ذات ليلة

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 17 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1553
ذات ليلة

ذات ليلة

تحملقُ في أفقِ الزمنِ الذي أبعدها عن أحلامِها وقربها من الصمت, بمتاهةِ ضجر, ونظرةِ تيهٍ ورعب, فأصبحت من الصعوبة أن تفرق ما بين الوعي والتخيل, تشعل في نفسها أملا ينقذها وإن كانت في قرارةِ نفسها لم تصدقه, إذ خُيل لها أن روحها ربما لا تكون قد رحلت بالكامل منذ سنين مع ذلك الذي رسخ في الذاكرة, وإنَّ جزءاً منها يمكنه ممارسة الحياة, وأن بإمكانها اللجوء إلى الخيالِ الحرِ والعودةِ إلى البداياتِ في عالمٍ من الإيحاءاتِ النبيلة, إلا أنَّ السكونَ قد تسيد الموقف وبدأ التأمل البعيد من دون هدف يستولي عليها, فذلك الطمعُ كجرأةِ نارٍ وسعيرٍ محترق, والادعاء بأنه يتوق فقط إلى نظرةٍ تصلُ إلى حدِ الاشباعِ في بدايةِ كلُّ صباح, تجعلُ القلوبَ تقف صرعى أمام الأماني الناطقة, إلا هي فلقد كان يساورها شكٌ جديرٌ بثناء الدموع.
غرفةٌ واسعةٌ وأثاثٌ مستورد, منقوشٌ بزخارفٍ ذهبية, عُلقت على الجدارِ الأيمن صورةُ شابةٌ تشبهها, عذبةُ المحيا بذاتِ الابتسامةِ الطفوليةِ البريئة, تمسكُ مغزلاً بيدها وفي حجرها كومةٌ من الصوف, تجلسُ على بساطٍ خفيفٍ تحت ظلِ شجرةٍ وارفة بالقرب منها ساقية تجري فيها المياهُ بشكلٍ انسيابي, وعلى الحائطِ المحاذي للسرير وضعت صورة من إبداعِ أناملها ترمز فيها لحاجتها لتكملة مشوار العمر مع من يحتويها بكلِ صدقٍ ووفاء, ظنا منه كسعي واهن بأن يتجاوز ذلك التفاوت الطبقي الذي يؤرقه, وولدَ لديه الرغبة في الانتقام كردةِ فعلٍ لما يدور في دواخله, إلا أنَّ عزاءه الوحيد الذي يخفف عنه هذا التفاوت, بأملٍ أنه سيكون أثرى وأوسع سلطانا, إنه المجهول العارف أمام القيمة التي بدأت تختبر نفسها.
بعضُ الأصواتِ النسويةِ تتسللُ من خارجِ تلك الغرفة, ادخل في نفسها الإرباك أول وهلة, تحاول أن تتحرك, إلا أنَّ جسدَها يرفضُ ذلك, إذ باتت أسيرة اللاجدوى والحيرة اللامنتهية. تتدفقُ صورٌ عفويةٌ غير مقصودة, ربما هي من عبق الطفولة حافلة بالأنس, تنبثق فيها ومنها الأحلام, فهي محفوظةٌ في الذاكرة, صبيةٌ على دراجةٍ هوائيةٍ تحت أنظارِ الرقابةِ من شدةِ الحرص عليها, خشية من عنادها الذي يرهق أفرادَ أسرتها, تغرقُ في هذا النوعِ من الشرود, تحاورُ نفسها بتلك السنينِ التي مضت, تطرقُ رأسها الهواجس, تعرف أنه سيفكر أن يعيش كالأمير في غمرة خياله المسافر, تعكسُ قسماتُ وجههِ ذلك بعدما سئم المتاهات, إلا أنَّ خشيةَ الرفضِ أخذت تقع في نفسه بتعابيرٍ متغيرةٍ تظهر على ملامحِ ذلك الوجه, فأثارت رياحُ الرعبِ في دواخله, فوجدت نفسها ممتلئة بالخوف, لا أحد يقف معها, ووحده ذلك الصوتُ الذي يتردد في صدرها يود أن يقف معها في هذه الرحلةِ اللاشعورية, إذ كان ولا يزال يحاول أن يثنيها عن الاستمرار في معتركِ حياةٍ ليست على مقاسها, فستظل فيها الروح حبيسة إلى الأبد في اللا إحساس والجنون.
يتلمسُ ثوبَها الفضفاض, فتأخذها قشعريرةٌ عميقة, يتأمل تلكما العينين اللتين تكحلت برمادِ الذكريات, فيتصورهما يشعان لهيب التحدي والإذلال, يغمغمُ بصوتٍ مكبوت, تمرُ الدقائقُ ببطءٍ شديدٍ تؤدي به إلى بدايةِ القنوطِ بعينين مفعمتين بالأسى, فالافتراضاتُ تتحولُ إلى أوهام, الخوفُ من بزوغِ الفجر, تقرأ الأفكارَ السريةَ لديه, عرف أنها تمكنت من ذلك, لذا بدأت تعتريه الدهشة, وأخذ يحاولُ أن يجمعَ شتات نفسه, إذ بدأ يتلمسُ شعرَها المسدولِ على الكتفين لكسرِ حاجزِ الصمت, تحمر وجنتاها, إلا أنه لا يجد القدرة على التعبير عن مشاعره, فلم يبتسم لها, تنظر إليه بنظراتٍ موشاةٍ بالحزنِ والاستياء, ترتعشُ أمامَ تلك اللحظات, تتلعثم, كانت قد هيئت بعض الكلمات في سرها كمحاولةٍ للتقبلِ وتبديد صقيع الوحشة, تقفُ عند حافة اللسان, تبحثُ عن تعريف لهذا التعايش, الألمُ يعيد تشكيل الوجوه, معلنا طوفان الرفض, تنضح بشرتها عرقا رغم برودةِ الجو, الغرفةُ تضيق عليها, السقف يقترب, الجدران تهوي.
اقترب منها أكثر, حاولت أن تمنعه بقدراتِها الذهنيةِ إلا أنَّ عناده كان أكبر, إذ أخذ يقدمُ الانتصارَ على السأمِ بالرغبةِ بعينين حمراويتين من شدةِ الغضبِ بنظراتٍ مشوشة, تنمُ عن اختلالٍ مفضوح, وتاهت معها طرق جغرافية الرغبة وعنفوان الشباب, مستسلمة بصعوبة كأسيرةِ حربٍ أو جاريةٍ مملوكة, مع حضورِ الخوفِ الذي أخذ يداهمها أكثر, بعدما أفسد تلك الشاعرية التي كانت تحاول على مضضٍ أن تمنحها له, كلُّ الأيادي يمكنها العبث في أوراق الزهور, إلا أنَّ القلةَ أمكنها أن تنتشل براءةَ الطفولةِ من شبحِ الهلاك, أن تخلصَ شابةً في مقتبلِ العمرِ من بداية أسر تكون فيه كالببغاء, حبيسةُ النطقِ والتصرف. ضوءُ المصباحِ بدأ يخفت, واستولى عليها شعور أشبه بالضبابِ في دربٍ ملئ بالعثرات, كأنها بدايةٌ لمعاناةٍ أبدية, لذا بدأت تشعر بأنَّ شيئاً ما قد قتل في دواخلها وتوسعت مساحات الجليد, بعدما عم السوادِ شاشة الذهن, فاحترقت الدموع في الحلق إلا أنها لا تجرؤ على البكاء, وتقطعت أنفاسُها مرغمةٌ على الصمت.
