بوابة تابيرا
في ليلة شتاء شديدة المطر والعواصف، كنت أهرب من ضجيج الهاتف وتقليب القنوات، ومن ازدحام العائلة في مكان الجلوس. كان البيت ممتلئاً بالضجيج، لكنني كنت أبحث عن صمت آخر، شيء لم أعهده من قبل، صمت كأنما يشبه الغياب.
على ضوء ذلك، دخلت غرفتي، وأغلقت الباب خلفي كأنني أغلق العالم كله. كان على الطاولة كتاب قد اشتريته في يوم ما بدافع الفضول عن حضارة آشور، وعن الملوك في قلعتها، وعن مكتبات الطين التي تحدّت الزمن. لم أكن أعلم أن فضولاً صغيراً قد يتحول إلى بابٍ لا يُغلق بسهولة.
لذا استلقيت على السرير، وبدأت أقرأ.
وفجأة… شق البرق السماء، وتبعته صاعقة قريبة أطفأت أنوار القرية المتاخمة على التلال كلها. كأنها سقطت في ظلام كثيف، لا يقطعه إلا صرير الريح وضرب المطر العنيف على النافذة. انتظرت عودة التيار الكهربائي، لكنه تأخر. ومع استمرار العتمة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي، لكنني لم أُبال. لذا وضعت الكتاب على صدري، وكأنني أستمد منه دفئاً غامضاً، ثم بدأ النعاس يسحبني ببطء، كأن يداً خفية تجرني إلى عمق آخر، عمق أتوق إليه ولكني بدأت أخشاه.
وجدتُ نفسي كأني لم أكن في غرفتي. كنت أقف أمام قلعة آشور، ذلك المَعلم الذي يعيش في وجداني، لكن المكان لم يكن مكاناً واحداً، بل إحساساً بثقل الزمن. الهواء هناك كان كثيفاً، مشبعاً برائحة الطين والكتابة الأولى التي ابحث عنها، ثم وإذا بأمامي ترتفع بوابة تابيرا، لكنها لم تكن بوابة جامدة تطلُ على صحراء تمتد إلى ما لانهاية. بل كانت كأنها سطح حيّ، يعكس طبقات من الأزمنة، يتبدل كل لحظة، كأن التاريخ نفسه لا يهدأ داخلها.
اقتربتُ منها، فإذا بالصوت يأتي من العتمة:
– من أنت؟
لكن الصوت لم يكن واحداً، كانت أصواتاً تتراكب فوق بعضها، كأن القلعة تتكلم بكل ما مر عليها من عصور في لحظة واحدة. ثم بدأ الزمن يتشقق أمامي، وإذا برجل يظهر أمامي بملامح تأسيسية، كأن الأرض ما زالت تُخلق من حوله:
– أنا شمشي- أدد… أنا من بدأت عنده الحكاية.
ثم انطفأ، وظهر آخر أشد صرامة:
– أنا آشور- أوبالط… حين صارت المدينة دولة.
وتلاه صوت ثالث، كأن الحديد يتكلم:
– أنا أداد- نيراري… حين صار الحكم قوةً ونظاماً.
ثم وإذا بظلٍ يملأ الفراغ، بلا ملامح واضحة:
– أنا توكولتي- نينورتا… حين خرجت آشور من حدودها إلى العالم.
تراجعتُ خطوة. لم يعد هناك ملك واحد، بل حضارة كاملة تتكلم من خلال طبقاتها. ثم ارتج المكان، وصار الصوت واحداً، لكنه أعمق من كل الأصوات:
– وأنتم… ماذا فعلتم بنا؟
بلعتُ خوفي وقلت:
– نحن، نحن نقرأ عنكم… ندرسكم في كتب التاريخ أقرب إلى الطلاسم… نحفظ أسماءكم من كثرة تكرارها.
ضحكت الأصوات، لكن ضحكتها لم تكن ساخرة فقط، بل موجوعة، كأنها هدير يهز الأعماق:
– تحفظون الأسماء… وتتركون المعنى، بئس الخَلف.
في تلك اللحظة، بدأت بوابة تابيرا تتغير. لم تعد حجراً فقط، بل صارت مكتبة، ثم صارت طيناً، ثم صارت رماداً، ثم عادت تتشكل من جديد بهيئتها الحالية، كأنها تبحث عن زمنها الحقيقي، زمن شموخها حينما تمر بها الملوك في العرس الآشوري في بداية نيسان من كل عام.
ثم وإذا بهم جميعاً يقولون بصوت واحد:
– نحن طبقات من زمن لم تُفهم بعد، حاول الكثيرون ولم يكملوا.
ثم شعرتُ كأن الأرض تحت قدمي لم تعد ثابتة، بل ذاكرة تتحرك، أو أقرب إلى سديم يدور يحاول إعادتي إلى نقطة البداية.
استيقظت فجأة.
كان الضوء قد عاد بهدوء، والمصباح الخافت ينساب على الجدران كأنه لم ينقطع يوماً. وصوت الأسرة في مكان الجلوس ما زال مستمراً، حياة عادية كأن شيئاً لم يحدث.
سقط الكتاب من صدري، وانفتح على صفحة تحمل صورة بوابة تابيرا. جلست على السرير، وقلبي لا يزال يطرق كأنه خرج من زمنٍ آخر. اقتربت من النافذة. المطر توقف، لكن الأرض كانت ما تزال تتنفس رائحته. نظرت إلى الكتاب طويلاً، وشعرت أن ما رأيته لم يكن حلماً عابراً، بل استدعاءً لذاكرة لا تزال تحاول أن تُفهم.
ثم همست لنفسي:
– ربما لم نكمل المعرفة بذلك الماضي، نحن فقط نحاول أن نعرف كيف ندخله.
أعدتُ الكتاب إلى الطاولة الخشبية القريبة من السرير، لكني بدأت أتخيل بوابة تابيرا لم تعد مجرد صورة، بل أصبحت سؤالاً مفتوحاً في داخلي، لا يمكنه أن يهدأ….
تم التدقيق من قبل الأستاذ داود سلمان
داود سلمان عجاج
د. اسماعيل مروة
التعليقات