عقدُ اللؤ لؤ
داود سلمان عجاج
تعشقُ الموسيقى الصاخبةَ التي تتناغمُ واضطراب دواخلها التي لا تستكين، لا تهتمُ بالمظاهر، إذ لم تأخذْ من والدتها غير ذلك الجمالِ الفطري والشعرِ الأصفرِ الطويلِ المسترسل، إن تحركتْ يتمايلُ على الجهتين، يتماوجُ كأنه حقلُ حنطةٍ يتهادى مع حركةِ الريحِ ينتظرُ الحصاد، لا تعرفُ كيف لرحمٍ حملها تسعة شهور يختلف حامله عن من خرجَ منه، فوالدتُها تمتلكُ هدوءاً تاماً, همها المظاهر, هكذا علّمتها بيئتها التي تتفاخر بالجاه والنسب, شخصيةٌ أقربُ إلى الواقعية، أما هي الكائنُ الجديد، فهي ترفضُ الانصياع لسفاسفِ الأمور، تعشقُ الحريةَ، وتعشقُ الجنون.
لا زالتْ ترفضُ فكرةَ الزواج لأكثر من عشرةِ أعوام، لا تريدُ أن تعيشَ فكرةَ الفقدِ من جديد، لذا أوصدتْ جميعَ الأبوابِ في وجه كلِّ من جاءَ لخطبتها، متذرعةٌ بمختلفِ الأسباب، وفي دواخلها تخشى أن ينطبقَ عليها بأنها هي والنحسَ متلازمان كما كانتْ تسمعُ ذلك على سبيلِ المزحةِ لا أكثر، كانتْ تنظرُ إلى كُلِّ خطيبٍ يتقدمُ لها على أنه سيكون حتماً تلك الحالةُ المؤقتةُ لحلمٍ سرعان ما سيتلاشى، وأنه لن يُنسيها فاجعةَ فقد خطيبها الأول الذي خطفته منها نارُ الحروبِ العبثية، والحروبُ لن تتوقفَ كما تتوقع, لذا أخذت تلوذُ بالبكاء، بالحرقةِ التي تكوي الخدودَ الموردةَ التي أخذتْ بالذبول، وكيف لها أن تنسى طيفه، تلك الخطواتُ الواثقةُ وهي تضربُ الأرض، يلبسُ اَلْبِزَّةَ العسكريةِ والنجمةُ تلمعُ من فوق كتفه.
أذعنتْ أخيراً لقبولِ فكرةِ الزواجِ بعدما كانتْ تعتبرُ العزوبيةَ قاربُ نجاةٍ تهربُ فيه إلى شاطئ الأمانِ والراحة، والابتعاد عن الأمواجِ العاتيةِ في بحرِ الحياةِ الذي لا يعرفُ الاستقرار، أذعنتْ بعدما ألحتْ والدتُها وبعضُ الأقرباء، ليستْ كقناعةٍ بل لقطعِ سيلِ الأحاديث التي لا تنتهي، بكلِّ لقاءٍ صغر أم كبر، لم تغرها الإغراءات التي قدمها الخطيب، إلا أن قلبَ الأمِ وافق قبل اللسان، إذ تهللتْ سرائرها، فأقراطٌ من اللؤلؤ الثمين، وشقةٌ تقعُ في ركنٍ على شارعٍ رئيسٍ في وسط المدينة، وسيارةٌ فارهةٌ في أحدثِ موديل، قالتْ وقد غمرتها الفرحة.
– سيعوضكِ يا ابنتي كلَّ تلك السنين التي خلتْ.
اجابتْ بكلمةٍ يشوبها الحزنُ وعيناها تنضحان بالاستياء.
– لنرى.
