منذ الاستهلال تضعنا رواية (طقوس إلاثم) للروائي منذر عبد الحر إزاء واقع متشظٍ ومأزوم في خضم التحوّل الدراماتيكي الحاد الذي أحدثه الاحتلال 2003م، وازاء شخصيات قلقة تحمل على كاهلها أعباء المرحلة التي عصفت بالحياة بكلّ أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمّية،إذ جسدت الرواية واقع ما بعد الاحتلال، بكل تشظياته وافرازاته وأزماته لاسيما تفكّك المنظومة الاجتماعية والقيمية وانتشار الموت العبثي، وظاهرة القتل على الهويّة، والاغتيالات والتصفيات، وظاهرة العنف المتوحش وهيمنة النزعة الإقصائية، ومشاهد الجثث مجهولة الهويّة والفساد والانحراف والسرقة، ونهب المصارف والمال العام، وظهور المافيات والعصابات، ومحاصرة الشخصيّات الحقيقية والوطنية بالخراب والعبث والقمع، مثل شخصية (رواء) المحورية، التي تمثل البطولة في الرواية، وهي تواجه هذا العصف الكلّي والبنيوي.
وتحيل سيمائيه العنوان الى فضاء العبث والموت والآثام التي وشمت كل أبعاد الواقع وانقسمت الشخصيّات في ظل هذا الخراب إلى شخصيات حقيقية جابهت أزماتها بقوّة وحزم مثل شخصيات (رواء) وشقيقيها (عامر وحسام) ومثل شخصية الشاب المثقف (رشيد) وغيرها من الشخصيات التي ظلّت تمثّل الجانب المشرق من الحياة، ومقاومة الخراب، بالتضاد من الشخصيات السلبيّة التي تلوّثت، وقدمت أنموذجاً للإنكسار والنكوص القيمي والأخلاقي مثل شخصية (نوال أم جابر) التي يمثّل ابنها (جابر) المجنون صورة للانحراف، ونتيجة للخلل ورمزاً لعبثية وجنون ما يحدث من أحداث وتداعيات تشوّه الحياة، وتقدّم مساحة من مساحات الترّدي بكلّ صوره ومعانيه ودلالاته التي تحوّلت إلى أشبه بطقوس بدائية واحتدام غرائزي ونفعي، وديستوبيّة مقيتة، ولو اكتفى الروائي بالعنوان العام، الدال وسيمائية الخراب فيه من دون شرح المدلول ضمناً الذي انطوي عليه العنوان الثاني أو الفرعي (من وقائع أيام المحنة في بغداد) الذي عكس شرحاً لا موجب له ويعدّ فائضاً لأنّ المتن يدلّ عليه فضلا عن العنوان العام.
تبدأ الرواية بالاستهلال المتوتّر والدال الذي يصل إلى ذروته في هذا المقطع السردي: “انفرجت أفواه الجميع دهشة حين أطلّ معتوه المدينة (جابر) من الزقّاق الضيّق المطل على المزرعة المتروكة ذات أشجار اليوكالبتوس المعمّرة المتشابكة، وهو يلوّح بقميص عسكري ممّزق عليه بقع من الدماء، وكان جابر يصرخ بصوت عالٍ، تارة يشير إلى ضحك فزع، وتارة أخرى إلى لوعة وبكاء، وإزاء جري جابر وصوته غير المفهوم، وانتشر خبر كالنار في الهشيم، لا يعرف مصدره الحقيقي، مفاد الخبر أن سيارة عسكرية من نوع (إيفا) محملة بالسلاح والعتاد قد تحطمت إثر قصف جوّي على المزرعة المتروكة ومات في السيارة ضابط شاب مع عدد من جنوده” (الرواية: 9-10).
يمثل هذا المشهد السردي المفتاح الترميزي لأحداث وتحوّلات الرواية، وتقديم صورة للانهيار الصادم الذي أصاب البنية الكلّية وتحول الناس إلى كائنات قلقة وموسوسة وإلى جثث مرماة على قارعة الطرقات، ولقد وضع الروائي مناصّا أو نصّا موازيا إلى جانب العنوان، وهو استعارة لقصيدة كاملة للشاعر الأفريقي (أو نيسيمو سيلفرا) مطلعها:
” كلنا نعيش بسطاء / مسالمين / منذ فجر الزمان / كنّا أخوة طبعا
وكنا نأكل ثمارنا / ونشرب ينابيعنا / ونستنشق هواء اريافنا..الخ” (الرواية: 6).