أحست بإشراقهٍ تحاولُ أن تشعَ من دواخلها, لذا انتبهت فزعةً وأخذت ترمشُ في شبهِ ظلام, ووجدت أوصالها ترتجفُ كأنما هي في وسطِ بردِ كانون الأول, فيفزُ حلمُ يقظها خلسة, ربما سيكون عنوان حياتها هو التيه, أيقنت بذلك, كأنها ومضةُ الهام, يجتاحها التعبُ عند منتصفِ الليل, ساعتان كأنها مئاتُ السنين, تنشطر الأوجاع, ولم يبق إلا سياطُ الذكريات, فتحقيق أحلامه مجازفة ربما تبدأ بهدمِ ذلك الكيانِ الذي اعتزّت به لسنين, بتكرارِ مواسمُ الأرق, هراءٌ أن تتلاشى الأحلام, وتقف مجبرةً على إحصاءِ الهزائم, إلا أنَّ الذكرياتِ تشتملُ حتى على ذكرِ من رحل, فبدايةُ كتابة تأريخ الحزن بدأ من لحظةِ مغادرتها بيت والدها الكبير, وكتابةُ لتأريخٍ سيل الدموع ونهايةٍ لذلك الإغراءِ وبدايةٍ لعزلةٍ عن تلك الأحلام.
يضحكُ الرجلُ معبراً عن رضاه وأخذ يتدحرجُ بين قدميها, يقبل الأرض, إلا أنها في عالمٍ ثانٍ بعيداً عن نرجسيته التي سمعت عنها وأمكنه التمويه عنها, ما تزال تحلمُ بطعمِ عبثها القديم, بتلك الأنوثةِ الحالمة, مع أغنياتِ العشقِ الخفي, لا تود لأحد أن يعرف تأوهاتها في هذه الليلة, سهرها إلى قبلِ بزوغ الفجر الكاذب, وقبل أن يتم التمييز ما بين المعالم, ولم تكن لتتجاوز ذلك الماضي الجميل, فرغم الإرهاقِ الذي تشعر به, إلا أنها كأنما وجدت نفسها تقف بحريةٍ في مكانٍ خالي, في فضاءٍ لا متناهي, حلمٌ متشابكٌ برحلةٍ قصيرة, تمد ذراعيها إلى الأمام تحاول أن تحظى بإنسانٍ ينقذها مما هي فيه, وأن تحظى بذلك التصالحِ من جديد من بين رمادها المتلاشي, تتكلم بصوتٍ متهدج, وفجأة أحست بشيءٍ يرفرفُ بالقربِ منها, ربما ذات ليلة
داود سلمان عجاج
تحملقُ في أفقِ الزمنِ الذي أبعدها عن أحلامِها وقربها من الصمت, بمتاهةِ ضجر, ونظرةِ تيهٍ ورعب, فأصبحت من الصعوبة أن تفرق ما بين الوعي والتخيل, تشعل في نفسها أملا ينقذها وإن كانت في قرارةِ نفسها لم تصدقه, إذ خُيل لها أن روحها ربما لا تكون قد رحلت بالكامل منذ سنين مع ذلك الذي رسخ في الذاكرة, وإنَّ جزءاً منها يمكنه ممارسة الحياة, وأن بإمكانها اللجوء إلى الخيالِ الحرِ والعودةِ إلى البداياتِ في عالمٍ من الإيحاءاتِ النبيلة, إلا أنَّ السكونَ قد تسيد الموقف وبدأ التأمل البعيد من دون هدف يستولي عليها, فذلك الطمعُ كجرأةِ نارٍ وسعيرٍ محترق, والادعاء بأنه يتوق فقط إلى نظرةٍ تصلُ إلى حدِ الاشباعِ في بدايةِ كلُّ صباح, تجعلُ القلوبَ تقف صرعى أمام الأماني الناطقة, إلا هي فلقد كان يساورها شكٌ جديرٌ بثناء الدموع.
غرفةٌ واسعةٌ وأثاثٌ مستورد, منقوشٌ بزخارفٍ ذهبية, عُلقت على الجدارِ الأيمن صورةُ شابةٌ تشبهها, عذبةُ المحيا بذاتِ الابتسامةِ الطفوليةِ البريئة, تمسكُ مغزلاً بيدها وفي حجرها كومةٌ من الصوف, تجلسُ على بساطٍ خفيفٍ تحت ظلِ شجرةٍ وارفة بالقرب منها ساقية تجري فيها المياهُ بشكلٍ انسيابي, وعلى الحائطِ المحاذي للسرير وضعت صورة من إبداعِ أناملها ترمز فيها لحاجتها لتكملة مشوار العمر مع من يحتويها بكلِ صدقٍ ووفاء, ظنا منه كسعي واهن بأن يتجاوز ذلك التفاوت الطبقي الذي يؤرقه, وولدَ لديه الرغبة في الانتقام كردةِ فعلٍ لما يدور في دواخله, إلا أنَّ عزاءه الوحيد الذي يخفف عنه هذا التفاوت, بأملٍ أنه سيكون أثرى وأوسع سلطانا, إنه المجهول العارف أمام القيمة التي بدأت تختبر نفسها.
بعضُ الأصواتِ النسويةِ تتسللُ من خارجِ تلك الغرفة, ادخل في نفسها الإرباك أول وهلة, تحاول أن تتحرك, إلا أنَّ جسدَها يرفضُ ذلك, إذ باتت أسيرة اللاجدوى والحيرة اللامنتهية. تتدفقُ صورٌ عفويةٌ غير مقصودة, ربما هي من عبق الطفولة حافلة بالأنس, تنبثق فيها ومنها الأحلام, فهي محفوظةٌ في الذاكرة, صبيةٌ على دراجةٍ هوائيةٍ تحت أنظارِ الرقابةِ من شدةِ الحرص عليها, خشية من عنادها الذي يرهق أفرادَ أسرتها, تغرقُ في هذا النوعِ من الشرود, تحاورُ نفسها بتلك السنينِ التي مضت, تطرقُ رأسها الهواجس, تعرف أنه سيفكر أن يعيش كالأمير في غمرة خياله المسافر, تعكسُ قسماتُ وجههِ ذلك بعدما سئم المتاهات, إلا أنَّ خشيةَ الرفضِ أخذت تقع في نفسه بتعابيرٍ متغيرةٍ تظهر على ملامحِ ذلك الوجه, فأثارت رياحُ الرعبِ في دواخله, فوجدت نفسها ممتلئة بالخوف, لا أحد يقف معها, ووحده ذلك الصوتُ الذي يتردد في صدرها يود أن يقف معها في هذه الرحلةِ اللاشعورية, إذ كان ولا يزال يحاول أن يثنيها عن الاستمرار في معتركِ حياةٍ ليست على مقاسها, فستظل فيها الروح حبيسة إلى الأبد في اللا إحساس والجنون.
