حين أفقت، كان آخر خيطٍ من ضوء النهار ينسحب ببطء خلف أشجارٍ بعيدة. تلونت السماء بلونٍ برتقاليٍّ باهت، كأنها تحمل آثار حريقٍ قديم، والهواء مشبعٌ برائحة الرماد والتراب. لم أعلم أين أنا. المكان مألوفٌ وغريبٌ في آنٍ معًا، كأنه نسخةٌ مشوّهة من الحيّ الذي نشأت فيه: مبانٍ بلا نوافذ، أشجارٌ واقفةٌ بلا ظل، وهواءٌ لا يحمل سوى رجع قهقهات رجالٍ عجائز، تأتي من مقهى لا أراه. حاولت أن أخطو لكنني لم أشعر بأن لي قدمين، ظننت أنني أجثو على ركبتيّ، وحين حاولت أن ألمس وجهي، لم أجد يدًا تلامسه. لم يكن هناك ألم ولا حتى خوف، كأن الخوف نفسه بقي مع الجسد. رفعت بصري. غير بعيدٍ عني رجلٌ ممددٌ على الأرض. وجهه شاحب.. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، تحدّقان في اللاشيء، وثيابه مغطاة بالغبار والدم. حدّقت فيه طويلًا.. ثم أدركت الحقيقة.. ذلك أنا. ذلك جسدي.. أو ما تبقى منه. حاولت أن أسترجع ما حدث. قبل لحظات.. أو ربما منذ دهور.. كنت أركض.. أو هكذا أظن.. لا أدري، أكنت أهرب من شيء أم أركض نحوه؟ كل ما أتذكره هو ومضةٌ بيضاء، ثم انفجارٌ مزّق الهواء، ثم عتمةٌ كاملة.. أعقبها سكونٌ كثيف مثل سكون الغبار حين يستقر فوق وجه ميت. بعدها بدأ كل شيء يتشظّى. تسللت إليّ أصواتٌ من مكانٍ لا أعرفه. صوت أمي تناديني من نافذة بيتنا القديم. ضحكة صديقي الذي فقدته منذ سنوات. عينا فتاةٍ أحببتها أيام المراهقة تنظران إليّ بخوف. صوت معلمي في أول يومٍ من المدرسة. وصفارةُ عسكريٍّ تدفعنا نحو الملجأ. ثم.. الصمت. لكنه لم يكن صمتًا حقيقيًا، بل صمتًا مليئًا بالأسئلة. هل متُّ حقًا؟ أم أنني عالقٌ في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، حيث يتردد الزمن قبل أن يقرر إلى أين يمضي؟ هل أصبحت مجرد ذكرى في ذاكرة الآخرين؟ أم أنني لم أكن يومًا جديرًا بأن أُذكر في ذاكرتهم؟ وهل هذا الإحساس دليلٌ على أنني ما زلت حيًا.. أم أنه الخدعة الأخيرة التي تصنعها الذاكرة قبل أن تنطفئ؟ وسط هذا الفراغ، رأيت طفلًا يقترب مني. يمشي بحذر كأنه يبحث عن لعبةٍ ضاعت تحت الركام. وقف أمام جسدي، وأطال النظر إلى وجهي المهشّم، أو هكذا أظن، ثم جلس إلى جواره بصمت كأنه يحاول قراءة شيءٍ لا يفهمه. قال بصوتٍ لا يشبه أصوات الأطفال: — تعرف؟ يبدو أنك لم تكن خائفًا وأنت تموت. أردت أن أجيبه. أردت أن أسأله مَن يكون. لكنني لم أكن أملك فمًا، ولا صوتًا.. ولا حتى جسدًا. كنت مجرد وعيٍ يشاهد. تابع الطفل وعيناه لا تزالان معلّقتين بوجهي: — كان أبي يشبهك.. حتى الصمت في وجهه يشبه صمتك! ثم أشار إلى حفرةٍ خلفه. في تلك اللحظة، شعرت بقوةٍ خفية تشدّني إلى الخلف. بدأ كل شيء يذوب. رائحة التراب. طنين الرصاص. ملامح الطفل. ألوان الغروب. كلها تراجعت واضمحلّت مثل ذرات رملٍ في عاصفة. ولم يبقَ أمامي سوى صورةٍ واحدة.. جسدي الملقى على الأرض.. يبتسم. ثم.. استيقظت. فتحت عينيّ على سقفٍ إسمنتيٍّ رمادي. أنبوب أُوكسجينٍ في أنفي، وضماداتٌ تغطي نصف جسدي. إلى جانبي وقف رجلٌ يرتدي زيًا طبيًا، يراقبني بدهشةٍ واضحة. قال بصوتٍ متهدّج: — الحمد لله، عدت.. همست بصعوبة: — أين كنت؟ نظر إليّ لحظة ثم قال: — كنت ميتًا سريريًا.. ثلاث دقائق فقط.. ظننا أنك لن تعود. كررت بصوتٍ بالكاد يُسمع: — ثلاث.. دقائق؟ ابتسم ابتسامةً باهتة. — نعم. أغمضت عينيّ. ثلاث دقائق في حسابهم.. لكنها بدت لي عمرًا كاملًا. وعندها فقط أدركت الحقيقة. الموت لم يغيّر رأيه. لقد منحني ثلاث دقائق.. ثلاث دقائق من الغياب.. لأنظر إلى الحياة.. من خلال عينيه.