تميّزت الرواية بكثرة وتعدّد الشخصيات، منها ما هو رئيسي ومركزي واخرى مثّلت الخط الثانوي، ومثلما قدّم الروائي مشهداً رمزياً للعنف والجنون من خلال شخصيّة (جابر) قدم كذلك شخصية (رواء) وحبيبها (ماهر) وصورهما بكل جمالية بداية العشق والحب والرسائل والايحاءات والمواقف الرومانسية التي تنتهي القصّة لتبدأ بالزفاف والخطبة وقد كسر الروائي خطّية السرد المأسوي بهذا الاختراق، ليقدّم الحياة بكلّ جوانبها وتنوّعها الذي يعكس ثنائية (الخير والشر) و(الحب والكراهية) و(الحياة والموت) و(الحرب والسلام) و(الزيف والحقيقة) وغيرها من الثنائيات المتناقضة والمنسجمة مع الواقع لكن (ماهراً) تغيّبه حرب الثماني سنوات العبثية ويتحوّل الى قربان وشهيد فيها وكانت رواء مع غيرها تنتظر عودته للزفاف: “وهكذا كان الجميع ينتظر عودة ماهر للاحتفال بزفافه، وهو الراحل إلى قاطع الشيب على الحدود العراقية الإيرانية والعائد جثّة هامدة في صندوق خشبي” (الرواية: 25) .
وتمثل شخصية (رشيد) ضمن علاقة ثلاثية للأصدقاء مع ناصر السامي وحازم وزوجته التي تخونه وهو فاقد لذكورته وبعد الفضيحة هربت منه تاركة رسالة له توبّخه فيها، وتتركه للخمر والضياع، بعد ان تحولت الى مومس وقد رفضها ناصر بعد صحوة ضميره.
ويتناغم السلوك الانحرافي والفساد الاخلاقي لشخصية (سهام) مع شخصية (نوال ام جابر) المجنون التي تبدو مومساً من نوع آخر تمتهن إغراء الرجال وتمثّل ابنتها (ورود) وابنها (نائل) ضحيّتين لهذا السلوك الشائن.
ولعلّ التحليل السيميائي والسايكولوجي لصور الانحراف الأنثوي المتمثل بسهام ونوال فأنّه يعكس البعد الرمزي للجنس بوصفه صورة من صور الفساد والانهيار القيمي والأخلاقي الذي يتماهى مع تداعيات وظواهر الاحتلال بوصفه خيانة كلية وانحرافاً أخلاقياً بكلّ أبعادة وتجلياته ومظاهره السيئة، لكنّ الروائي يقدم شخصيتي (رواء) و(سحر) كمعادل موضوعي للشخصيات المضادّة والشخصيّات التي تحمل الصدق والنقاء والحلم، وقد التقتا بعد فراق، وفرحت (رواء) لأن صديقتها (سحر) قد شجعتها على العودة الى الدراسة، واستعادة الحياة والإشراق والرهان على العلم بوصفه المضاد للإنحراف الكلّي، لكن الحلم يظل مهدّداً دوماً بالكابوسيّة الاحتلالية حيث تستشهد (سحر) في الانفجار العبثي، ويصيب الحزن والانكسار صديقتها (رواء) وموت الحلم المشترك، إذ عانت رواء جراء هذا الحادث المفجع، “وهي تضرب وجهها وتصرخ باسم صديقتها (سحر) التي لاقت حتفها بالانفجار…” (الرواية: 200).
الرواية تجمع بين التوثيق والتجسيد والتسجيل لمرحلة الاحتلال التي افرزت الخراب والنكوص والانهيار بكل صوره ودلالاته ومزجت بين الرمزية والواقعية، وكان الروائي شاهداً على الاحداث.
