أنقاض

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 30 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2668
أنقاض

أنقاض

 

كان عالمُ المدينة ضيقَ الملامح؛ بيوتٌ متلاصقة، وأزقة مكتظة، وعشوائية بناءٍ نبتت في حيّ حديث من دون رقابة أو تخطيط. جاء إليها مع أسرته من الريف، من حيث الحقول الممتدة ورائحة الحصاد ومرح الطفولة. هناك، كانت خطواته تنبت فرحاً فوق التراب، وكان الحقل الصغير يحتضنه كما لو أنه جزء من نبضه اليومي. لكنه انتقل باحثاً عن عيشٍ أوسع وفرصٍ أكثر، فالبيوت في قريته، رغم اختلاف أصحابها، كانت تتشابه في الفقر والطموح المؤجل.

التحق بالمدرسة ففشل، وعمل عند أصحاب المال فطُرد، حتى غدت أيامه نسخاً متكررة من الهم ذاته. أخذ يجوب الشوارع بعينٍ مذهولة؛ عالمٌ غريب تضج فيه الأسواق، وتتعالى أصوات الباعة المتجولين، وتمتلئ الساحات بالبضائع والحركة والضجيج وتداول الأموال. كان يرى كل شيء يتحرك بسرعة، فيما يده تمتد إلى جيبه الفارغ، كأن المدينة كلها تعلن ثراءها أمام فقره الصامت.

ومع توالي الأيام، شعر أن عليه أن يغيّر شكله ولهجته وحتى ملامح روحه؛ أن يقص شعره على طريقة أهل المدينة، ويرتدي ما يشبههم، ويقنع نفسه بأنه لا بد أن يكون مثل الآخرين، وأن يجد لنفسه مكانةً وسط هذا الزحام القاسي.

غير أن محاولاته تلك دفعته شيئاً فشيئاً إلى كراهية ذاته. صار مقتنعاً بأن الإنسان ليس دائماً سيد مصيره، وأن الأعمار قد تُختزل فجأة، فتسقط مراحل كاملة من العمر دون استئذان. وجد نفسه يقفز من طفولة بريئة إلى رجولة مثقلة بالتجارب، حتى غدت البداية والنهاية متقاربتين بصورة موجعة، وكأن لا مسافة واضحة بين الشروق والغروب، ولا فرق حقيقياً بين الأمل والانطفاء. وأدرك أيضاً أن المحن لا تختار أصحابها، بل تهبط على الجميع بلا رحمة.

ثم جاءت تلك المرأة، التي تعرّف إلى أهلها أثناء بحثه الطويل عن عمل، وكأنها نافذة صغيرة انفتحت وسط هذا الخراب. حاول بكل جهده أن يكون جديراً بالثقة التي منحته إياها، وأن ينتشل نفسه من الشعور الدائم بالضياع.

كان كثيراً ما يسترجع سنواته الماضية، محاولاً أن يغرس أصابعه في أعماقه ليقتلع جذور التراكمات القديمة، ويرميها بعيداً، ثم يزرع مكانها وروداً جديدة، علّه يرى العالم بعين أقل قسوة. لذلك أخذ يسأل نفسه بإلحاح:

– وهل للاعتذار المتأخر قيمة تُذكر؟

لقد وصل البشر، في نظره، إلى مرحلة أصبحت فيها ردود أفعالهم أشد قسوة من الأحداث نفسها؛ غضبٌ متضخم، وحزنٌ متوحش، وتعصبٌ أعمى، وكأن الإنسان لم يعد يعرف كيف يحتفظ بتوازنه الداخلي. وكان يشعر، في قرارة نفسه، أنه لم يكن بحاجة إلى كل ذلك التهور الذي ارتكبه يوماً.