⸻————————- نحن لا نرى الحياة بوضوح.. إلّا حين نبتعد عنها بما يكفي لندرك قيمتها. م ج ح
ثلاث دقائق من الغياب
حين أفقت، كان آخر خيطٍ من ضوء النهار ينسحب ببطء خلف أشجارٍ بعيدة. تلونت السماء بلونٍ برتقاليٍّ باهت، كأنها تحمل آثار حريقٍ قديم، والهواء مشبعٌ برائحة الرماد والتراب. لم أعلم أين أنا. المكان مألوفٌ وغريبٌ في آنٍ معًا، كأنه نسخةٌ مشوّهة من الحيّ الذي نشأت فيه: مبانٍ بلا نوافذ، أشجارٌ واقفةٌ بلا ظل، وهواءٌ لا يحمل سوى رجع قهقهات رجالٍ عجائز، تأتي من مقهى لا أراه. حاولت أن أخطو لكنني لم أشعر بأن لي قدمين، ظننت أنني أجثو على ركبتيّ، وحين حاولت أن ألمس وجهي، لم أجد يدًا تلامسه. لم يكن هناك ألم ولا حتى خوف، كأن الخوف نفسه بقي مع الجسد. رفعت بصري. غير بعيدٍ عني رجلٌ ممددٌ على الأرض. وجهه شاحب.. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، تحدّقان في اللاشيء، وثيابه مغطاة بالغبار والدم. حدّقت فيه طويلًا.. ثم أدركت الحقيقة.. ذلك أنا. ذلك جسدي.. أو ما تبقى منه. حاولت أن أسترجع ما حدث. قبل لحظات.. أو ربما منذ دهور.. كنت أركض.. أو هكذا أظن.. لا أدري، أكنت أهرب من شيء أم أركض نحوه؟ كل ما أتذكره هو ومضةٌ بيضاء، ثم انفجارٌ مزّق الهواء، ثم عتمةٌ كاملة.. أعقبها سكونٌ كثيف مثل سكون الغبار حين يستقر فوق وجه ميت. بعدها بدأ كل شيء يتشظّى. تسللت إليّ أصواتٌ من مكانٍ لا أعرفه. صوت أمي تناديني من نافذة بيتنا القديم. ضحكة صديقي الذي فقدته منذ سنوات. عينا فتاةٍ أحببتها أيام المراهقة تنظران إليّ بخوف. صوت معلمي في أول يومٍ من المدرسة. وصفارةُ عسكريٍّ تدفعنا نحو الملجأ. ثم.. الصمت. لكنه لم يكن صمتًا حقيقيًا، بل صمتًا مليئًا بالأسئلة. هل متُّ حقًا؟ أم أنني عالقٌ في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، حيث يتردد الزمن قبل أن يقرر إلى أين يمضي؟ هل أصبحت مجرد ذكرى في ذاكرة الآخرين؟ أم أنني لم أكن يومًا جديرًا بأن أُذكر في ذاكرتهم؟ وهل هذا الإحساس دليلٌ على أنني ما زلت حيًا.. أم أنه الخدعة الأخيرة التي تصنعها الذاكرة قبل أن تنطفئ؟ وسط هذا الفراغ، رأيت طفلًا يقترب مني. يمشي بحذر كأنه يبحث عن لعبةٍ ضاعت تحت الركام. وقف أمام جسدي، وأطال النظر إلى وجهي المهشّم، أو هكذا أظن، ثم جلس إلى جواره بصمت كأنه يحاول قراءة شيءٍ لا يفهمه. قال بصوتٍ لا يشبه أصوات الأطفال: — تعرف؟ يبدو أنك لم تكن خائفًا وأنت تموت. أردت أن أجيبه. أردت أن أسأله مَن يكون. لكنني لم أكن أملك فمًا، ولا صوتًا.. ولا حتى جسدًا. كنت مجرد وعيٍ يشاهد. تابع الطفل وعيناه لا تزالان معلّقتين بوجهي: — كان أبي يشبهك.. حتى الصمت في وجهه يشبه صمتك! ثم أشار إلى حفرةٍ خلفه. في تلك اللحظة، شعرت بقوةٍ خفية تشدّني إلى الخلف. بدأ كل شيء يذوب. رائحة التراب. طنين الرصاص. ملامح الطفل. ألوان الغروب. كلها تراجعت واضمحلّت مثل ذرات رملٍ في عاصفة. ولم يبقَ أمامي سوى صورةٍ واحدة.. جسدي الملقى على الأرض.. يبتسم. ثم.. استيقظت. فتحت عينيّ على سقفٍ إسمنتيٍّ رمادي. أنبوب أُوكسجينٍ في أنفي، وضماداتٌ تغطي نصف جسدي. إلى جانبي وقف رجلٌ يرتدي زيًا طبيًا، يراقبني بدهشةٍ واضحة. قال بصوتٍ متهدّج: — الحمد لله، عدت.. همست بصعوبة: — أين كنت؟ نظر إليّ لحظة ثم قال: — كنت ميتًا سريريًا.. ثلاث دقائق فقط.. ظننا أنك لن تعود. كررت بصوتٍ بالكاد يُسمع: — ثلاث.. دقائق؟ ابتسم ابتسامةً باهتة. — نعم. أغمضت عينيّ. ثلاث دقائق في حسابهم.. لكنها بدت لي عمرًا كاملًا. وعندها فقط أدركت الحقيقة. الموت لم يغيّر رأيه. لقد منحني ثلاث دقائق.. ثلاث دقائق من الغياب.. لأنظر إلى الحياة.. من خلال عينيه.
⸻————————- نحن لا نرى الحياة بوضوح.. إلّا حين نبتعد عنها بما يكفي لندرك قيمتها. م ج ح
التعليقات