وافقتْ وأوشكتْ على الانهيار، وافقتْ ولما جنَ الليلُ أخذتْ الدموعُ تنهمرُ من العيون، وظلتْ طيلةَ تلك الليلةِ وإلى الصباحِ تتعايش مع شريطِ أحلامها الذي خطفته المنيةُ كلمحِ البصر، فلم تتمكنْ والدتُها التي تسمعُ نحيبها من الغرفةِ المجاورةِ أن توقفَ ذلك النحيبِ المتصاعد، كأنها لا تريدُ أن تفارقَ الحزنَ الذي أصبح كصديقٍ حميم، يحدثها وتحدثه، ولا تعرف كيف ستجمعُ الزوجَ والخيبةَ في جوفٍ واحد.
– ربما سأجدُ فيه ذلك الزوجَ الذي سيعوضني الخسارة.
– لا… لا. لن يتمكنَ.
إذ كانتْ تعتبرُ ذلك اليومَ الذي تلقتْ فيه الصدمةَ الأولى، يومٌ لا يمكن أن يمحى من ذاكرةِ الأيام، وإن أغدقوها بالعطاءات، فالخوفُ ووئد الأحلامُ يلازمانها، وتخشى من خوضِ غمارِ حياةٍ جديدةٍ تحملُ في طياتها ربما مجاهيل لا يمكنُ أن تتخيلها، على أنها كانتْ فخورةٌ بعنوستها، وفاءً لذلك الخطيب الفقيد.
هدأتْ الطبولُ وتفرقَ الحضور، وأصبح الهدوءُ موحشاً رهيباً، لم تعهدْ عليه من قبل، والغرفةُ الواسعةُ أخذتْ تضيق، النفسُ كذلك، وعقاربُ الساعةِ تُحدثُ ضجيجاً يتصاعد، شريطُ الفقد يتكرر، الأحلام، الخطيبُ الأول يبتعد، صورته تتكسر، تُمسك جيدها بقوة, تحاولُ التنفس, ينفرطُ العقدُ, تناثرتْ حباته, والعتمةُ أخذتْ تعمُ المكان.
عقدُ اللؤ لؤ
عقدُ اللؤ لؤ
داود سلمان عجاج
تعشقُ الموسيقى الصاخبةَ التي تتناغمُ واضطراب دواخلها التي لا تستكين، لا تهتمُ بالمظاهر، إذ لم تأخذْ من والدتها غير ذلك الجمالِ الفطري والشعرِ الأصفرِ الطويلِ المسترسل، إن تحركتْ يتمايلُ على الجهتين، يتماوجُ كأنه حقلُ حنطةٍ يتهادى مع حركةِ الريحِ ينتظرُ الحصاد، لا تعرفُ كيف لرحمٍ حملها تسعة شهور يختلف حامله عن من خرجَ منه، فوالدتُها تمتلكُ هدوءاً تاماً, همها المظاهر, هكذا علّمتها بيئتها التي تتفاخر بالجاه والنسب, شخصيةٌ أقربُ إلى الواقعية، أما هي الكائنُ الجديد، فهي ترفضُ الانصياع لسفاسفِ الأمور، تعشقُ الحريةَ، وتعشقُ الجنون.
لا زالتْ ترفضُ فكرةَ الزواج لأكثر من عشرةِ أعوام، لا تريدُ أن تعيشَ فكرةَ الفقدِ من جديد، لذا أوصدتْ جميعَ الأبوابِ في وجه كلِّ من جاءَ لخطبتها، متذرعةٌ بمختلفِ الأسباب، وفي دواخلها تخشى أن ينطبقَ عليها بأنها هي والنحسَ متلازمان كما كانتْ تسمعُ ذلك على سبيلِ المزحةِ لا أكثر، كانتْ تنظرُ إلى كُلِّ خطيبٍ يتقدمُ لها على أنه سيكون حتماً تلك الحالةُ المؤقتةُ لحلمٍ سرعان ما سيتلاشى، وأنه لن يُنسيها فاجعةَ فقد خطيبها الأول الذي خطفته منها نارُ الحروبِ العبثية، والحروبُ لن تتوقفَ كما تتوقع, لذا أخذت تلوذُ بالبكاء، بالحرقةِ التي تكوي الخدودَ الموردةَ التي أخذتْ بالذبول، وكيف لها أن تنسى طيفه، تلك الخطواتُ الواثقةُ وهي تضربُ الأرض، يلبسُ اَلْبِزَّةَ العسكريةِ والنجمةُ تلمعُ من فوق كتفه.