يتلمسُ ثوبَها الفضفاض, فتأخذها قشعريرةٌ عميقة, يتأمل تلكما العينين اللتين تكحلت برمادِ الذكريات, فيتصورهما يشعان لهيب التحدي والإذلال, يغمغمُ بصوتٍ مكبوت, تمرُ الدقائقُ ببطءٍ شديدٍ تؤدي به إلى بدايةِ القنوطِ بعينين مفعمتين بالأسى, فالافتراضاتُ تتحولُ إلى أوهام, الخوفُ من بزوغِ الفجر, تقرأ الأفكارَ السريةَ لديه, عرف أنها تمكنت من ذلك, لذا بدأت تعتريه الدهشة, وأخذ يحاولُ أن يجمعَ شتات نفسه, إذ بدأ يتلمسُ شعرَها المسدولِ على الكتفين لكسرِ حاجزِ الصمت, تحمر وجنتاها, إلا أنه لا يجد القدرة على التعبير عن مشاعره, فلم يبتسم لها, تنظر إليه بنظراتٍ موشاةٍ بالحزنِ والاستياء, ترتعشُ أمامَ تلك اللحظات, تتلعثم, كانت قد هيئت بعض الكلمات في سرها كمحاولةٍ للتقبلِ وتبديد صقيع الوحشة, تقفُ عند حافة اللسان, تبحثُ عن تعريف لهذا التعايش, الألمُ يعيد تشكيل الوجوه, معلنا طوفان الرفض, تنضح بشرتها عرقا رغم برودةِ الجو, الغرفةُ تضيق عليها, السقف يقترب, الجدران تهوي.
اقترب منها أكثر, حاولت أن تمنعه بقدراتِها الذهنيةِ إلا أنَّ عناده كان أكبر, إذ أخذ يقدمُ الانتصارَ على السأمِ بالرغبةِ بعينين حمراويتين من شدةِ الغضبِ بنظراتٍ مشوشة, تنمُ عن اختلالٍ مفضوح, وتاهت معها طرق جغرافية الرغبة وعنفوان الشباب, مستسلمة بصعوبة كأسيرةِ حربٍ أو جاريةٍ مملوكة, مع حضورِ الخوفِ الذي أخذ يداهمها أكثر, بعدما أفسد تلك الشاعرية التي كانت تحاول على مضضٍ أن تمنحها له, كلُّ الأيادي يمكنها العبث في أوراق الزهور, إلا أنَّ القلةَ أمكنها أن تنتشل براءةَ الطفولةِ من شبحِ الهلاك, أن تخلصَ شابةً في مقتبلِ العمرِ من بداية أسر تكون فيه كالببغاء, حبيسةُ النطقِ والتصرف. ضوءُ المصباحِ بدأ يخفت, واستولى عليها شعور أشبه بالضبابِ في دربٍ ملئ بالعثرات, كأنها بدايةٌ لمعاناةٍ أبدية, لذا بدأت تشعر بأنَّ شيئاً ما قد قتل في دواخلها وتوسعت مساحات الجليد, بعدما عم السوادِ شاشة الذهن, فاحترقت الدموع في الحلق إلا أنها لا تجرؤ على البكاء, وتقطعت أنفاسُها مرغمةٌ على الصمت.
أحست بإشراقهٍ تحاولُ أن تشعَ من دواخلها, لذا انتبهت فزعةً وأخذت ترمشُ في شبهِ ظلام, ووجدت أوصالها ترتجفُ كأنما هي في وسطِ بردِ كانون الأول, فيفزُ حلمُ يقظها خلسة, ربما سيكون عنوان حياتها هو التيه, أيقنت بذلك, كأنها ومضةُ الهام, يجتاحها التعبُ عند منتصفِ الليل, ساعتان كأنها مئاتُ السنين, تنشطر الأوجاع, ولم يبق إلا سياطُ الذكريات, فتحقيق أحلامه مجازفة ربما تبدأ بهدمِ ذلك الكيانِ الذي اعتزّت به لسنين, بتكرارِ مواسمُ الأرق, هراءٌ أن تتلاشى الأحلام, وتقف مجبرةً على إحصاءِ الهزائم, إلا أنَّ الذكرياتِ تشتملُ حتى على ذكرِ من رحل, فبدايةُ كتابة تأريخ الحزن بدأ من لحظةِ مغادرتها بيت والدها الكبير, وكتابةُ لتأريخٍ سيل الدموع ونهايةٍ لذلك الإغراءِ وبدايةٍ لعزلةٍ عن تلك الأحلام.
يضحكُ الرجلُ معبراً عن رضاه وأخذ يتدحرجُ بين قدميها, يقبل الأرض, إلا أنها في عالمٍ ثانٍ بعيداً عن نرجسيته التي سمعت عنها وأمكنه التمويه عنها, ما تزال تحلمُ بطعمِ عبثها القديم, بتلك الأنوثةِ الحالمة, مع أغنياتِ العشقِ الخفي, لا تود لأحد أن يعرف تأوهاتها في هذه الليلة, سهرها إلى قبلِ بزوغ الفجر الكاذب, وقبل أن يتم التمييز ما بين المعالم, ولم تكن لتتجاوز ذلك الماضي الجميل, فرغم الإرهاقِ الذي تشعر به, إلا أنها كأنما وجدت نفسها تقف بحريةٍ في مكانٍ خالي, في فضاءٍ لا متناهي, حلمٌ متشابكٌ برحلةٍ قصيرة, تمد ذراعيها إلى الأمام تحاول أن تحظى بإنسانٍ ينقذها مما هي فيه, وأن تحظى بذلك التصالحِ من جديد من بين رمادها المتلاشي, تتكلم بصوتٍ متهدج, وفجأة أحست بشيءٍ يرفرفُ بالقربِ منها, ربما يود أن يخفف من الآمِ الوجد, أصواتٌ تتجاوب.
– لم أكن سعيدة يا أبي.
يبتسمُ بابتسامة واهنةٍ تدل على الأسى وأخذ يهز برأسه, يحاولُ أن يجيبها, إلا أنَّ صورته أخذت تتشكل بهيئةٍ أخرى وصوت يتردد بدأت تسمعه من عالمٍ متناهي في البعد.
– ستكون يداكِ مكبلتين بالسكوت.
تنهضُ بحجةِ قضاء الحاجة كي تفرغ ما في مآقيها من دموع, من رواسبِ الألمِ وتبدد الأوهامُ الضائعة, بعدما أدركت أنَّ كلَّ ما تبصره الآن لم يكن إلا الواقع الذي يستند إلى اللامعقول بانتصار الشر, تتردد على أسماعها عويلٌ نسائيٌ لأرواحٍ اُنتهكت على امتدادِ مئات السنين, ساورهن الوهم واكتفين بالوسواس, لذا أخذت تحاول أن تنتفض لتزيل دموعها استجابة لذلك الوجد المتسرب, لتمحي من الذاكرة أول قصيدة كُتبت في الغرام.