فالمشاعر، حين تُوضع في سلة الروح، لا تغار ولا تتنازع، لأن أصلها الحب، ولا شيء غير الحب. كانت روحه تحتاج إلى خلوةٍ للتأمل، لا إلى عزلةٍ موحشة؛ إلى مساحة يرى فيها الناس بعيداً عن الأحكام والتصنيفات، ويرى الحياة بشيء من البهجة والتفاؤل. وكان يدرك أن الوهم، حين يتمدد داخل الإنسان، يجتاحه جسداً وروحاً وتصرفاً، ويدفعه للتلصص في دهاليز الماضي والبحث في ثقوبه السوداء، فتتعاظم الفوضى في داخله، وتتلاطم الأفكار حتى تكاد تمزق المخيلة، بينما تعزف ضربات القلب لحن الخوف والحزن والتمرد. وأدرك أيضاً أن الألم لا يبدأ دفعة واحدة، بل يتسلل بخيطٍ دقيق يكاد لا يُرى، من تفاصيل صغيرة ومواقف عابرة، ثم يتعمق مع سوء الفهم واتساع التأويل، حتى يبلغ ذروة المعاناة. وكان يؤمن أن رحلة الإنسان نحو الحقيقة هي رحلة موجعة؛ ففيها يكتشف طبائع البشر، واختلافهم، وهشاشته الشخصية، وضعفه الخفي، كما يكتشف ذلك الظمأ الأبدي الذي يدفعه إلى مطاردة الأشياء والرغبة في امتلاكها، مدفوعاً بالأمل تارة، وبالوهم تارة أخرى.

ثم جاءت اللحظة التي ترجته فيها زوجته بصوتٍ يتكسر من الألم:

– يا أحمد… عليك أن تغادر. اتركني هنا، فأنا سأصبح قريباً في عالمٍ آخر. جراحي ودمائي وبيتي الذي تهدم أمام عينيّ لم تعد تحتمل الرحيل. ادفني هنا، في حديقة بيت أحلامي، وغادر…

كان صوتها يخرج متشابكاً مع النزف، محمولاً على عتبٍ ثقيل، فيما الكلمات تتداعى من فمها كأنها هذيان الروح الأخيرة. كانت تتكلم، بينما الموت يقترب منها ببطء، وهو يحدق فيها بعينين عاجزتين عن استيعاب المشهد. الدماء غطّت جسدها، لكن القلب وحده ظل قادراً على تمييز الشغف، وفهم لغة العيون والصمت والحنين.

كان المشهد مرعباً؛ ظلامٌ كثيف يطبق على المكان، وخوفٌ يجعل الكلمات تختنق في الحناجر. ارتجفت يداه وهو يأخذ قنينة العلاج المخدر، يضع قطرات في فم طفليه ليضمن نومهما، ثم حمل أحدهما على ظهره والآخر على كتفه وغادر، فيما كان الفجر يتسلل خافتاً إلى الخراب، وإطلاقات النار تمر قريبة منه كأشباح الموت.

وفجأة شعر برطوبة على ظهره. مدّ يده ليتحسسها، فإذا بها دماء.

صرخ مذعوراً:

– يا إلهي… لقد قتلوا طفلي.

تجمدت أطرافه، وشعر أن جسده كله قد شُلّ. عاد مسرعاً إلى داره المهدمة، ودفن الصغير قرب أمه، ثم حمل طفله الآخر، الذي ظنه نائماً، وسار به نحو المكان الآمن. وحين حاول إيقاظه هناك، اكتشف الحقيقة القاتلة؛ لقد كان ميتاً هو الآخر.

حينها فقط فهم أن الدماء التي لطخت ظهره لم تكن إلا دم ابنه الثاني.

وقف كالمذهول، ثم انفجر صارخاً:

– أنا المجرم… أنا المجرم… الليل مجرم، والحب مجرم، والقلب مجرم… يا دموع انهمري، لقد دفنتُ ابني حيّاً!

ومنذ تلك اللحظة أصابه خواء يشبه البلادة. مرت الشهور ثم تحولت إلى سنوات، وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه بكلماتٍ توقظ ما تبقى من مشاعره، لأنها الشيء الوحيد الذي ما يزال القلب قادراً على تصديقه، حتى لو بدت هشة كرقصة عصفور بين يدي طفل عابث.

