ثمة موتٌ لا تسمعه الأجراس، ولا تراه العيون، ولا تُشيّعه الجموع…
موتٌ يحدث في مكانٍ خفيّ من القلب، حين يسقط إنسانٌ من أعماقنا، بينما يظلّ واقفًا أمامنا بكامل ملامحه.
نراه كما كان، لكننا لا نشعر نحوه كما كنا.
يموت حين تتبدّل الأشياء في داخلنا، حين تصبح كلماته عابرة، وحضوره عاديًا، وغيابه لا يترك في الروح ذلك الفراغ الذي كان يتركه ذات يوم.
ليس لأننا قساة، ولا لأن المحبة كانت كذبة، بل لأن بعض المواقف تأتي متأخرة… لكنها تقول لنا الحقيقة كاملة.
كم من إنسانٍ حملناه في القلب أكثر مما ينبغي، وفتحنا له أبوابًا لم نفتحها لغيره، وتركنا له في أرواحنا مكانًا دافئًا، لأننا كنا نظن أن الودّ إذا طال عمره صار عهدًا لا يتغير.
ثم يأتي يومٌ صغير في ظاهره، عظيمٌ في أثره، يبدّل كل شيء.
كلمةٌ لا تشبه ما عرفناه، موقفٌ يطفئ شيئًا في الداخل، أو جحودٌ يمرّ على ما قدمناه كأنه لم يكن.
وأقسى ما في الأمر ليس الجحود ذاته، بل أن ترى إنسانًا كان يعرف قلبك، ثم يتصرف كأنه لم يعرفه يومًا.
أن يتناسى ما قدمته له من ودّ، وكأن المعروف الذي جمعكما لم يكن يومًا.
عندها لا نغضب كما كنا نغضب من قبل…
نصمت.
والصمت هنا ليس عجزًا عن الكلام، بل امتلاءٌ به؛ لأن بعض المشاعر حين تبلغ نهايتها لا تعود قادرة على شرح نفسها.
نكتفي بأن ننسحب بخفة، كما تنسحب آخر قطرة مطر عن نافذةٍ لم تعد تنتظر أحدًا.
لا نريد جنازةً لذلك الذي مات في أعيننا، ولا نريد أن ننتقم منه، ولا حتى أن نكرهه.
فالكره يبقيه حيًا فينا.
نحن فقط نتركه يمضي.
نضع ما كان بيننا في مكانه الصحيح: الماضي.
هناك، حيث لا نؤذيه ولا نسمح له أن يؤذينا.
قد تبقى بعض الذكريات، فالذاكرة لا تعرف كيف تُغلق أبوابها تمامًا، لكن الذكرى شيء، والرغبة في العودة شيء آخر.
قد نمرّ على أيامه القديمة فنبتسم، لا شوقًا إليه، بل امتنانًا لأننا كنا يومًا قادرين على أن نحب بهذه الطهارة.
وهذا هو أجمل ما يمكن أن نخرج به من الحكاية:
أن لا نسمح لخذلان أحد أن يغيّر نقاءنا.
فالذين أساؤوا إلينا لا يستحقون أن يرثوا أجمل ما فينا.
سنظل نمنح الودّ لمن يعرف قدره، ونحفظ الجميل لمن يصونه، ونغادر بهدوء حين يصبح البقاء انتقاصًا من أرواحنا.
وفي القلب متسعٌ للعفو…
لكن ليس كل من عفونا عنه يستعيد مكانه.
بعضهم نعفو عنه، ثم نترك بيننا وبينه مسافةً لا تُرى، لكنها كافية لحماية القلب.
وهكذا، يموت بعض الناس في أعيننا دون أن يموتوا في الحياة.
يمضون بأجسادهم بين الناس، بينما نحن قد ودّعنا صورتهم القديمة في صمت.
لا بكاء، لا ضجيج، لا قبر…
فقط قلبٌ أغلق نافذته، وأطفأ آخر مصباحٍ كان ينتظرهم.
ثم مضى.
مطمئنًا أن ما انتهى في داخله، لم يكن خسارةً للحياة…
بل نجاةً لما تبقّى من القلب.