يود أن يخفف من الآمِ الوجد, أصواتٌ تتجاوب.
– لم أكن سعيدة يا أبي.
يبتسمُ بابتسامة واهنةٍ تدل على الأسى وأخذ يهز برأسه, يحاولُ أن يجيبها, إلا أنَّ صورته أخذت تتشكل بهيئةٍ أخرى وصوت يتردد بدأت تسمعه من عالمٍ متناهي في البعد.
– ستكون يداكِ مكبلتين بالسكوت.
تنهضُ بحجةِ قضاء الحاجة كي تفرغ ما في مآقيها من دموع, من رواسبِ الألمِ وتبدد الأوهامُ الضائعة, بعدما أدركت أنَّ كلَّ ما تبصره الآن لم يكن إلا الواقع الذي يستند إلى اللامعقول بانتصار الشر, تتردد على أسماعها عويلٌ نسائيٌ لأرواحٍ اُنتهكت على امتدادِ مئات السنين, ساورهن الوهم واكتفين بالوسواس, لذا أخذت تحاول أن تنتفض لتزيل دموعها استجابة لذلك الوجد المتسرب, لتمحي من الذاكرة أول قصيدة كُتبت في الغرام.

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

بين رصاصة ونجاة

بين رصاصة ونجاة

بين رصاصة ونجاة   لا يدري لماذا يتسلل إلى داخله شعور ثقيل، كأن المساء الذي…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
13 مايو 2026
اقرأ المزيد
قراءة تأملية في قصة موت كادح للدكتور رمضان علي عبود