أذعنتْ أخيراً لقبولِ فكرةِ الزواجِ بعدما كانتْ تعتبرُ العزوبيةَ قاربُ نجاةٍ تهربُ فيه إلى شاطئ الأمانِ والراحة، والابتعاد عن الأمواجِ العاتيةِ في بحرِ الحياةِ الذي لا يعرفُ الاستقرار، أذعنتْ بعدما ألحتْ والدتُها وبعضُ الأقرباء، ليستْ كقناعةٍ بل لقطعِ سيلِ الأحاديث التي لا تنتهي، بكلِّ لقاءٍ صغر أم كبر، لم تغرها الإغراءات التي قدمها الخطيب، إلا أن قلبَ الأمِ وافق قبل اللسان، إذ تهللتْ سرائرها، فأقراطٌ من اللؤلؤ الثمين، وشقةٌ تقعُ في ركنٍ على شارعٍ رئيسٍ في وسط المدينة، وسيارةٌ فارهةٌ في أحدثِ موديل، قالتْ وقد غمرتها الفرحة.
– سيعوضكِ يا ابنتي كلَّ تلك السنين التي خلتْ.
اجابتْ بكلمةٍ يشوبها الحزنُ وعيناها تنضحان بالاستياء.
– لنرى.
وافقتْ وأوشكتْ على الانهيار، وافقتْ ولما جنَ الليلُ أخذتْ الدموعُ تنهمرُ من العيون، وظلتْ طيلةَ تلك الليلةِ وإلى الصباحِ تتعايش مع شريطِ أحلامها الذي خطفته المنيةُ كلمحِ البصر، فلم تتمكنْ والدتُها التي تسمعُ نحيبها من الغرفةِ المجاورةِ أن توقفَ ذلك النحيبِ المتصاعد، كأنها لا تريدُ أن تفارقَ الحزنَ الذي أصبح كصديقٍ حميم، يحدثها وتحدثه، ولا تعرف كيف ستجمعُ الزوجَ والخيبةَ في جوفٍ واحد.
– ربما سأجدُ فيه ذلك الزوجَ الذي سيعوضني الخسارة.
– لا… لا. لن يتمكنَ.
إذ كانتْ تعتبرُ ذلك اليومَ الذي تلقتْ فيه الصدمةَ الأولى، يومٌ لا يمكن أن يمحى من ذاكرةِ الأيام، وإن أغدقوها بالعطاءات، فالخوفُ ووئد الأحلامُ يلازمانها، وتخشى من خوضِ غمارِ حياةٍ جديدةٍ تحملُ في طياتها ربما مجاهيل لا يمكنُ أن تتخيلها، على أنها كانتْ فخورةٌ بعنوستها، وفاءً لذلك الخطيب الفقيد.
هدأتْ الطبولُ وتفرقَ الحضور، وأصبح الهدوءُ موحشاً رهيباً، لم تعهدْ عليه من قبل، والغرفةُ الواسعةُ أخذتْ تضيق، النفسُ كذلك، وعقاربُ الساعةِ تُحدثُ ضجيجاً يتصاعد، شريطُ الفقد يتكرر، الأحلام، الخطيبُ الأول يبتعد، صورته تتكسر، تُمسك جيدها بقوة, تحاولُ التنفس, ينفرطُ العقدُ, تناثرتْ حباته, والعتمةُ أخذتْ تعمُ المكان.
التعليقات