“زوجة شهيد”
منذ أن وضعتُ قدمي في أول دائرة حكومية، بدأتُ أفهم أن الحكاية لم تنتهِ يوم عاد زوجي محمولاً على الأكتاف، بل بدأت هناك… عند أبوابٍ باردة، ووجوهٍ لا ترى في الشهادة سوى ملفٍ قابلٍ للمساومة.
كنتُ أحمل أوراقه بيدٍ، وباليد الأخرى أتشبث بوصيته التي لا تزال ترن في داخلي:
“ابني وأمي أمانة في عنقك.”
كنتُ أرددها كلما ضاقت بي الممرات، وكلما لاحقتني نظراتٌ لا تشبه الاحترام، بل تشبه افتراساً صامتاً. لم تكن المراجعات مجرد إجراءات، بل امتحان كرامة. كل نافذةٍ تُفتح، كانت تُغلق على شرطٍ خفي، وكل توقيعٍ مؤجل، كان ينتظر ثمناً لا يُكتب في الأوراق.
ساوموني… مرةً على حقي، ومرةً على صبري، ومرةً على أنوثتي.
وهنا، كنتُ أستحضر وجهه… لا جثةً ملفوفةً بالعلم، بل رجلاً أوصاني قبل أن يرحل، وكأنه كان يرى هذا الطريق.
في إحدى المرات، وقفتُ أمام مدير القسم، وكنتُ أعرف مسبقاً أنني لن أخرج بسهولة. قلب أوراقي ببرود، ثم قال بلهجةٍ تُخفي أكثر مما تُظهر:
“المعاملة تحتاج تسهيلات…”
فهمتُ ما لم يقله.
شددتُ عباءتي، وشعرتُ أن وصيته تقف خلفي، لا تتركني أنحني. قلتُ له بصوتٍ لم أعرف من أين جاء:
“هذا حق شهيد… وليس صفقة.”
خرجتُ من هناك مثقلةً بالقهر، لكنني لم أخرج مكسورة.
في الطريق، اتخذتُ عهدي… أن لا أبيع ما حفظه بدمه، وأن أكون أنا الطريق الذي يكبر عليه ابنه، وأن تبقى أمه في ظلٍ لا تهزه خيانات القريب قبل غدر الغريب.
عدتُ إلى البيت، إلى تلك المرأة التي كانت تجلس عند العتبة، تراقب الغياب بعينين أنهكهما الانتظار. جلستُ عند قدميها، ووضعتُ رأسي في حجرها، وكأنني أستمد منها قوةً تشبهه. لم نكن بحاجة للكلام… كان الحزن يتكلم عنا.
لكن القسوة لم تأتِ من الدوائر وحدها… جاؤوا… إخوته. لم يحملوا عزاءً ولا ألم الفقد، ولا سألوا عن حال أمهم، بل جاؤوا يحملون حساباتٍ باردة. تحدثوا عن مخالفات البيت، وعن ضرورة بيعه، وعن عودتي إلى بيت أهلي، وكأنهم يمحون أثره من الجدران كما يُمحى اسمٌ من ورقة.
حينها، شعرتُ أن شيئاً في داخلي قد استقام… وقفتُ، واحتضنتُ طفلي، وقلتُ بصوتٍ لم يعد يعرف التردد:
“هذا البيت وصية… وهذه الأم أمانة… وهذا الطفل لن يُقتلع من جذره. إن كنتم نسيتموه، فأنا لم أنسَ.”
تراجعوا… ليس اقتناعاً، بل عجزاً أمام ما لم يتوقعوه:
“امرأة لم تعد تطلب، بل تدافع”
ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أنتظر شيئاً من أحد. لا من دائرة، ولا من قريب. بعتُ ما بقي من حليٍّ بسيط، واشتريتُ آلة خياطة، وضعتها في زاوية البيت، كأنني أبني خندقي الخاص. صرتُ أخيط الأيام غرزةً غرزة، وأجمع من تعب يدي ما يكفينا. لم يعد الراتب هاجسي، بل الكرامة.
حماتي تجلس بقربي، تراقب الإبرة وهي تخترق القماش، وكأنها ترى في كل غرزة حياةً تُعاد صياغتها. تقول لي أحياناً، بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالفخر:
“أنتِ لم تكوني زوجة ابني فقط… أنتِ ما تبقى منه.”
أما طفلي… فقد بدأت اتصوره يكبر على صوت المكوك، وعلى دروسٍ لا تُكتب في الكتب:
“أن الكرامة لا تُساوَم، وأن الفقد لا يعني الانكسار”
وعندما يعود صوت التهديد بهدم البيت، أبتسم في داخلي… فالجدران قد تُهدم، لكننا سنتجاوز ما هو أقسى منها:
“سنتجاوز القهر، وخذلان الدم، وحاجةً تود أن تكسرنا”
يا زوجي…
نم مطمئناً،
وصيتك لن تضِيع، وعهدي لن ينكسر.
داود سلمان عجاج
حمد حسون القيسي
التعليقات