قراءة تأملية في قصة موت كادح للدكتور رمضان علي عبود

بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت قراءة تأملية في قصة موت…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
10 مايو 2026
اقرأ المزيد
شبيهُ الروح

شبيهُ الروح

شبيهُ الروح الوقتُ هو مرورُ قطارِ منتصفِ الليل، هذا هو موعدُ اللقاء، موعدُ محادثة طيفه…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
6 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ذات ليلة

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 17 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

ذات ليلة

تحملقُ في أفقِ الزمنِ الذي أبعدها عن أحلامِها وقربها من الصمت, بمتاهةِ ضجر, ونظرةِ تيهٍ ورعب, فأصبحت من الصعوبة أن تفرق ما بين الوعي والتخيل, تشعل في نفسها أملا ينقذها وإن كانت في قرارةِ نفسها لم تصدقه, إذ خُيل لها أن روحها ربما لا تكون قد رحلت بالكامل منذ سنين مع ذلك الذي رسخ في الذاكرة, وإنَّ جزءاً منها يمكنه ممارسة الحياة, وأن بإمكانها اللجوء إلى الخيالِ الحرِ والعودةِ إلى البداياتِ في عالمٍ من الإيحاءاتِ النبيلة, إلا أنَّ السكونَ قد تسيد الموقف وبدأ التأمل البعيد من دون هدف يستولي عليها, فذلك الطمعُ كجرأةِ نارٍ وسعيرٍ محترق, والادعاء بأنه يتوق فقط إلى نظرةٍ تصلُ إلى حدِ الاشباعِ في بدايةِ كلُّ صباح, تجعلُ القلوبَ تقف صرعى أمام الأماني الناطقة, إلا هي فلقد كان يساورها شكٌ جديرٌ بثناء الدموع.
غرفةٌ واسعةٌ وأثاثٌ مستورد, منقوشٌ بزخارفٍ ذهبية, عُلقت على الجدارِ الأيمن صورةُ شابةٌ تشبهها, عذبةُ المحيا بذاتِ الابتسامةِ الطفوليةِ البريئة, تمسكُ مغزلاً بيدها وفي حجرها كومةٌ من الصوف, تجلسُ على بساطٍ خفيفٍ تحت ظلِ شجرةٍ وارفة بالقرب منها ساقية تجري فيها المياهُ بشكلٍ انسيابي, وعلى الحائطِ المحاذي للسرير وضعت صورة من إبداعِ أناملها ترمز فيها لحاجتها لتكملة مشوار العمر مع من يحتويها بكلِ صدقٍ ووفاء, ظنا منه كسعي واهن بأن يتجاوز ذلك التفاوت الطبقي الذي يؤرقه, وولدَ لديه الرغبة في الانتقام كردةِ فعلٍ لما يدور في دواخله, إلا أنَّ عزاءه الوحيد الذي يخفف عنه هذا التفاوت, بأملٍ أنه سيكون أثرى وأوسع سلطانا, إنه المجهول العارف أمام القيمة التي بدأت تختبر نفسها.
بعضُ الأصواتِ النسويةِ تتسللُ من خارجِ تلك الغرفة, ادخل في نفسها الإرباك أول وهلة, تحاول أن تتحرك, إلا أنَّ جسدَها يرفضُ ذلك, إذ باتت أسيرة اللاجدوى والحيرة اللامنتهية. تتدفقُ صورٌ عفويةٌ غير مقصودة, ربما هي من عبق الطفولة حافلة بالأنس, تنبثق فيها ومنها الأحلام, فهي محفوظةٌ في الذاكرة, صبيةٌ على دراجةٍ هوائيةٍ تحت أنظارِ الرقابةِ من شدةِ الحرص عليها, خشية من عنادها الذي يرهق أفرادَ أسرتها, تغرقُ في هذا النوعِ من الشرود, تحاورُ نفسها بتلك السنينِ التي مضت, تطرقُ رأسها الهواجس, تعرف أنه سيفكر أن يعيش كالأمير في غمرة خياله المسافر, تعكسُ قسماتُ وجههِ ذلك بعدما سئم المتاهات, إلا أنَّ خشيةَ الرفضِ أخذت تقع في نفسه بتعابيرٍ متغيرةٍ تظهر على ملامحِ ذلك الوجه, فأثارت رياحُ الرعبِ في دواخله, فوجدت نفسها ممتلئة بالخوف, لا أحد يقف معها, ووحده ذلك الصوتُ الذي يتردد في صدرها يود أن يقف معها في هذه الرحلةِ اللاشعورية, إذ كان ولا يزال يحاول أن يثنيها عن الاستمرار في معتركِ حياةٍ ليست على مقاسها, فستظل فيها الروح حبيسة إلى الأبد في اللا إحساس والجنون.