منذ الاستهلال تضعنا رواية (طقوس إلاثم) للروائي منذر عبد الحر إزاء واقع متشظٍ ومأزوم في خضم التحوّل الدراماتيكي الحاد الذي أحدثه الاحتلال 2003م، وازاء شخصيات قلقة تحمل على كاهلها أعباء المرحلة التي عصفت بالحياة بكلّ أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمّية،إذ جسدت الرواية واقع ما بعد الاحتلال، بكل تشظياته وافرازاته وأزماته لاسيما تفكّك المنظومة الاجتماعية والقيمية وانتشار الموت العبثي، وظاهرة القتل على الهويّة، والاغتيالات والتصفيات، وظاهرة العنف المتوحش وهيمنة النزعة الإقصائية، ومشاهد الجثث مجهولة الهويّة والفساد والانحراف والسرقة، ونهب المصارف والمال العام، وظهور المافيات والعصابات، ومحاصرة الشخصيّات الحقيقية والوطنية بالخراب والعبث والقمع، مثل شخصية (رواء) المحورية، التي تمثل البطولة في الرواية، وهي تواجه هذا العصف الكلّي والبنيوي.
وتحيل سيمائيه العنوان الى فضاء العبث والموت والآثام التي وشمت كل أبعاد الواقع وانقسمت الشخصيّات في ظل هذا الخراب إلى شخصيات حقيقية جابهت أزماتها بقوّة وحزم مثل شخصيات (رواء) وشقيقيها (عامر وحسام) ومثل شخصية الشاب المثقف (رشيد) وغيرها من الشخصيات التي ظلّت تمثّل الجانب المشرق من الحياة، ومقاومة الخراب، بالتضاد من الشخصيات السلبيّة التي تلوّثت، وقدمت أنموذجاً للإنكسار والنكوص القيمي والأخلاقي مثل شخصية (نوال أم جابر) التي يمثّل ابنها (جابر) المجنون صورة للانحراف، ونتيجة للخلل ورمزاً لعبثية وجنون ما يحدث من أحداث وتداعيات تشوّه الحياة، وتقدّم مساحة من مساحات الترّدي بكلّ صوره ومعانيه ودلالاته التي تحوّلت إلى أشبه بطقوس بدائية واحتدام غرائزي ونفعي، وديستوبيّة مقيتة، ولو اكتفى الروائي بالعنوان العام، الدال وسيمائية الخراب فيه من دون شرح المدلول ضمناً الذي انطوي عليه العنوان الثاني أو الفرعي (من وقائع أيام المحنة في بغداد) الذي عكس شرحاً لا موجب له ويعدّ فائضاً لأنّ المتن يدلّ عليه فضلا عن العنوان العام.
تبدأ الرواية بالاستهلال المتوتّر والدال الذي يصل إلى ذروته في هذا المقطع السردي: “انفرجت أفواه الجميع دهشة حين أطلّ معتوه المدينة (جابر) من الزقّاق الضيّق المطل على المزرعة المتروكة ذات أشجار اليوكالبتوس المعمّرة المتشابكة، وهو يلوّح بقميص عسكري ممّزق عليه بقع من الدماء، وكان جابر يصرخ بصوت عالٍ، تارة يشير إلى ضحك فزع، وتارة أخرى إلى لوعة وبكاء، وإزاء جري جابر وصوته غير المفهوم، وانتشر خبر كالنار في الهشيم، لا يعرف مصدره الحقيقي، مفاد الخبر أن سيارة عسكرية من نوع (إيفا) محملة بالسلاح والعتاد قد تحطمت إثر قصف جوّي على المزرعة المتروكة ومات في السيارة ضابط شاب مع عدد من جنوده” (الرواية: 9-10).
يمثل هذا المشهد السردي المفتاح الترميزي لأحداث وتحوّلات الرواية، وتقديم صورة للانهيار الصادم الذي أصاب البنية الكلّية وتحول الناس إلى كائنات قلقة وموسوسة وإلى جثث مرماة على قارعة الطرقات، ولقد وضع الروائي مناصّا أو نصّا موازيا إلى جانب العنوان، وهو استعارة لقصيدة كاملة للشاعر الأفريقي (أو نيسيمو سيلفرا) مطلعها:
” كلنا نعيش بسطاء / مسالمين / منذ فجر الزمان / كنّا أخوة طبعا
وكنا نأكل ثمارنا / ونشرب ينابيعنا / ونستنشق هواء اريافنا..الخ” (الرواية: 6).
