لم يكن يعرف لماذا اختار الصدق، أو لعلّه كان يعرف، لكنه لم يكن يجرؤ على الاعتراف لنفسه بالإجابة كاملة. كان يعرف فقط أن في داخله شيئاً يرفض أن يسلك الطرق الأسهل، حتى حين كان يرى الآخرين يصلون عبرها أسرع، ويجمعون ما عجز هو عن جمعه، ويحصدون من القبول ما دفع هو ثمنه من وحدته.
كان يسأل نفسه كثيراً:
ما الذي يريده من كل هذا؟
لماذا يصرّ على قول الحقيقة حين يكون الصمت أكثر أماناً؟
لماذا يفي بوعدٍ يستطيع بسهولة أن يتراجع عنه؟
لماذا يعطي حين يكون الاحتفاظ بما لديه أكثر عقلانية؟
ولماذا يشعر بالذنب حين يتوقف عن إنقاذ الآخرين، وكأن عليه أن يدفع دائماً ثمناً لا يعرف من اختاره ولا متى وقّع عليه؟
أحياناً كان يشك في نفسه. ربما لم يكن صادقاً كما يظن، ربما كان يبحث، من حيث لا يدري، عن امتنانٍ لا يأتي. ربما كان عطاؤه محاولة مستترة لإثبات قيمته، أو طريقةً لتعويض نقص قديم لم يستطع مواجهته. وربما كانت تضحيته للآخرين ليست نبلاً خالصاً كما أحب أن يعتقد، بل خوفاً من أن يصبح بلا قيمة إذا توقف عن منح نفسه لهم.
وكان هذا السؤال يؤلمه أكثر من أي خذلان:
هل كان يفعل الخير لأنه خير، أم لأنه يحتاج أن يشعر بأنه شخص يستحق الحب؟
لم يجد جواباً حاسماً.
وكلما حاول أن يكون أكثر صدقاً مع نفسه، اكتشف طبقات أخرى من التناقض. كان يريد أن يعطي بلا مقابل، لكنه كان يتألم حين لا يُقدَّر. كان يقول إنه لا ينتظر شيئاً من أحد، ثم يحزن حين لا يلتفت أحد إلى ما فعله. كان يرفض الاعتراف بحاجته إلى الآخرين، ثم يكتشف في لحظات ضعفه أنه لم يكن قوياً كما ادعى.
كان داخله شخصان يتنازعان المكان نفسه.
أحدهما يقول له: كفى. لا تمنح أكثر مما يُمنح لك. لا تكن ساذجاً في عالمٍ لا يكافئ السذاجة. تعلّم أن تضع حدوداً، أن تنسحب، أن تحفظ قلبك لنفسك. فالناس لا يتذكرون كم نزفت من أجلهم؛ يتذكرون فقط اللحظة التي عجزت فيها عن إعطائهم المزيد.
والآخر، أكثر هدوءاً، كان يقول: لكنك إن فعلت ذلك، ماذا سيبقى منك؟
كان يخاف من أن تتحول خيباته إلى قسوة، وأن يصبح دفاعه عن نفسه ذريعة ليفقد الجزء الأكثر نقاءً فيه. كان يخشى أن يأتي يوم لا يعود فيه يميّز بين الحكمة والبرود، بين حفظ الكرامة والانتقام، بين وضع الحدود وإغلاق القلب.
لهذا كان الصراع لا ينتهي.
كان العقل يطالبه بأن يتغير، والضمير يطالبه بألا يتلوث. كان الواقع يدفعه إلى الشك، بينما شيء عميق فيه كان لا يزال يؤمن بأن فساد الآخرين ليس مبرراً لفساد الإنسان نفسه.
وكان أكثر ما يربكه أنه لم يعد يعرف إن كان صموده قوة أم عجزاً.
فالقوي، في نظر العالم، هو من يعرف متى يأخذ، ومتى يرفض، ومتى يدير ظهره دون أن يلتفت. أما هو، فكان يحمل الآخرين معه حتى بعدما أثقلوه، ويعود إلى نفسه آخر الليل محاولاً إقناعها بأن ما فعله لم يكن خطأ.
لكنها كانت تسأله:
وماذا عنك؟
متى يأتي دورك؟
كان السؤال يظل معلقاً في داخله، أثقل من أن يجيب عنه، وأصدق من أن يتجاهله.
كان يعرف أن الحياة لا تقيم الأشياء بميزان واحد. لا تكشف الأقنعة سريعاً، ولا تفضح المداهنين دائماً، ولا تمنح الصادقين مكافأتهم بالضرورة. بل إن أكثر ما كان يؤلمه أن يرى الكذب يُكافأ أحياناً، بينما يُطلب من الصادق أن يبرر صدقه وكأنه متهم.
