قبلة صغيرة

صورة الكاتب
بقلم: محمد حمود الياسين
التاريخ: 29 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 2150
قبلة صغيرة

تحاملت على سكون السرير لتعتدل في جلستها، وراحت تطعم ضعفها على مهل وبلا شهية، كمن يؤدي واجباً أخيراً للجسد. حين عدت إليها بكوب الشاي، امتدت يدها فجأة وأمسكت بكفي. لم أفهم لِمَ، لكني أسلمت لها يدي بطواعية مطلقة؛ رفعتها إلى شفتيها، وقبّلت باطن الكف لنفرة داكنة من الحنان.
تسمّرتُ مكانِي. كانت قبلة صغيرة، لكنها باغتت فيّ موضعاً غائراً لم أكن أعلم أن العِشرة الطويلة تركت في ذرة إحساسٍ واحدة لم تتيبّس بعد.
أشحتُ بوجهي سريعاً وغادرت الغرفة، فقد شعرت بالدمع يتسرب إلى عينيّ، ولم أرد أن تراني على هذا الوهن. كان المرض قد هزم نشاطها وألزمها الفراش. استيقظتُ صباحاً لأجدني، ربما للمرة الأولى منذ عقود، وحيداً وسط فراغ المطبخ.
فتحتُ الثلاجة، تناولتُ قطعة جبنٍ من بقايا الأمس كانت قد غلفتها بحرصٍ كي لا تفقد طراوتها. أخرجتُ خيارتين وقطعتهما طولياً محاكياً أسلوبها الدقيق، ووضعت إلى جوارهما كسرة خبز.
لم تكن صينية الإفطار تُشبه صوانيها المترعة بالدفء التي تدسّها أمامي كل صباح، لكنها كانت أقصى ما جادت به يداي المغرورتان. حملتُ إليها الصينيه، ثم رجعت لأعدّ لها كوباً من الشاي.
في الأيام الخوالي، كان يقع هذا العبء على كاهل “إيناس” لتعين أمها، يا اهبء أربعون سنة مرت على زواجنا؛ أربعون عاماً اعتاد فيها جسدي أن يجد إفطاره حاضراً في موعده كبديهيةٍ من بديهيات الوجود، وأن تتبعها إستكان الشاي الساخن، فأرتشفه على مهل وأنا أغرق في شاشة موبايلي أتنقل بين رسائل الصباح، دون أن ألتفت لحظة واحدة لما يدور في كواليس المطبخ.
صار كل ذلك تفصيلاً مظلوماً بالاعتياد، أعمى لا يستوقفه الفكر، ولا يحتاج في ظني الصغير إلى كلمة شكر.
أما هذا الصباح، فلم أفعل سوى القشور مما تفعله هي كل يوم: قطعة جبن، خيارتان، كسرة خبز، وكوب شاي جاهز صببت عليه الماء الساخن في عجالة، في كوبٍ نسيت حتى أن أغسله قبل صبّه، تهرباً من مشقة أعدها هي هينة.
وقفتُ في الغرفة المجاورة مرتبكاً، أمسح طيف الدمع عن عينيّ. كان أثر شفتيها يكتوي به باطن كفي، أو هكذا خُيّل إلي، فضممتُ أصابعي بإحكام كي أقبض على اللحظة وأمنعها من التبدد في الهواء.
وفي تلك العتمة المفاجئة، أطلّ سؤالٌ واحد يقرع رأسي بلا رحمة: لماذا لم أقبّل يدها، ولو لمرة واحدة، طوال أربعين سنة ؟

عن الکاتب / الکاتبة

محمد حمود الياسين
محمد حمود الياسين
قاص . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“مرآة في طريق العودة”

“مرآة في طريق العودة”

مرآة في طريق العودة كان السمر في مجلس “أبي سلمان” لا يخلو من هيبةٍ يفرضها…

صورة الكاتب محمد حمود الياسين
22 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قبلة صغيرة

بقلم: محمد حمود الياسين | التاريخ: 29 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

تحاملت على سكون السرير لتعتدل في جلستها، وراحت تطعم ضعفها على مهل وبلا شهية، كمن يؤدي واجباً أخيراً للجسد. حين عدت إليها بكوب الشاي، امتدت يدها فجأة وأمسكت بكفي. لم أفهم لِمَ، لكني أسلمت لها يدي بطواعية مطلقة؛ رفعتها إلى شفتيها، وقبّلت باطن الكف لنفرة داكنة من الحنان.
تسمّرتُ مكانِي. كانت قبلة صغيرة، لكنها باغتت فيّ موضعاً غائراً لم أكن أعلم أن العِشرة الطويلة تركت في ذرة إحساسٍ واحدة لم تتيبّس بعد.
أشحتُ بوجهي سريعاً وغادرت الغرفة، فقد شعرت بالدمع يتسرب إلى عينيّ، ولم أرد أن تراني على هذا الوهن. كان المرض قد هزم نشاطها وألزمها الفراش. استيقظتُ صباحاً لأجدني، ربما للمرة الأولى منذ عقود، وحيداً وسط فراغ المطبخ.
فتحتُ الثلاجة، تناولتُ قطعة جبنٍ من بقايا الأمس كانت قد غلفتها بحرصٍ كي لا تفقد طراوتها. أخرجتُ خيارتين وقطعتهما طولياً محاكياً أسلوبها الدقيق، ووضعت إلى جوارهما كسرة خبز.
لم تكن صينية الإفطار تُشبه صوانيها المترعة بالدفء التي تدسّها أمامي كل صباح، لكنها كانت أقصى ما جادت به يداي المغرورتان. حملتُ إليها الصينيه، ثم رجعت لأعدّ لها كوباً من الشاي.
في الأيام الخوالي، كان يقع هذا العبء على كاهل “إيناس” لتعين أمها، يا اهبء أربعون سنة مرت على زواجنا؛ أربعون عاماً اعتاد فيها جسدي أن يجد إفطاره حاضراً في موعده كبديهيةٍ من بديهيات الوجود، وأن تتبعها إستكان الشاي الساخن، فأرتشفه على مهل وأنا أغرق في شاشة موبايلي أتنقل بين رسائل الصباح، دون أن ألتفت لحظة واحدة لما يدور في كواليس المطبخ.
صار كل ذلك تفصيلاً مظلوماً بالاعتياد، أعمى لا يستوقفه الفكر، ولا يحتاج في ظني الصغير إلى كلمة شكر.
أما هذا الصباح، فلم أفعل سوى القشور مما تفعله هي كل يوم: قطعة جبن، خيارتان، كسرة خبز، وكوب شاي جاهز صببت عليه الماء الساخن في عجالة، في كوبٍ نسيت حتى أن أغسله قبل صبّه، تهرباً من مشقة أعدها هي هينة.
وقفتُ في الغرفة المجاورة مرتبكاً، أمسح طيف الدمع عن عينيّ. كان أثر شفتيها يكتوي به باطن كفي، أو هكذا خُيّل إلي، فضممتُ أصابعي بإحكام كي أقبض على اللحظة وأمنعها من التبدد في الهواء.
وفي تلك العتمة المفاجئة، أطلّ سؤالٌ واحد يقرع رأسي بلا رحمة: لماذا لم أقبّل يدها، ولو لمرة واحدة، طوال أربعين سنة ؟