كان يحاول أن يتذكرها، وأن يلمّ بقاياه المتناثرة. وكان يقول لنفسه:

– بوسع الوحدة أن تكون كبحرٍ عند الشفق، حين تعبث الرياح بالنوارس فتجعلها تائهة. روحي مزدحمة بالأنفاس والكائنات والأضواء، كمدينةٍ لا تهدأ. أربعة نوافذ مشرعة نحو الغروب والصخب والهواء الذي يمضي بلا أحلام… فأي الجهات أختار؟ تنهيدة الشرق أم أنين الجنوب؟ ومع ذلك، تبقى الوحدة أحياناً كبوصلة هاربة نحو الشمال، تشير إلى موضعي، وتجعل روحي صالحة للإبحار.

ثم يخاطب ذلك الماضي المتهاوي في داخله:

– أيها الصرح الذي انهار منذ سنين، ما زلتِ تسكنيني. أنتِ صورة رسمتها مخيلة رجلٍ ما يزال يهيم في الملكوت. كنتِ كقطعة حلوى ذابت تدريجياً، ولم يبقَ منها سوى خيطٍ رفيع ينسحب نحو العتمة.

الروح لا تشيخ، وإن تهالك الجسد. كان يرسمها في ذاكرته بذات الحياء القديم، ويرسم طفلهما الراقد قربها، ثم يهدم تلك الصور حين تجتاحه العزلة. وكأنه، مثل طفلٍ ينهي لعبته الأخيرة، يبني أحلامه من جديد فقط ليهدمها مرة أخرى، محاولاً استثارة ما تبقى من المشاعر والحواس، بينما عقله يصرّ على التذكر، والكلمات تنقاد له بصمتٍ موجع.

 

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الذئاب

الذئاب

الذئاب   كان يجلس في موضعه المعتاد، كأن المكان جزء من ذاكرته لا يغادرها ولا…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
1 يونيو 2026
اقرأ المزيد
جدلیة الغیاب والانتظار  تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود

جدلیة الغیاب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود

جدلیة الغیاب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان علي عبود   في قصة…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
25 مايو 2026
اقرأ المزيد
عقدُ اللؤ لؤ 

عقدُ اللؤ لؤ 

عقدُ اللؤ لؤ  داود سلمان عجاج تعشقُ الموسيقى الصاخبةَ التي تتناغمُ واضطراب دواخلها التي لا…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
21 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أنقاض

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 30 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

أنقاض

 

كان عالمُ المدينة ضيقَ الملامح؛ بيوتٌ متلاصقة، وأزقة مكتظة، وعشوائية بناءٍ نبتت في حيّ حديث من دون رقابة أو تخطيط. جاء إليها مع أسرته من الريف، من حيث الحقول الممتدة ورائحة الحصاد ومرح الطفولة. هناك، كانت خطواته تنبت فرحاً فوق التراب، وكان الحقل الصغير يحتضنه كما لو أنه جزء من نبضه اليومي. لكنه انتقل باحثاً عن عيشٍ أوسع وفرصٍ أكثر، فالبيوت في قريته، رغم اختلاف أصحابها، كانت تتشابه في الفقر والطموح المؤجل.

التحق بالمدرسة ففشل، وعمل عند أصحاب المال فطُرد، حتى غدت أيامه نسخاً متكررة من الهم ذاته. أخذ يجوب الشوارع بعينٍ مذهولة؛ عالمٌ غريب تضج فيه الأسواق، وتتعالى أصوات الباعة المتجولين، وتمتلئ الساحات بالبضائع والحركة والضجيج وتداول الأموال. كان يرى كل شيء يتحرك بسرعة، فيما يده تمتد إلى جيبه الفارغ، كأن المدينة كلها تعلن ثراءها أمام فقره الصامت.

ومع توالي الأيام، شعر أن عليه أن يغيّر شكله ولهجته وحتى ملامح روحه؛ أن يقص شعره على طريقة أهل المدينة، ويرتدي ما يشبههم، ويقنع نفسه بأنه لا بد أن يكون مثل الآخرين، وأن يجد لنفسه مكانةً وسط هذا الزحام القاسي.