يتلمسُ ثوبَها الفضفاض, فتأخذها قشعريرةٌ عميقة, يتأمل تلكما العينين اللتين تكحلت برمادِ الذكريات, فيتصورهما يشعان لهيب التحدي والإذلال, يغمغمُ بصوتٍ مكبوت, تمرُ الدقائقُ ببطءٍ شديدٍ تؤدي به إلى بدايةِ القنوطِ بعينين مفعمتين بالأسى, فالافتراضاتُ تتحولُ إلى أوهام, الخوفُ من بزوغِ الفجر, تقرأ الأفكارَ السريةَ لديه, عرف أنها تمكنت من ذلك, لذا بدأت تعتريه الدهشة, وأخذ يحاولُ أن يجمعَ شتات نفسه, إذ بدأ يتلمسُ شعرَها المسدولِ على الكتفين لكسرِ حاجزِ الصمت, تحمر وجنتاها, إلا أنه لا يجد القدرة على التعبير عن مشاعره, فلم يبتسم لها, تنظر إليه بنظراتٍ موشاةٍ بالحزنِ والاستياء, ترتعشُ أمامَ تلك اللحظات, تتلعثم, كانت قد هيئت بعض الكلمات في سرها كمحاولةٍ للتقبلِ وتبديد صقيع الوحشة, تقفُ عند حافة اللسان, تبحثُ عن تعريف لهذا التعايش, الألمُ يعيد تشكيل الوجوه, معلنا طوفان الرفض, تنضح بشرتها عرقا رغم برودةِ الجو, الغرفةُ تضيق عليها, السقف يقترب, الجدران تهوي.
اقترب منها أكثر, حاولت أن تمنعه بقدراتِها الذهنيةِ إلا أنَّ عناده كان أكبر, إذ أخذ يقدمُ الانتصارَ على السأمِ بالرغبةِ بعينين حمراويتين من شدةِ الغضبِ بنظراتٍ مشوشة, تنمُ عن اختلالٍ مفضوح, وتاهت معها طرق جغرافية الرغبة وعنفوان الشباب, مستسلمة بصعوبة كأسيرةِ حربٍ أو جاريةٍ مملوكة, مع حضورِ الخوفِ الذي أخذ يداهمها أكثر, بعدما أفسد تلك الشاعرية التي كانت تحاول على مضضٍ أن تمنحها له, كلُّ الأيادي يمكنها العبث في أوراق الزهور, إلا أنَّ القلةَ أمكنها أن تنتشل براءةَ الطفولةِ من شبحِ الهلاك, أن تخلصَ شابةً في مقتبلِ العمرِ من بداية أسر تكون فيه كالببغاء, حبيسةُ النطقِ والتصرف. ضوءُ المصباحِ بدأ يخفت, واستولى عليها شعور أشبه بالضبابِ في دربٍ ملئ بالعثرات, كأنها بدايةٌ لمعاناةٍ أبدية, لذا بدأت تشعر بأنَّ شيئاً ما قد قتل في دواخلها وتوسعت مساحات الجليد, بعدما عم السوادِ شاشة الذهن, فاحترقت الدموع في الحلق إلا أنها لا تجرؤ على البكاء, وتقطعت أنفاسُها مرغمةٌ على الصمت.
أحست بإشراقهٍ تحاولُ أن تشعَ من دواخلها, لذا انتبهت فزعةً وأخذت ترمشُ في شبهِ ظلام, ووجدت أوصالها ترتجفُ كأنما هي في وسطِ بردِ كانون الأول, فيفزُ حلمُ يقظها خلسة, ربما سيكون عنوان حياتها هو التيه, أيقنت بذلك, كأنها ومضةُ الهام, يجتاحها التعبُ عند منتصفِ الليل, ساعتان كأنها مئاتُ السنين, تنشطر الأوجاع, ولم يبق إلا سياطُ الذكريات, فتحقيق أحلامه مجازفة ربما تبدأ بهدمِ ذلك الكيانِ الذي اعتزّت به لسنين, بتكرارِ مواسمُ الأرق, هراءٌ أن تتلاشى الأحلام, وتقف مجبرةً على إحصاءِ الهزائم, إلا أنَّ الذكرياتِ تشتملُ حتى على ذكرِ من رحل, فبدايةُ كتابة تأريخ الحزن بدأ من لحظةِ مغادرتها بيت والدها الكبير, وكتابةُ لتأريخٍ سيل الدموع ونهايةٍ لذلك الإغراءِ وبدايةٍ لعزلةٍ عن تلك الأحلام.
يضحكُ الرجلُ معبراً عن رضاه وأخذ يتدحرجُ بين قدميها, يقبل الأرض, إلا أنها في عالمٍ ثانٍ بعيداً عن نرجسيته التي سمعت عنها وأمكنه التمويه عنها, ما تزال تحلمُ بطعمِ عبثها القديم, بتلك الأنوثةِ الحالمة, مع أغنياتِ العشقِ الخفي, لا تود لأحد أن يعرف تأوهاتها في هذه الليلة, سهرها إلى قبلِ بزوغ الفجر الكاذب, وقبل أن يتم التمييز ما بين المعالم, ولم تكن لتتجاوز ذلك الماضي الجميل, فرغم الإرهاقِ الذي تشعر به, إلا أنها كأنما وجدت نفسها تقف بحريةٍ في مكانٍ خالي, في فضاءٍ لا متناهي, حلمٌ متشابكٌ برحلةٍ قصيرة, تمد ذراعيها إلى الأمام تحاول أن تحظى بإنسانٍ ينقذها مما هي فيه, وأن تحظى بذلك التصالحِ من جديد من بين رمادها المتلاشي, تتكلم بصوتٍ متهدج, وفجأة أحست بشيءٍ يرفرفُ بالقربِ منها, ربما ذات ليلة
داود سلمان عجاج
تحملقُ في أفقِ الزمنِ الذي أبعدها عن أحلامِها وقربها من الصمت, بمتاهةِ ضجر, ونظرةِ تيهٍ ورعب, فأصبحت من الصعوبة أن تفرق ما بين الوعي والتخيل, تشعل في نفسها أملا ينقذها وإن كانت في قرارةِ نفسها لم تصدقه, إذ خُيل لها أن روحها ربما لا تكون قد رحلت بالكامل منذ سنين مع ذلك الذي رسخ في الذاكرة, وإنَّ جزءاً منها يمكنه ممارسة الحياة, وأن بإمكانها اللجوء إلى الخيالِ الحرِ والعودةِ إلى البداياتِ في عالمٍ من الإيحاءاتِ النبيلة, إلا أنَّ السكونَ قد تسيد الموقف وبدأ التأمل البعيد من دون هدف يستولي عليها, فذلك الطمعُ كجرأةِ نارٍ وسعيرٍ محترق, والادعاء بأنه يتوق فقط إلى نظرةٍ تصلُ إلى حدِ الاشباعِ في بدايةِ كلُّ صباح, تجعلُ القلوبَ تقف صرعى أمام الأماني الناطقة, إلا هي فلقد كان يساورها شكٌ جديرٌ بثناء الدموع.