صار الكذب دهاءً، والمراوغة حنكةً، ونقض العهود مجرد اختلاف في الظروف، والخداع مهارةً في التعامل مع الحياة. أما الإخلاص، فأصبح عند البعض ضعفاً يمكن استغلاله، والطيبة سذاجة، والوفاء عبئاً على صاحبه.
وكان يسأل نفسه:
إذا كان العالم لا يحترم إلا من يجيد اللعب بقوانينه، فلماذا لا يتعلم اللعب؟
ترى هل كان يستطيع؟
هذا ما كان يخيفه.
كان يستطيع أن يصبح أكثر بروداً، أقل اكتراثاً، أكثر قدرة على قول لا، وأكثر استعداداً لأن يترك الآخرين يواجهون نتائج أفعالهم. كان يستطيع أن يتعلم فن المساومة، وأن يمنح بالقدر الذي يأخذ، وأن يحب بالقدر الذي يُحَب، وأن يغادر قبل أن يُخذل.
لكن شيئاً فيه كان يعرف أن النجاة بهذه الطريقة قد تكون نوعاً آخر من الهزيمة.
فما جدوى أن ينجو من الآخرين إذا خسر نفسه؟
وهنا كان الصراع الحقيقي: لم يكن بينه وبين العالم بقدر ما كان بينه وبين النسخة التي يمكن أن يصبحها إذا سمح لكل خيبة أن تعيد تشكيله.
كان يخشى أن تتحول الخيبات إلى جدران، وأن يتحول الحذر إلى شك، وأن تتحول الكرامة إلى كبرياء، وأن يتحول الصمت إلى عقاب، وأن يصبح ردّ الأذى بالأذى عدلاً في نظره.
وكان يعرف أن الإنسان لا يسقط دفعة واحدة؛ يبدأ سقوطه حين يبرر لنفسه أول تنازل عن مبدأ كان يؤمن به، ثم يتبعه بتنازل آخر، حتى يستيقظ ذات يوم فيجد أنه أصبح الشخص الذي كان يخشاه.
لذلك كان الطريق يزداد ثقلاً كلما تقدم.
لم يكن يبحث عن بطولة، ولا عن صورة جميلة أمام الآخرين. كان يبحث فقط عن طريقة يبقى بها إنساناً دون أن يسمح للآخرين باستنزاف إنسانيته.
وربما كان هذا أصعب امتحان.
أن يعرف متى يعطي دون أن يهدر نفسه، ومتى يسامح دون أن يسمح بتكرار الأذى، ومتى يرحل دون أن يحمل معه كراهية، ومتى يقول كفى دون أن يشعر أنه خان طبيعته.
كان يتعلم ببطء مؤلم، أن الطيبة لا تعني أن يكون متاحاً للجميع، وأن الصدق لا يعني أن يقول كل شيء، وأن التضحية ليست فضيلة حين تتحول إلى إلغاء للذات.
ومع ذلك، بقي شيء واحد لا يريد أن يتخلى عنه:
أن يكون صادقاً مع نفسه قبل أن يكون صادقاً مع الآخرين.
فقد يربح الإنسان معركةً حين يخدع، وقد يحافظ على علاقة حين ينافق، وقد يصل أسرع حين يساوم، لكنه قد يخسر شيئاً لا يمكن استعادته بسهولة: احترامه لنفسه.
لهذا ظل يمضي.
لا لأنه لم يتعب، بل لأنه تعب من أن يهرب من نفسه أكثر مما تعب من الطريق.
ولا لأنه لم يفكر في التراجع، بل لأنه أدرك أن بعض التراجعات لا تعيد للإنسان راحته؛ إنها فقط تؤجل مواجهته مع نفسه.
وكان يعرف الآن أن هذا الطريق لن يصفّق له أحد في نهايته.
ربما لن يعرف أحد كم مرة أراد أن يستسلم، وكم مرة شك في نفسه، وكم مرة وقف على حافة التحول إلى شخص آخر ثم عاد.
لكن ذلك لم يعد يعني له الكثير.
فربما لا تكون قيمة الطريق في عدد الذين صفقوا لمن سلكه، بل في الشيء الذي يبقى منه حين تنتهي الرحلة.
وفي النهاية، لم يكن يخشى أن يصل وحيداً، كان يخشى شيئاً واحداً فقط:
أن يصل محاطاً بالجميع، ثم يكتشف أنه فقد نفسه في الطريق.