غير أن محاولاته تلك دفعته شيئاً فشيئاً إلى كراهية ذاته. صار مقتنعاً بأن الإنسان ليس دائماً سيد مصيره، وأن الأعمار قد تُختزل فجأة، فتسقط مراحل كاملة من العمر دون استئذان. وجد نفسه يقفز من طفولة بريئة إلى رجولة مثقلة بالتجارب، حتى غدت البداية والنهاية متقاربتين بصورة موجعة، وكأن لا مسافة واضحة بين الشروق والغروب، ولا فرق حقيقياً بين الأمل والانطفاء. وأدرك أيضاً أن المحن لا تختار أصحابها، بل تهبط على الجميع بلا رحمة.

ثم جاءت تلك المرأة، التي تعرّف إلى أهلها أثناء بحثه الطويل عن عمل، وكأنها نافذة صغيرة انفتحت وسط هذا الخراب. حاول بكل جهده أن يكون جديراً بالثقة التي منحته إياها، وأن ينتشل نفسه من الشعور الدائم بالضياع.

كان كثيراً ما يسترجع سنواته الماضية، محاولاً أن يغرس أصابعه في أعماقه ليقتلع جذور التراكمات القديمة، ويرميها بعيداً، ثم يزرع مكانها وروداً جديدة، علّه يرى العالم بعين أقل قسوة. لذلك أخذ يسأل نفسه بإلحاح:

– وهل للاعتذار المتأخر قيمة تُذكر؟

لقد وصل البشر، في نظره، إلى مرحلة أصبحت فيها ردود أفعالهم أشد قسوة من الأحداث نفسها؛ غضبٌ متضخم، وحزنٌ متوحش، وتعصبٌ أعمى، وكأن الإنسان لم يعد يعرف كيف يحتفظ بتوازنه الداخلي. وكان يشعر، في قرارة نفسه، أنه لم يكن بحاجة إلى كل ذلك التهور الذي ارتكبه يوماً.

فالمشاعر، حين تُوضع في سلة الروح، لا تغار ولا تتنازع، لأن أصلها الحب، ولا شيء غير الحب. كانت روحه تحتاج إلى خلوةٍ للتأمل، لا إلى عزلةٍ موحشة؛ إلى مساحة يرى فيها الناس بعيداً عن الأحكام والتصنيفات، ويرى الحياة بشيء من البهجة والتفاؤل. وكان يدرك أن الوهم، حين يتمدد داخل الإنسان، يجتاحه جسداً وروحاً وتصرفاً، ويدفعه للتلصص في دهاليز الماضي والبحث في ثقوبه السوداء، فتتعاظم الفوضى في داخله، وتتلاطم الأفكار حتى تكاد تمزق المخيلة، بينما تعزف ضربات القلب لحن الخوف والحزن والتمرد. وأدرك أيضاً أن الألم لا يبدأ دفعة واحدة، بل يتسلل بخيطٍ دقيق يكاد لا يُرى، من تفاصيل صغيرة ومواقف عابرة، ثم يتعمق مع سوء الفهم واتساع التأويل، حتى يبلغ ذروة المعاناة. وكان يؤمن أن رحلة الإنسان نحو الحقيقة هي رحلة موجعة؛ ففيها يكتشف طبائع البشر، واختلافهم، وهشاشته الشخصية، وضعفه الخفي، كما يكتشف ذلك الظمأ الأبدي الذي يدفعه إلى مطاردة الأشياء والرغبة في امتلاكها، مدفوعاً بالأمل تارة، وبالوهم تارة أخرى.

