ذلك شأن الشعراء القدماء ويسألها هل لديها جواب لما تهجس به نفسه؟
هل بالطلول لسائلٍ ردُّ
أم هل لها بتكلُّمٍ عهدُ؟
ثم ينتقل الى محبوبته دعد ويقدم لها الصورة الوصفية الفاتنة فيقول:
لهفي على دعدٍ وما خُلقت
الا لحُرٍّ تلهفي دعدُ
بيضاء قد لبس الأديمُ بهاءَ
الحُسنِ فهو لجلدها جلدُ
ويزين فوديها اذا حسرت
منافي الغدائرِ فاحمٌ جعدُ
فالوجه مثل الصبح مُبْيَضٌّ
والشعرُمثل الليل مُسوَدُّ
ضدان لما استجمعا حُسنا
والضدُّ يُظهرُ حُسنَه الضدُّ
وما عابها طولٌ ولا قِصَرٌ
في خلقها فقوامها قَصْدُ
ثم ينتقل الشاعر الى وصف العلاقة بينه وبين محبوبته انها علاقة أخذٍ وردٍّ ومدٍّ وجزر لكنه مع ذلك قانع بأقل القليل فيقول:
إن لم يكن وصلٌ لديكِ لنا *
شفي الصبابة فليكن وعدُ
وفي ختام القصيدة تنتفض نفس الشاعر العربي بما تحمله من روح التمرد والفروسية والعزة والكبرياء فيقول:
ولقد علمتِ بأنني رجلٌ
في الصالحات أروح أو أغدو
سَلْمٌ على الأدنى ومرحمةٌ
وعلى الحوادث ثابتٌ جلْدُ
متجلببٌ ثوبَ العفافِ وقد
غفلَ الرقيب وأمكن الوِرْدُ
ومُجانبٌ فعلَ القبيحِ وقد
وصل الحبيب وساعد السعدُ
ليكن لديكِ لسائلٍ فرجٌ
أو لم يكن فليُحسن الردُّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن تراها يا حبيبي
الدوري عساف النعيمي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ســرتُ في الدربِ وحيدا
راكباً فكْـري وظنّي
واذا شـيـخاً أراه
يتمشّـى فـي تـأنِّ
جئته سيْراً حثيثـاً
حين شـيخي قد رآني
مِنه في بطءٍ دنـوتُ
باحتـرامٍ قـد علاني
بحياءٍ قلتُ شيخي
صحبةً أرجـوك خذني
ومشيـتُ خلف شيخي
خفـتُ شيخي يتهمني
قـلتُ شيخي لي سـؤالٌ
قال: اسـألْ ثم دعـني
قلـتُ نفسي باضطرابٍ
خاب فكري ثم ظنّي
هي الحقيقةُ هل أراها؟
مني ضاعـت لا تلمني
قـال شيخي: يا بُنيَّ
لـن تـراها، اطمئِـنِ
كونُها بيعـتْ وضاعـتْ
مـن رجـالِ السوءِ أعـني
أرجوك دعـني في مسيري
قبلك كُثـرٌ قـد سألني
لن تـراهـا يا حبيبي
طالمـا نحـن نُغَـنّي
أنت سنّيٌّ أنا شيعيْ
هذا جوابي باختصارٍ
انصرِفْ عـنّي ودعـني
حمدي العطار
د. زید محمد
د. حنان حسن
التعليقات