تميّزت الرواية بكثرة وتعدّد الشخصيات، منها ما هو رئيسي ومركزي واخرى مثّلت الخط الثانوي، ومثلما قدّم الروائي مشهداً رمزياً للعنف والجنون من خلال شخصيّة (جابر) قدم كذلك شخصية (رواء) وحبيبها (ماهر) وصورهما بكل جمالية بداية العشق والحب والرسائل والايحاءات والمواقف الرومانسية التي تنتهي القصّة لتبدأ بالزفاف والخطبة وقد كسر الروائي خطّية السرد المأسوي بهذا الاختراق، ليقدّم الحياة بكلّ جوانبها وتنوّعها الذي يعكس ثنائية (الخير والشر) و(الحب والكراهية) و(الحياة والموت) و(الحرب والسلام) و(الزيف والحقيقة) وغيرها من الثنائيات المتناقضة والمنسجمة مع الواقع لكن (ماهراً) تغيّبه حرب الثماني سنوات العبثية ويتحوّل الى قربان وشهيد فيها وكانت رواء مع غيرها تنتظر عودته للزفاف: “وهكذا كان الجميع ينتظر عودة ماهر للاحتفال بزفافه، وهو الراحل إلى قاطع الشيب على الحدود العراقية الإيرانية والعائد جثّة هامدة في صندوق خشبي” (الرواية: 25) .
وتمثل شخصية (رشيد) ضمن علاقة ثلاثية للأصدقاء مع ناصر السامي وحازم وزوجته التي تخونه وهو فاقد لذكورته وبعد الفضيحة هربت منه تاركة رسالة له توبّخه فيها، وتتركه للخمر والضياع، بعد ان تحولت الى مومس وقد رفضها ناصر بعد صحوة ضميره.
ويتناغم السلوك الانحرافي والفساد الاخلاقي لشخصية (سهام) مع شخصية (نوال ام جابر) المجنون التي تبدو مومساً من نوع آخر تمتهن إغراء الرجال وتمثّل ابنتها (ورود) وابنها (نائل) ضحيّتين لهذا السلوك الشائن.
ولعلّ التحليل السيميائي والسايكولوجي لصور الانحراف الأنثوي المتمثل بسهام ونوال فأنّه يعكس البعد الرمزي للجنس بوصفه صورة من صور الفساد والانهيار القيمي والأخلاقي الذي يتماهى مع تداعيات وظواهر الاحتلال بوصفه خيانة كلية وانحرافاً أخلاقياً بكلّ أبعادة وتجلياته ومظاهره السيئة، لكنّ الروائي يقدم شخصيتي (رواء) و(سحر) كمعادل موضوعي للشخصيات المضادّة والشخصيّات التي تحمل الصدق والنقاء والحلم، وقد التقتا بعد فراق، وفرحت (رواء) لأن صديقتها (سحر) قد شجعتها على العودة الى الدراسة، واستعادة الحياة والإشراق والرهان على العلم بوصفه المضاد للإنحراف الكلّي، لكن الحلم يظل مهدّداً دوماً بالكابوسيّة الاحتلالية حيث تستشهد (سحر) في الانفجار العبثي، ويصيب الحزن والانكسار صديقتها (رواء) وموت الحلم المشترك، إذ عانت رواء جراء هذا الحادث المفجع، “وهي تضرب وجهها وتصرخ باسم صديقتها (سحر) التي لاقت حتفها بالانفجار…” (الرواية: 200).
الرواية تجمع بين التوثيق والتجسيد والتسجيل لمرحلة الاحتلال التي افرزت الخراب والنكوص والانهيار بكل صوره ودلالاته ومزجت بين الرمزية والواقعية، وكان الروائي شاهداً على الاحداث.