غرفةٌ واسعةٌ وأثاثٌ مستورد, منقوشٌ بزخارفٍ ذهبية, عُلقت على الجدارِ الأيمن صورةُ شابةٌ تشبهها, عذبةُ المحيا بذاتِ الابتسامةِ الطفوليةِ البريئة, تمسكُ مغزلاً بيدها وفي حجرها كومةٌ من الصوف, تجلسُ على بساطٍ خفيفٍ تحت ظلِ شجرةٍ وارفة بالقرب منها ساقية تجري فيها المياهُ بشكلٍ انسيابي, وعلى الحائطِ المحاذي للسرير وضعت صورة من إبداعِ أناملها ترمز فيها لحاجتها لتكملة مشوار العمر مع من يحتويها بكلِ صدقٍ ووفاء, ظنا منه كسعي واهن بأن يتجاوز ذلك التفاوت الطبقي الذي يؤرقه, وولدَ لديه الرغبة في الانتقام كردةِ فعلٍ لما يدور في دواخله, إلا أنَّ عزاءه الوحيد الذي يخفف عنه هذا التفاوت, بأملٍ أنه سيكون أثرى وأوسع سلطانا, إنه المجهول العارف أمام القيمة التي بدأت تختبر نفسها.
بعضُ الأصواتِ النسويةِ تتسللُ من خارجِ تلك الغرفة, ادخل في نفسها الإرباك أول وهلة, تحاول أن تتحرك, إلا أنَّ جسدَها يرفضُ ذلك, إذ باتت أسيرة اللاجدوى والحيرة اللامنتهية. تتدفقُ صورٌ عفويةٌ غير مقصودة, ربما هي من عبق الطفولة حافلة بالأنس, تنبثق فيها ومنها الأحلام, فهي محفوظةٌ في الذاكرة, صبيةٌ على دراجةٍ هوائيةٍ تحت أنظارِ الرقابةِ من شدةِ الحرص عليها, خشية من عنادها الذي يرهق أفرادَ أسرتها, تغرقُ في هذا النوعِ من الشرود, تحاورُ نفسها بتلك السنينِ التي مضت, تطرقُ رأسها الهواجس, تعرف أنه سيفكر أن يعيش كالأمير في غمرة خياله المسافر, تعكسُ قسماتُ وجههِ ذلك بعدما سئم المتاهات, إلا أنَّ خشيةَ الرفضِ أخذت تقع في نفسه بتعابيرٍ متغيرةٍ تظهر على ملامحِ ذلك الوجه, فأثارت رياحُ الرعبِ في دواخله, فوجدت نفسها ممتلئة بالخوف, لا أحد يقف معها, ووحده ذلك الصوتُ الذي يتردد في صدرها يود أن يقف معها في هذه الرحلةِ اللاشعورية, إذ كان ولا يزال يحاول أن يثنيها عن الاستمرار في معتركِ حياةٍ ليست على مقاسها, فستظل فيها الروح حبيسة إلى الأبد في اللا إحساس والجنون.
يتلمسُ ثوبَها الفضفاض, فتأخذها قشعريرةٌ عميقة, يتأمل تلكما العينين اللتين تكحلت برمادِ الذكريات, فيتصورهما يشعان لهيب التحدي والإذلال, يغمغمُ بصوتٍ مكبوت, تمرُ الدقائقُ ببطءٍ شديدٍ تؤدي به إلى بدايةِ القنوطِ بعينين مفعمتين بالأسى, فالافتراضاتُ تتحولُ إلى أوهام, الخوفُ من بزوغِ الفجر, تقرأ الأفكارَ السريةَ لديه, عرف أنها تمكنت من ذلك, لذا بدأت تعتريه الدهشة, وأخذ يحاولُ أن يجمعَ شتات نفسه, إذ بدأ يتلمسُ شعرَها المسدولِ على الكتفين لكسرِ حاجزِ الصمت, تحمر وجنتاها, إلا أنه لا يجد القدرة على التعبير عن مشاعره, فلم يبتسم لها, تنظر إليه بنظراتٍ موشاةٍ بالحزنِ والاستياء, ترتعشُ أمامَ تلك اللحظات, تتلعثم, كانت قد هيئت بعض الكلمات في سرها كمحاولةٍ للتقبلِ وتبديد صقيع الوحشة, تقفُ عند حافة اللسان, تبحثُ عن تعريف لهذا التعايش, الألمُ يعيد تشكيل الوجوه, معلنا طوفان الرفض, تنضح بشرتها عرقا رغم برودةِ الجو, الغرفةُ تضيق عليها, السقف يقترب, الجدران تهوي.