موتٌ لا تراه العيون
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
موتٌ لا تراه العيون
ثمة موتٌ لا تسمعه الأجراس، ولا تراه العيون، ولا تُشيّعه الجموع…
موتٌ يحدث في مكانٍ خفيّ من القلب، حين يسقط إنسانٌ من أعماقنا، بينما يظلّ واقفًا أمامنا بكامل ملامحه.
نراه كما كان، لكننا لا نشعر نحوه كما كنا.
يموت حين تتبدّل الأشياء في داخلنا، حين تصبح كلماته عابرة، وحضوره عاديًا، وغيابه لا يترك في الروح ذلك الفراغ الذي كان يتركه ذات يوم.
ليس لأننا قساة، ولا لأن المحبة كانت كذبة، بل لأن بعض المواقف تأتي متأخرة… لكنها تقول لنا الحقيقة كاملة.
كم من إنسانٍ حملناه في القلب أكثر مما ينبغي، وفتحنا له أبوابًا لم نفتحها لغيره، وتركنا له في أرواحنا مكانًا دافئًا، لأننا كنا نظن أن الودّ إذا طال عمره صار عهدًا لا يتغير.
ثم يأتي يومٌ صغير في ظاهره، عظيمٌ في أثره، يبدّل كل شيء.
كلمةٌ لا تشبه ما عرفناه، موقفٌ يطفئ شيئًا في الداخل، أو جحودٌ يمرّ على ما قدمناه كأنه لم يكن.
وأقسى ما في الأمر ليس الجحود ذاته، بل أن ترى إنسانًا كان يعرف قلبك، ثم يتصرف كأنه لم يعرفه يومًا.
أن يتناسى ما قدمته له من ودّ، وكأن المعروف الذي جمعكما لم يكن يومًا.
عندها لا نغضب كما كنا نغضب من قبل…
نصمت.
والصمت هنا ليس عجزًا عن الكلام، بل امتلاءٌ به؛ لأن بعض المشاعر حين تبلغ نهايتها لا تعود قادرة على شرح نفسها.
نكتفي بأن ننسحب بخفة، كما تنسحب آخر قطرة مطر عن نافذةٍ لم تعد تنتظر أحدًا.
لا نريد جنازةً لذلك الذي مات في أعيننا، ولا نريد أن ننتقم منه، ولا حتى أن نكرهه.
فالكره يبقيه حيًا فينا.
نحن فقط نتركه يمضي.
نضع ما كان بيننا في مكانه الصحيح: الماضي.
هناك، حيث لا نؤذيه ولا نسمح له أن يؤذينا.
قد تبقى بعض الذكريات، فالذاكرة لا تعرف كيف تُغلق أبوابها تمامًا، لكن الذكرى شيء، والرغبة في العودة شيء آخر.
قد نمرّ على أيامه القديمة فنبتسم، لا شوقًا إليه، بل امتنانًا لأننا كنا يومًا قادرين على أن نحب بهذه الطهارة.
وهذا هو أجمل ما يمكن أن نخرج به من الحكاية:
أن لا نسمح لخذلان أحد أن يغيّر نقاءنا.
فالذين أساؤوا إلينا لا يستحقون أن يرثوا أجمل ما فينا.
سنظل نمنح الودّ لمن يعرف قدره، ونحفظ الجميل لمن يصونه، ونغادر بهدوء حين يصبح البقاء انتقاصًا من أرواحنا.
وفي القلب متسعٌ للعفو…
لكن ليس كل من عفونا عنه يستعيد مكانه.
بعضهم نعفو عنه، ثم نترك بيننا وبينه مسافةً لا تُرى، لكنها كافية لحماية القلب.
وهكذا، يموت بعض الناس في أعيننا دون أن يموتوا في الحياة.
يمضون بأجسادهم بين الناس، بينما نحن قد ودّعنا صورتهم القديمة في صمت.
لا بكاء، لا ضجيج، لا قبر…
فقط قلبٌ أغلق نافذته، وأطفأ آخر مصباحٍ كان ينتظرهم.
ثم مضى.
مطمئنًا أن ما انتهى في داخله، لم يكن خسارةً للحياة…
بل نجاةً لما تبقّى من القلب.
حیدر جاسم محمد المشکور
عدنان حسين الكاني
د. ثائرة اكرم العكيدي
التعليقات