(طقوس الإثم) والنسق الديستوبي للاحتلال
منذ الاستهلال تضعنا رواية (طقوس إلاثم) للروائي منذر عبد الحر إزاء واقع متشظٍ ومأزوم في خضم التحوّل الدراماتيكي الحاد الذي أحدثه الاحتلال 2003م، وازاء شخصيات قلقة تحمل على كاهلها أعباء المرحلة التي عصفت بالحياة بكلّ أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمّية،إذ جسدت الرواية واقع ما بعد الاحتلال، بكل تشظياته وافرازاته وأزماته لاسيما تفكّك المنظومة الاجتماعية والقيمية وانتشار الموت العبثي، وظاهرة القتل على الهويّة، والاغتيالات والتصفيات، وظاهرة العنف المتوحش وهيمنة النزعة الإقصائية، ومشاهد الجثث مجهولة الهويّة والفساد والانحراف والسرقة، ونهب المصارف والمال العام، وظهور المافيات والعصابات، ومحاصرة الشخصيّات الحقيقية والوطنية بالخراب والعبث والقمع، مثل شخصية (رواء) المحورية، التي تمثل البطولة في الرواية، وهي تواجه هذا العصف الكلّي والبنيوي.
وتحيل سيمائيه العنوان الى فضاء العبث والموت والآثام التي وشمت كل أبعاد الواقع وانقسمت الشخصيّات في ظل هذا الخراب إلى شخصيات حقيقية جابهت أزماتها بقوّة وحزم مثل شخصيات (رواء) وشقيقيها (عامر وحسام) ومثل شخصية الشاب المثقف (رشيد) وغيرها من الشخصيات التي ظلّت تمثّل الجانب المشرق من الحياة، ومقاومة الخراب، بالتضاد من الشخصيات السلبيّة التي تلوّثت، وقدمت أنموذجاً للإنكسار والنكوص القيمي والأخلاقي مثل شخصية (نوال أم جابر) التي يمثّل ابنها (جابر) المجنون صورة للانحراف، ونتيجة للخلل ورمزاً لعبثية وجنون ما يحدث من أحداث وتداعيات تشوّه الحياة، وتقدّم مساحة من مساحات الترّدي بكلّ صوره ومعانيه ودلالاته التي تحوّلت إلى أشبه بطقوس بدائية واحتدام غرائزي ونفعي، وديستوبيّة مقيتة، ولو اكتفى الروائي بالعنوان العام، الدال وسيمائية الخراب فيه من دون شرح المدلول ضمناً الذي انطوي عليه العنوان الثاني أو الفرعي (من وقائع أيام المحنة في بغداد) الذي عكس شرحاً لا موجب له ويعدّ فائضاً لأنّ المتن يدلّ عليه فضلا عن العنوان العام.
تبدأ الرواية بالاستهلال المتوتّر والدال الذي يصل إلى ذروته في هذا المقطع السردي: “انفرجت أفواه الجميع دهشة حين أطلّ معتوه المدينة (جابر) من الزقّاق الضيّق المطل على المزرعة المتروكة ذات أشجار اليوكالبتوس المعمّرة المتشابكة، وهو يلوّح بقميص عسكري ممّزق عليه بقع من الدماء، وكان جابر يصرخ بصوت عالٍ، تارة يشير إلى ضحك فزع، وتارة أخرى إلى لوعة وبكاء، وإزاء جري جابر وصوته غير المفهوم، وانتشر خبر كالنار في الهشيم، لا يعرف مصدره الحقيقي، مفاد الخبر أن سيارة عسكرية من نوع (إيفا) محملة بالسلاح والعتاد قد تحطمت إثر قصف جوّي على المزرعة المتروكة ومات في السيارة ضابط شاب مع عدد من جنوده” (الرواية: 9-10).