اقترب منها أكثر, حاولت أن تمنعه بقدراتِها الذهنيةِ إلا أنَّ عناده كان أكبر, إذ أخذ يقدمُ الانتصارَ على السأمِ بالرغبةِ بعينين حمراويتين من شدةِ الغضبِ بنظراتٍ مشوشة, تنمُ عن اختلالٍ مفضوح, وتاهت معها طرق جغرافية الرغبة وعنفوان الشباب, مستسلمة بصعوبة كأسيرةِ حربٍ أو جاريةٍ مملوكة, مع حضورِ الخوفِ الذي أخذ يداهمها أكثر, بعدما أفسد تلك الشاعرية التي كانت تحاول على مضضٍ أن تمنحها له, كلُّ الأيادي يمكنها العبث في أوراق الزهور, إلا أنَّ القلةَ أمكنها أن تنتشل براءةَ الطفولةِ من شبحِ الهلاك, أن تخلصَ شابةً في مقتبلِ العمرِ من بداية أسر تكون فيه كالببغاء, حبيسةُ النطقِ والتصرف. ضوءُ المصباحِ بدأ يخفت, واستولى عليها شعور أشبه بالضبابِ في دربٍ ملئ بالعثرات, كأنها بدايةٌ لمعاناةٍ أبدية, لذا بدأت تشعر بأنَّ شيئاً ما قد قتل في دواخلها وتوسعت مساحات الجليد, بعدما عم السوادِ شاشة الذهن, فاحترقت الدموع في الحلق إلا أنها لا تجرؤ على البكاء, وتقطعت أنفاسُها مرغمةٌ على الصمت.
أحست بإشراقهٍ تحاولُ أن تشعَ من دواخلها, لذا انتبهت فزعةً وأخذت ترمشُ في شبهِ ظلام, ووجدت أوصالها ترتجفُ كأنما هي في وسطِ بردِ كانون الأول, فيفزُ حلمُ يقظها خلسة, ربما سيكون عنوان حياتها هو التيه, أيقنت بذلك, كأنها ومضةُ الهام, يجتاحها التعبُ عند منتصفِ الليل, ساعتان كأنها مئاتُ السنين, تنشطر الأوجاع, ولم يبق إلا سياطُ الذكريات, فتحقيق أحلامه مجازفة ربما تبدأ بهدمِ ذلك الكيانِ الذي اعتزّت به لسنين, بتكرارِ مواسمُ الأرق, هراءٌ أن تتلاشى الأحلام, وتقف مجبرةً على إحصاءِ الهزائم, إلا أنَّ الذكرياتِ تشتملُ حتى على ذكرِ من رحل, فبدايةُ كتابة تأريخ الحزن بدأ من لحظةِ مغادرتها بيت والدها الكبير, وكتابةُ لتأريخٍ سيل الدموع ونهايةٍ لذلك الإغراءِ وبدايةٍ لعزلةٍ عن تلك الأحلام.
يضحكُ الرجلُ معبراً عن رضاه وأخذ يتدحرجُ بين قدميها, يقبل الأرض, إلا أنها في عالمٍ ثانٍ بعيداً عن نرجسيته التي سمعت عنها وأمكنه التمويه عنها, ما تزال تحلمُ بطعمِ عبثها القديم, بتلك الأنوثةِ الحالمة, مع أغنياتِ العشقِ الخفي, لا تود لأحد أن يعرف تأوهاتها في هذه الليلة, سهرها إلى قبلِ بزوغ الفجر الكاذب, وقبل أن يتم التمييز ما بين المعالم, ولم تكن لتتجاوز ذلك الماضي الجميل, فرغم الإرهاقِ الذي تشعر به, إلا أنها كأنما وجدت نفسها تقف بحريةٍ في مكانٍ خالي, في فضاءٍ لا متناهي, حلمٌ متشابكٌ برحلةٍ قصيرة, تمد ذراعيها إلى الأمام تحاول أن تحظى بإنسانٍ ينقذها مما هي فيه, وأن تحظى بذلك التصالحِ من جديد من بين رمادها المتلاشي, تتكلم بصوتٍ متهدج, وفجأة أحست بشيءٍ يرفرفُ بالقربِ منها, ربما يود أن يخفف من الآمِ الوجد, أصواتٌ تتجاوب.
– لم أكن سعيدة يا أبي.
يبتسمُ بابتسامة واهنةٍ تدل على الأسى وأخذ يهز برأسه, يحاولُ أن يجيبها, إلا أنَّ صورته أخذت تتشكل بهيئةٍ أخرى وصوت يتردد بدأت تسمعه من عالمٍ متناهي في البعد.
– ستكون يداكِ مكبلتين بالسكوت.
تنهضُ بحجةِ قضاء الحاجة كي تفرغ ما في مآقيها من دموع, من رواسبِ الألمِ وتبدد الأوهامُ الضائعة, بعدما أدركت أنَّ كلَّ ما تبصره الآن لم يكن إلا الواقع الذي يستند إلى اللامعقول بانتصار الشر, تتردد على أسماعها عويلٌ نسائيٌ لأرواحٍ اُنتهكت على امتدادِ مئات السنين, ساورهن الوهم واكتفين بالوسواس, لذا أخذت تحاول أن تنتفض لتزيل دموعها استجابة لذلك الوجد المتسرب, لتمحي من الذاكرة أول قصيدة كُتبت في الغرام.

يود أن يخفف من الآمِ الوجد, أصواتٌ تتجاوب.
– لم أكن سعيدة يا أبي.
يبتسمُ بابتسامة واهنةٍ تدل على الأسى وأخذ يهز برأسه, يحاولُ أن يجيبها, إلا أنَّ صورته أخذت تتشكل بهيئةٍ أخرى وصوت يتردد بدأت تسمعه من عالمٍ متناهي في البعد.
– ستكون يداكِ مكبلتين بالسكوت.
تنهضُ بحجةِ قضاء الحاجة كي تفرغ ما في مآقيها من دموع, من رواسبِ الألمِ وتبدد الأوهامُ الضائعة, بعدما أدركت أنَّ كلَّ ما تبصره الآن لم يكن إلا الواقع الذي يستند إلى اللامعقول بانتصار الشر, تتردد على أسماعها عويلٌ نسائيٌ لأرواحٍ اُنتهكت على امتدادِ مئات السنين, ساورهن الوهم واكتفين بالوسواس, لذا أخذت تحاول أن تنتفض لتزيل دموعها استجابة لذلك الوجد المتسرب, لتمحي من الذاكرة أول قصيدة كُتبت في الغرام.