الطريق الذي لا يصفق له أحد
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
الطريق الذي لا يصفق له أحد
لم يكن يعرف لماذا اختار الصدق، أو لعلّه كان يعرف، لكنه لم يكن يجرؤ على الاعتراف لنفسه بالإجابة كاملة. كان يعرف فقط أن في داخله شيئاً يرفض أن يسلك الطرق الأسهل، حتى حين كان يرى الآخرين يصلون عبرها أسرع، ويجمعون ما عجز هو عن جمعه، ويحصدون من القبول ما دفع هو ثمنه من وحدته.
كان يسأل نفسه كثيراً:
ما الذي يريده من كل هذا؟
لماذا يصرّ على قول الحقيقة حين يكون الصمت أكثر أماناً؟
لماذا يفي بوعدٍ يستطيع بسهولة أن يتراجع عنه؟
لماذا يعطي حين يكون الاحتفاظ بما لديه أكثر عقلانية؟
ولماذا يشعر بالذنب حين يتوقف عن إنقاذ الآخرين، وكأن عليه أن يدفع دائماً ثمناً لا يعرف من اختاره ولا متى وقّع عليه؟
أحياناً كان يشك في نفسه. ربما لم يكن صادقاً كما يظن، ربما كان يبحث، من حيث لا يدري، عن امتنانٍ لا يأتي. ربما كان عطاؤه محاولة مستترة لإثبات قيمته، أو طريقةً لتعويض نقص قديم لم يستطع مواجهته. وربما كانت تضحيته للآخرين ليست نبلاً خالصاً كما أحب أن يعتقد، بل خوفاً من أن يصبح بلا قيمة إذا توقف عن منح نفسه لهم.
وكان هذا السؤال يؤلمه أكثر من أي خذلان:
هل كان يفعل الخير لأنه خير، أم لأنه يحتاج أن يشعر بأنه شخص يستحق الحب؟
لم يجد جواباً حاسماً.
وكلما حاول أن يكون أكثر صدقاً مع نفسه، اكتشف طبقات أخرى من التناقض. كان يريد أن يعطي بلا مقابل، لكنه كان يتألم حين لا يُقدَّر. كان يقول إنه لا ينتظر شيئاً من أحد، ثم يحزن حين لا يلتفت أحد إلى ما فعله. كان يرفض الاعتراف بحاجته إلى الآخرين، ثم يكتشف في لحظات ضعفه أنه لم يكن قوياً كما ادعى.
كان داخله شخصان يتنازعان المكان نفسه.
أحدهما يقول له: كفى. لا تمنح أكثر مما يُمنح لك. لا تكن ساذجاً في عالمٍ لا يكافئ السذاجة. تعلّم أن تضع حدوداً، أن تنسحب، أن تحفظ قلبك لنفسك. فالناس لا يتذكرون كم نزفت من أجلهم؛ يتذكرون فقط اللحظة التي عجزت فيها عن إعطائهم المزيد.
والآخر، أكثر هدوءاً، كان يقول: لكنك إن فعلت ذلك، ماذا سيبقى منك؟
كان يخاف من أن تتحول خيباته إلى قسوة، وأن يصبح دفاعه عن نفسه ذريعة ليفقد الجزء الأكثر نقاءً فيه. كان يخشى أن يأتي يوم لا يعود فيه يميّز بين الحكمة والبرود، بين حفظ الكرامة والانتقام، بين وضع الحدود وإغلاق القلب.
لهذا كان الصراع لا ينتهي.
كان العقل يطالبه بأن يتغير، والضمير يطالبه بألا يتلوث. كان الواقع يدفعه إلى الشك، بينما شيء عميق فيه كان لا يزال يؤمن بأن فساد الآخرين ليس مبرراً لفساد الإنسان نفسه.
وكان أكثر ما يربكه أنه لم يعد يعرف إن كان صموده قوة أم عجزاً.
فالقوي، في نظر العالم، هو من يعرف متى يأخذ، ومتى يرفض، ومتى يدير ظهره دون أن يلتفت. أما هو، فكان يحمل الآخرين معه حتى بعدما أثقلوه، ويعود إلى نفسه آخر الليل محاولاً إقناعها بأن ما فعله لم يكن خطأ.
لكنها كانت تسأله:
وماذا عنك؟
متى يأتي دورك؟
كان السؤال يظل معلقاً في داخله، أثقل من أن يجيب عنه، وأصدق من أن يتجاهله.
كان يعرف أن الحياة لا تقيم الأشياء بميزان واحد. لا تكشف الأقنعة سريعاً، ولا تفضح المداهنين دائماً، ولا تمنح الصادقين مكافأتهم بالضرورة. بل إن أكثر ما كان يؤلمه أن يرى الكذب يُكافأ أحياناً، بينما يُطلب من الصادق أن يبرر صدقه وكأنه متهم.