يمثل هذا المشهد السردي المفتاح الترميزي لأحداث وتحوّلات الرواية، وتقديم صورة للانهيار الصادم الذي أصاب البنية الكلّية وتحول الناس إلى كائنات قلقة وموسوسة وإلى جثث مرماة على قارعة الطرقات، ولقد وضع الروائي مناصّا أو نصّا موازيا إلى جانب العنوان، وهو استعارة لقصيدة كاملة للشاعر الأفريقي (أو نيسيمو سيلفرا) مطلعها:
” كلنا نعيش بسطاء / مسالمين / منذ فجر الزمان / كنّا أخوة طبعا
وكنا نأكل ثمارنا / ونشرب ينابيعنا / ونستنشق هواء اريافنا..الخ” (الرواية: 6).
تميّزت الرواية بكثرة وتعدّد الشخصيات، منها ما هو رئيسي ومركزي واخرى مثّلت الخط الثانوي، ومثلما قدّم الروائي مشهداً رمزياً للعنف والجنون من خلال شخصيّة (جابر) قدم كذلك شخصية (رواء) وحبيبها (ماهر) وصورهما بكل جمالية بداية العشق والحب والرسائل والايحاءات والمواقف الرومانسية التي تنتهي القصّة لتبدأ بالزفاف والخطبة وقد كسر الروائي خطّية السرد المأسوي بهذا الاختراق، ليقدّم الحياة بكلّ جوانبها وتنوّعها الذي يعكس ثنائية (الخير والشر) و(الحب والكراهية) و(الحياة والموت) و(الحرب والسلام) و(الزيف والحقيقة) وغيرها من الثنائيات المتناقضة والمنسجمة مع الواقع لكن (ماهراً) تغيّبه حرب الثماني سنوات العبثية ويتحوّل الى قربان وشهيد فيها وكانت رواء مع غيرها تنتظر عودته للزفاف: “وهكذا كان الجميع ينتظر عودة ماهر للاحتفال بزفافه، وهو الراحل إلى قاطع الشيب على الحدود العراقية الإيرانية والعائد جثّة هامدة في صندوق خشبي” (الرواية: 25) .
وتمثل شخصية (رشيد) ضمن علاقة ثلاثية للأصدقاء مع ناصر السامي وحازم وزوجته التي تخونه وهو فاقد لذكورته وبعد الفضيحة هربت منه تاركة رسالة له توبّخه فيها، وتتركه للخمر والضياع، بعد ان تحولت الى مومس وقد رفضها ناصر بعد صحوة ضميره.
ويتناغم السلوك الانحرافي والفساد الاخلاقي لشخصية (سهام) مع شخصية (نوال ام جابر) المجنون التي تبدو مومساً من نوع آخر تمتهن إغراء الرجال وتمثّل ابنتها (ورود) وابنها (نائل) ضحيّتين لهذا السلوك الشائن.
ولعلّ التحليل السيميائي والسايكولوجي لصور الانحراف الأنثوي المتمثل بسهام ونوال فأنّه يعكس البعد الرمزي للجنس بوصفه صورة من صور الفساد والانهيار القيمي والأخلاقي الذي يتماهى مع تداعيات وظواهر الاحتلال بوصفه خيانة كلية وانحرافاً أخلاقياً بكلّ أبعادة وتجلياته ومظاهره السيئة، لكنّ الروائي يقدم شخصيتي (رواء) و(سحر) كمعادل موضوعي للشخصيات المضادّة والشخصيّات التي تحمل الصدق والنقاء والحلم، وقد التقتا بعد فراق، وفرحت (رواء) لأن صديقتها (سحر) قد شجعتها على العودة الى الدراسة، واستعادة الحياة والإشراق والرهان على العلم بوصفه المضاد للإنحراف الكلّي، لكن الحلم يظل مهدّداً دوماً بالكابوسيّة الاحتلالية حيث تستشهد (سحر) في الانفجار العبثي، ويصيب الحزن والانكسار صديقتها (رواء) وموت الحلم المشترك، إذ عانت رواء جراء هذا الحادث المفجع، “وهي تضرب وجهها وتصرخ باسم صديقتها (سحر) التي لاقت حتفها بالانفجار…” (الرواية: 200).
الرواية تجمع بين التوثيق والتجسيد والتسجيل لمرحلة الاحتلال التي افرزت الخراب والنكوص والانهيار بكل صوره ودلالاته ومزجت بين الرمزية والواقعية، وكان الروائي شاهداً على الاحداث.
