لغز يوم الخميس

صورة الكاتب
بقلم: محمد حمود الياسين
التاريخ: 11 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3884
لغز يوم الخميس

كان يوم الخميس في الصف الخامس الابتدائي يختلف عن كل أيام الأسبوع. لم يكن سبب فرحتنا هو اقتراب العطلة فحسب، بل تلك الدقائق العشر الأخيرة من حصة اللغة العربية، حين كان معلمنا يغلق الكتاب، يبتسم بوقار، ويمسك بالطبشورة ليعلن بدء “طقسنا المقدس”.
كان يلتفت إلى السبورة ويخط بخطه الكوفي الجميل عبارة ثابتة: “حزورة الأسبوع”. كنّا ننظر إلى السبورة بأعين متسعة وشغف لا حدود له، ونحبس أنفاسنا وهو يكتب لغزاً شعرياً أو مسألة منطقية غامضة. يلتفت إلينا قائلاً بنبرته الأبوية الدافئة: يا أبنائي، هذا قفل الأسبوع. ومفتاحه ليس عندي، بل في بيوتكم. أريد من كل واحد منكم أن يشرك عائلته، أباه، أمه، أو إخوته الكبار في البحث عن الحل. نلتقي صباح السبت لنرى من سيفتح القفل.
كنا نخرج من المدرسة واللغز يدور في عقولنا الصغيرة كالعاصفة. أتذكر كيف كنت أركض إلى المنزل، وأكاد أتعثر من الحماس لأطرح الحزورة على مائدة الغداء.
كان لغز المعلم يحول عطلتنا من مجرد لعب ولهو، إلى ورشة عمل عائلية دافئة. يجتمع أبي بأفكاره الرصينة، وأمي بذكائها الفطري، وإخوتي، نتبادل الاحتمالات، ونختلف، ونضحك، وفي النهاية نصل إلى جواب نراه عبقرياً.
صباح السبت كان يحمل نكهة خاصة. ندخل الصف والكل يحمل في جيبه ورقة مطوية بعناية، كأنها وثيقة سرية. يجلس المعلم على مكتبه، ويبدأ بسماع الإجابات. كان يستمع لكل تلميذ باهتمام بالرغْم من تكرار بعض الإجابات، يبتسم للخطأ، ويشجع المحاولة، ويعلن الفائز في النهاية وسط تصفيق حار يهز جدران الفصل.
كنا نعيش متعة لا توصف، ونشعر بالفخر لأننا أنجزنا “مهمة عائلية” مشتركة. مضت السنوات، وغادرنا ذلك الصف الصغير، وكبرنا لتأخذنا دوامة الحياة. والتفتُّ يوماً إلى الوراء متأملاً تلك الأيام، وفهمتُ أخيراً سرّ معلمنا الراحل.
لم يكن يختبر ذكاءنا، ولم يكن يملأ فراغنا؛ بل كان يدربنا بذكاء على “كيف نفكر” لا “ماذا نحفظ”. كان يزرع فينا متعة البحث، ويعلمنا كيف نتحاور مع الكبار، ويجعل من العائلة شريكاً في صناعة عقولنا دون أن نشعر.
لقد سقط الطبشور من يد المعلم منذ زمن، لكن القفل الذي فتحه في عقولنا ما زال مشرعاً على الفضول والمعرفة حتى اليوم.

عن الکاتب / الکاتبة

محمد حمود الياسين
محمد حمود الياسين
قاص . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قبلة صغيرة

قبلة صغيرة

تحاملت على سكون السرير لتعتدل في جلستها، وراحت تطعم ضعفها على مهل وبلا شهية، كمن…

صورة الكاتب محمد حمود الياسين
29 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
“مرآة في طريق العودة”

“مرآة في طريق العودة”

مرآة في طريق العودة كان السمر في مجلس “أبي سلمان” لا يخلو من هيبةٍ يفرضها…

صورة الكاتب محمد حمود الياسين
22 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


لغز يوم الخميس

بقلم: محمد حمود الياسين | التاريخ: 11 أكتوبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

كان يوم الخميس في الصف الخامس الابتدائي يختلف عن كل أيام الأسبوع. لم يكن سبب فرحتنا هو اقتراب العطلة فحسب، بل تلك الدقائق العشر الأخيرة من حصة اللغة العربية، حين كان معلمنا يغلق الكتاب، يبتسم بوقار، ويمسك بالطبشورة ليعلن بدء “طقسنا المقدس”.
كان يلتفت إلى السبورة ويخط بخطه الكوفي الجميل عبارة ثابتة: “حزورة الأسبوع”. كنّا ننظر إلى السبورة بأعين متسعة وشغف لا حدود له، ونحبس أنفاسنا وهو يكتب لغزاً شعرياً أو مسألة منطقية غامضة. يلتفت إلينا قائلاً بنبرته الأبوية الدافئة: يا أبنائي، هذا قفل الأسبوع. ومفتاحه ليس عندي، بل في بيوتكم. أريد من كل واحد منكم أن يشرك عائلته، أباه، أمه، أو إخوته الكبار في البحث عن الحل. نلتقي صباح السبت لنرى من سيفتح القفل.
كنا نخرج من المدرسة واللغز يدور في عقولنا الصغيرة كالعاصفة. أتذكر كيف كنت أركض إلى المنزل، وأكاد أتعثر من الحماس لأطرح الحزورة على مائدة الغداء.
كان لغز المعلم يحول عطلتنا من مجرد لعب ولهو، إلى ورشة عمل عائلية دافئة. يجتمع أبي بأفكاره الرصينة، وأمي بذكائها الفطري، وإخوتي، نتبادل الاحتمالات، ونختلف، ونضحك، وفي النهاية نصل إلى جواب نراه عبقرياً.
صباح السبت كان يحمل نكهة خاصة. ندخل الصف والكل يحمل في جيبه ورقة مطوية بعناية، كأنها وثيقة سرية. يجلس المعلم على مكتبه، ويبدأ بسماع الإجابات. كان يستمع لكل تلميذ باهتمام بالرغْم من تكرار بعض الإجابات، يبتسم للخطأ، ويشجع المحاولة، ويعلن الفائز في النهاية وسط تصفيق حار يهز جدران الفصل.
كنا نعيش متعة لا توصف، ونشعر بالفخر لأننا أنجزنا “مهمة عائلية” مشتركة. مضت السنوات، وغادرنا ذلك الصف الصغير، وكبرنا لتأخذنا دوامة الحياة. والتفتُّ يوماً إلى الوراء متأملاً تلك الأيام، وفهمتُ أخيراً سرّ معلمنا الراحل.
لم يكن يختبر ذكاءنا، ولم يكن يملأ فراغنا؛ بل كان يدربنا بذكاء على “كيف نفكر” لا “ماذا نحفظ”. كان يزرع فينا متعة البحث، ويعلمنا كيف نتحاور مع الكبار، ويجعل من العائلة شريكاً في صناعة عقولنا دون أن نشعر.
لقد سقط الطبشور من يد المعلم منذ زمن، لكن القفل الذي فتحه في عقولنا ما زال مشرعاً على الفضول والمعرفة حتى اليوم.