ثم جاءت اللحظة التي ترجته فيها زوجته بصوتٍ يتكسر من الألم:

– يا أحمد… عليك أن تغادر. اتركني هنا، فأنا سأصبح قريباً في عالمٍ آخر. جراحي ودمائي وبيتي الذي تهدم أمام عينيّ لم تعد تحتمل الرحيل. ادفني هنا، في حديقة بيت أحلامي، وغادر…

كان صوتها يخرج متشابكاً مع النزف، محمولاً على عتبٍ ثقيل، فيما الكلمات تتداعى من فمها كأنها هذيان الروح الأخيرة. كانت تتكلم، بينما الموت يقترب منها ببطء، وهو يحدق فيها بعينين عاجزتين عن استيعاب المشهد. الدماء غطّت جسدها، لكن القلب وحده ظل قادراً على تمييز الشغف، وفهم لغة العيون والصمت والحنين.

كان المشهد مرعباً؛ ظلامٌ كثيف يطبق على المكان، وخوفٌ يجعل الكلمات تختنق في الحناجر. ارتجفت يداه وهو يأخذ قنينة العلاج المخدر، يضع قطرات في فم طفليه ليضمن نومهما، ثم حمل أحدهما على ظهره والآخر على كتفه وغادر، فيما كان الفجر يتسلل خافتاً إلى الخراب، وإطلاقات النار تمر قريبة منه كأشباح الموت.

وفجأة شعر برطوبة على ظهره. مدّ يده ليتحسسها، فإذا بها دماء.

صرخ مذعوراً:

– يا إلهي… لقد قتلوا طفلي.

تجمدت أطرافه، وشعر أن جسده كله قد شُلّ. عاد مسرعاً إلى داره المهدمة، ودفن الصغير قرب أمه، ثم حمل طفله الآخر، الذي ظنه نائماً، وسار به نحو المكان الآمن. وحين حاول إيقاظه هناك، اكتشف الحقيقة القاتلة؛ لقد كان ميتاً هو الآخر.

حينها فقط فهم أن الدماء التي لطخت ظهره لم تكن إلا دم ابنه الثاني.

وقف كالمذهول، ثم انفجر صارخاً:

– أنا المجرم… أنا المجرم… الليل مجرم، والحب مجرم، والقلب مجرم… يا دموع انهمري، لقد دفنتُ ابني حيّاً!

ومنذ تلك اللحظة أصابه خواء يشبه البلادة. مرت الشهور ثم تحولت إلى سنوات، وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه بكلماتٍ توقظ ما تبقى من مشاعره، لأنها الشيء الوحيد الذي ما يزال القلب قادراً على تصديقه، حتى لو بدت هشة كرقصة عصفور بين يدي طفل عابث.

كان يحاول أن يتذكرها، وأن يلمّ بقاياه المتناثرة. وكان يقول لنفسه:

– بوسع الوحدة أن تكون كبحرٍ عند الشفق، حين تعبث الرياح بالنوارس فتجعلها تائهة. روحي مزدحمة بالأنفاس والكائنات والأضواء، كمدينةٍ لا تهدأ. أربعة نوافذ مشرعة نحو الغروب والصخب والهواء الذي يمضي بلا أحلام… فأي الجهات أختار؟ تنهيدة الشرق أم أنين الجنوب؟ ومع ذلك، تبقى الوحدة أحياناً كبوصلة هاربة نحو الشمال، تشير إلى موضعي، وتجعل روحي صالحة للإبحار.

ثم يخاطب ذلك الماضي المتهاوي في داخله:

– أيها الصرح الذي انهار منذ سنين، ما زلتِ تسكنيني. أنتِ صورة رسمتها مخيلة رجلٍ ما يزال يهيم في الملكوت. كنتِ كقطعة حلوى ذابت تدريجياً، ولم يبقَ منها سوى خيطٍ رفيع ينسحب نحو العتمة.

الروح لا تشيخ، وإن تهالك الجسد. كان يرسمها في ذاكرته بذات الحياء القديم، ويرسم طفلهما الراقد قربها، ثم يهدم تلك الصور حين تجتاحه العزلة. وكأنه، مثل طفلٍ ينهي لعبته الأخيرة، يبني أحلامه من جديد فقط ليهدمها مرة أخرى، محاولاً استثارة ما تبقى من المشاعر والحواس، بينما عقله يصرّ على التذكر، والكلمات تنقاد له بصمتٍ موجع.