منذ الاستهلال تضعنا رواية (طقوس إلاثم) للروائي منذر عبد الحر إزاء واقع متشظٍ ومأزوم في خضم التحوّل الدراماتيكي الحاد الذي أحدثه الاحتلال 2003م، وازاء شخصيات قلقة تحمل على كاهلها أعباء المرحلة التي عصفت بالحياة بكلّ أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيمّية،إذ جسدت الرواية واقع ما بعد الاحتلال، بكل تشظياته وافرازاته وأزماته لاسيما تفكّك المنظومة الاجتماعية والقيمية وانتشار الموت العبثي، وظاهرة القتل على الهويّة، والاغتيالات والتصفيات، وظاهرة العنف المتوحش وهيمنة النزعة الإقصائية، ومشاهد الجثث مجهولة الهويّة والفساد والانحراف والسرقة، ونهب المصارف والمال العام، وظهور المافيات والعصابات، ومحاصرة الشخصيّات الحقيقية والوطنية بالخراب والعبث والقمع، مثل شخصية (رواء) المحورية، التي تمثل البطولة في الرواية، وهي تواجه هذا العصف الكلّي والبنيوي.
وتحيل سيمائيه العنوان الى فضاء العبث والموت والآثام التي وشمت كل أبعاد الواقع وانقسمت الشخصيّات في ظل هذا الخراب إلى شخصيات حقيقية جابهت أزماتها بقوّة وحزم مثل شخصيات (رواء) وشقيقيها (عامر وحسام) ومثل شخصية الشاب المثقف (رشيد) وغيرها من الشخصيات التي ظلّت تمثّل الجانب المشرق من الحياة، ومقاومة الخراب، بالتضاد من الشخصيات السلبيّة التي تلوّثت، وقدمت أنموذجاً للإنكسار والنكوص القيمي والأخلاقي مثل شخصية (نوال أم جابر) التي يمثّل ابنها (جابر) المجنون صورة للانحراف، ونتيجة للخلل ورمزاً لعبثية وجنون ما يحدث من أحداث وتداعيات تشوّه الحياة، وتقدّم مساحة من مساحات الترّدي بكلّ صوره ومعانيه ودلالاته التي تحوّلت إلى أشبه بطقوس بدائية واحتدام غرائزي ونفعي، وديستوبيّة مقيتة، ولو اكتفى الروائي بالعنوان العام، الدال وسيمائية الخراب فيه من دون شرح المدلول ضمناً الذي انطوي عليه العنوان الثاني أو الفرعي (من وقائع أيام المحنة في بغداد) الذي عكس شرحاً لا موجب له ويعدّ فائضاً لأنّ المتن يدلّ عليه فضلا عن العنوان العام.
تبدأ الرواية بالاستهلال المتوتّر والدال الذي يصل إلى ذروته في هذا المقطع السردي: “انفرجت أفواه الجميع دهشة حين أطلّ معتوه المدينة (جابر) من الزقّاق الضيّق المطل على المزرعة المتروكة ذات أشجار اليوكالبتوس المعمّرة المتشابكة، وهو يلوّح بقميص عسكري ممّزق عليه بقع من الدماء، وكان جابر يصرخ بصوت عالٍ، تارة يشير إلى ضحك فزع، وتارة أخرى إلى لوعة وبكاء، وإزاء جري جابر وصوته غير المفهوم، وانتشر خبر كالنار في الهشيم، لا يعرف مصدره الحقيقي، مفاد الخبر أن سيارة عسكرية من نوع (إيفا) محملة بالسلاح والعتاد قد تحطمت إثر قصف جوّي على المزرعة المتروكة ومات في السيارة ضابط شاب مع عدد من جنوده” (الرواية: 9-10).
يمثل هذا المشهد السردي المفتاح الترميزي لأحداث وتحوّلات الرواية، وتقديم صورة للانهيار الصادم الذي أصاب البنية الكلّية وتحول الناس إلى كائنات قلقة وموسوسة وإلى جثث مرماة على قارعة الطرقات، ولقد وضع الروائي مناصّا أو نصّا موازيا إلى جانب العنوان، وهو استعارة لقصيدة كاملة للشاعر الأفريقي (أو نيسيمو سيلفرا) مطلعها:
” كلنا نعيش بسطاء / مسالمين / منذ فجر الزمان / كنّا أخوة طبعا
وكنا نأكل ثمارنا / ونشرب ينابيعنا / ونستنشق هواء اريافنا..الخ” (الرواية: 6).