صار الكذب دهاءً، والمراوغة حنكةً، ونقض العهود مجرد اختلاف في الظروف، والخداع مهارةً في التعامل مع الحياة. أما الإخلاص، فأصبح عند البعض ضعفاً يمكن استغلاله، والطيبة سذاجة، والوفاء عبئاً على صاحبه.
وكان يسأل نفسه:
إذا كان العالم لا يحترم إلا من يجيد اللعب بقوانينه، فلماذا لا يتعلم اللعب؟
ترى هل كان يستطيع؟
هذا ما كان يخيفه.
كان يستطيع أن يصبح أكثر بروداً، أقل اكتراثاً، أكثر قدرة على قول لا، وأكثر استعداداً لأن يترك الآخرين يواجهون نتائج أفعالهم. كان يستطيع أن يتعلم فن المساومة، وأن يمنح بالقدر الذي يأخذ، وأن يحب بالقدر الذي يُحَب، وأن يغادر قبل أن يُخذل.
لكن شيئاً فيه كان يعرف أن النجاة بهذه الطريقة قد تكون نوعاً آخر من الهزيمة.
فما جدوى أن ينجو من الآخرين إذا خسر نفسه؟
وهنا كان الصراع الحقيقي: لم يكن بينه وبين العالم بقدر ما كان بينه وبين النسخة التي يمكن أن يصبحها إذا سمح لكل خيبة أن تعيد تشكيله.
كان يخشى أن تتحول الخيبات إلى جدران، وأن يتحول الحذر إلى شك، وأن تتحول الكرامة إلى كبرياء، وأن يتحول الصمت إلى عقاب، وأن يصبح ردّ الأذى بالأذى عدلاً في نظره.
وكان يعرف أن الإنسان لا يسقط دفعة واحدة؛ يبدأ سقوطه حين يبرر لنفسه أول تنازل عن مبدأ كان يؤمن به، ثم يتبعه بتنازل آخر، حتى يستيقظ ذات يوم فيجد أنه أصبح الشخص الذي كان يخشاه.
لذلك كان الطريق يزداد ثقلاً كلما تقدم.
لم يكن يبحث عن بطولة، ولا عن صورة جميلة أمام الآخرين. كان يبحث فقط عن طريقة يبقى بها إنساناً دون أن يسمح للآخرين باستنزاف إنسانيته.
وربما كان هذا أصعب امتحان.
أن يعرف متى يعطي دون أن يهدر نفسه، ومتى يسامح دون أن يسمح بتكرار الأذى، ومتى يرحل دون أن يحمل معه كراهية، ومتى يقول كفى دون أن يشعر أنه خان طبيعته.
كان يتعلم ببطء مؤلم، أن الطيبة لا تعني أن يكون متاحاً للجميع، وأن الصدق لا يعني أن يقول كل شيء، وأن التضحية ليست فضيلة حين تتحول إلى إلغاء للذات.
ومع ذلك، بقي شيء واحد لا يريد أن يتخلى عنه:
أن يكون صادقاً مع نفسه قبل أن يكون صادقاً مع الآخرين.
فقد يربح الإنسان معركةً حين يخدع، وقد يحافظ على علاقة حين ينافق، وقد يصل أسرع حين يساوم، لكنه قد يخسر شيئاً لا يمكن استعادته بسهولة: احترامه لنفسه.
لهذا ظل يمضي.
لا لأنه لم يتعب، بل لأنه تعب من أن يهرب من نفسه أكثر مما تعب من الطريق.
ولا لأنه لم يفكر في التراجع، بل لأنه أدرك أن بعض التراجعات لا تعيد للإنسان راحته؛ إنها فقط تؤجل مواجهته مع نفسه.
وكان يعرف الآن أن هذا الطريق لن يصفّق له أحد في نهايته.
ربما لن يعرف أحد كم مرة أراد أن يستسلم، وكم مرة شك في نفسه، وكم مرة وقف على حافة التحول إلى شخص آخر ثم عاد.
لكن ذلك لم يعد يعني له الكثير.
فربما لا تكون قيمة الطريق في عدد الذين صفقوا لمن سلكه، بل في الشيء الذي يبقى منه حين تنتهي الرحلة.
وفي النهاية، لم يكن يخشى أن يصل وحيداً، كان يخشى شيئاً واحداً فقط:
أن يصل محاطاً بالجميع، ثم يكتشف أنه فقد نفسه في الطريق.
عدنان لفتة السماوي
حمد حسون القيسي
التعليقات