تميّزت الرواية بكثرة وتعدّد الشخصيات، منها ما هو رئيسي ومركزي واخرى مثّلت الخط الثانوي، ومثلما قدّم الروائي مشهداً رمزياً للعنف والجنون من خلال شخصيّة (جابر) قدم كذلك شخصية (رواء) وحبيبها (ماهر) وصورهما بكل جمالية بداية العشق والحب والرسائل والايحاءات والمواقف الرومانسية التي تنتهي القصّة لتبدأ بالزفاف والخطبة وقد كسر الروائي خطّية السرد المأسوي بهذا الاختراق، ليقدّم الحياة بكلّ جوانبها وتنوّعها الذي يعكس ثنائية (الخير والشر) و(الحب والكراهية) و(الحياة والموت) و(الحرب والسلام) و(الزيف والحقيقة) وغيرها من الثنائيات المتناقضة والمنسجمة مع الواقع لكن (ماهراً) تغيّبه حرب الثماني سنوات العبثية ويتحوّل الى قربان وشهيد فيها وكانت رواء مع غيرها تنتظر عودته للزفاف: “وهكذا كان الجميع ينتظر عودة ماهر للاحتفال بزفافه، وهو الراحل إلى قاطع الشيب على الحدود العراقية الإيرانية والعائد جثّة هامدة في صندوق خشبي” (الرواية: 25) .
وتمثل شخصية (رشيد) ضمن علاقة ثلاثية للأصدقاء مع ناصر السامي وحازم وزوجته التي تخونه وهو فاقد لذكورته وبعد الفضيحة هربت منه تاركة رسالة له توبّخه فيها، وتتركه للخمر والضياع، بعد ان تحولت الى مومس وقد رفضها ناصر بعد صحوة ضميره.
ويتناغم السلوك الانحرافي والفساد الاخلاقي لشخصية (سهام) مع شخصية (نوال ام جابر) المجنون التي تبدو مومساً من نوع آخر تمتهن إغراء الرجال وتمثّل ابنتها (ورود) وابنها (نائل) ضحيّتين لهذا السلوك الشائن.
ولعلّ التحليل السيميائي والسايكولوجي لصور الانحراف الأنثوي المتمثل بسهام ونوال فأنّه يعكس البعد الرمزي للجنس بوصفه صورة من صور الفساد والانهيار القيمي والأخلاقي الذي يتماهى مع تداعيات وظواهر الاحتلال بوصفه خيانة كلية وانحرافاً أخلاقياً بكلّ أبعادة وتجلياته ومظاهره السيئة، لكنّ الروائي يقدم شخصيتي (رواء) و(سحر) كمعادل موضوعي للشخصيات المضادّة والشخصيّات التي تحمل الصدق والنقاء والحلم، وقد التقتا بعد فراق، وفرحت (رواء) لأن صديقتها (سحر) قد شجعتها على العودة الى الدراسة، واستعادة الحياة والإشراق والرهان على العلم بوصفه المضاد للإنحراف الكلّي، لكن الحلم يظل مهدّداً دوماً بالكابوسيّة الاحتلالية حيث تستشهد (سحر) في الانفجار العبثي، ويصيب الحزن والانكسار صديقتها (رواء) وموت الحلم المشترك، إذ عانت رواء جراء هذا الحادث المفجع، “وهي تضرب وجهها وتصرخ باسم صديقتها (سحر) التي لاقت حتفها بالانفجار…” (الرواية: 200).
الرواية تجمع بين التوثيق والتجسيد والتسجيل لمرحلة الاحتلال التي افرزت الخراب والنكوص والانهيار بكل صوره ودلالاته ومزجت بين الرمزية والواقعية، وكان الروائي شاهداً على الاحداث.
التعليقات