الصوت الميت

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 20 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2357
الصوت الميت

الصوت الميت

لم تكن الجثة أول ما لفت انتباهي حين دخلنا بيت أم رائد تلك الليلة.كان المفتاح وممددًا قرب قدمها اليسرى، بعيدًا قليلًا عن الباب كأنه سقط في المكان الخطأ. وقف المفوض كريم عند المدخل يلهث من صعود الدرج القديم وقال: الباب كان مقفول من الداخل أستاذ. دخل سالم ببطء دون أن يجيبه. كانت رائحة البيت خليطًا من رطوبة قديمة وشاي بارد ودخان متراكم منذ سنوات. المروحة الصغيرة فوق السقف تدور بصوت متقطع، فيما عبر قطار بعيد قرب السكة القريبة فاهتز زجاج الشرفة لحظة قصيرة.
الجثة كانت قرب الكنبة الخضراء، مائلة نحو اليسار، وعينا المرأة مفتوحتين نحو الأعلى. انحنى كريم وقال:خنق واضح لا كسر لا مقاومة تقريبًا. ظل سالم صامتًا. تعلمت مع الوقت أن صمته ليس هدوءًا. بل طريقة لترك الأشياء تتكلم قبله. اقترب من الباب. مرر إصبعه أسفل الحافة الخشبية ببطء، ثم نظر إلى المفتاح ثانية. قال:ليش المفتاح بعيد عن الباب؟
أجاب كريم: يمكن وقع وتدحرج هز سالم رأسه دون اقتناع. كنت أظن القضية واضحة. امرأة عجوز تعيش وحدها. سارق دخل البيت، انكشف أمره، فخنقها وهرب. النهاية المعتادة لمدينة تعبت حتى من عدّ موتاها. لكن سالم كان يحتقر النهايات السهلة.
خارج البيت، كانت السماوة شبه فارغة والمحلات نصف مغلقة، وأعمدة الكهرباء ترمي ضوءًا أصفر باهتًا فوق الإسفلت الرطب … عند الباب تجمع الجيران بوجوه متحفزة كأنهم ينتظرون عرضًا أخيرًا قبل النوم.
قال أحدهم: الله يرحمها… بس لسانها كان صعب سأل سالم: منو آخر واحد شافها؟ تقدم رجل نحيف أصلع يرتدي دشداشة رمادية. كان يتكلم بصوت مرتفع أكثر من اللازم.أني شفتها العصر. همس كريم:هذا أبو سعد… ساكن بالطابق الأرضي. سمعه ضعيف قال الرجل بعصبية: وكانت تريد ترفع الإيجار عليّه. كل يوم مشاكل. سأله سالم:وين كنت بالليل؟
كاعد أتابع التلفزيون.
قالت امرأة من الخلف:سمعناه يصيح عليها البارحة.
التفت الرجل فورًا: مو عليها… على المباراة! راقبه سالم بصمت طويل جعل الرجل يتلعثم دون سبب. ثم سأل: تسمع زين؟
شويّة.
بس الجيران سمعوك تشتم؟
لم يجب.
في تلك اللحظة ظننت أننا وجدنا القاتل. لكن سالم أشعل سيجارة فقط، ونظر نحو الطابق العلوي. كانت هناك شرفة صغيرة مفتوحة نصف فتحة المستأجر الثاني كان ناظم. نزل الدرج ببطء حين استدعوه. رجل في أواخر الخمسين، نحيف بصورة توحي أن الحياة استهلكته قطعة قطعة. على أصابعه بقايا مادة سوداء، ورائحة غبار قديم تلتصق بثيابه. قال قبل أن نسأله: — والله ما أعرف شي. تجاوز سالم الإنكار فورًا: اشتغلت بتصليح أجهزة التسجيل؟ رفع ناظم عينيه بسرعة قصيرة جدًا ولكن سالم التقطها.قال: بعدك تصلّح أشرطة؟ أحيانًا. تحب الشغل؟
ساد صمت قصير.ثم قال ناظم بهدوء غريب:الأشرطة القديمة ما تخون… حتى الصوت الميت يبقى عايش بيها.نظر إليه سالم طويلًا. وعرفت من وجهه أنه بدأ يرى شيئًا لا أراه دخلنا شقة ناظم بعد ساعة. شقة ضيقة خانقة. الهواء فيها ثابت كأنه لم يتحرك منذ أعوام. على الجدران رفوف مليئة بأشرطة كاسيت مرتبة بعناية مرضية: لطميات. حفلات. تسجيلات أعراس. محاضرات قديمة. أصوات أطفال. حتى الأشرطة التالفة كانت محفوظة داخل أكياس شفافة.
مرر سالم إصبعه فوق أحدها. سأل: هاي شنو؟أجاب ناظم: أصوات ناس ميتين. ابتسم ابتسامة صغيرة مرعبة:أهلهم يجيبون الأشرطة أصلحها إلهم. فتح سالم درجًا صغيرًا. داخله: مقص دقيق. إبر معدنية. بكرات شريط مفككة. ثم وجد قطعة ممزقة حديثًا من شريط كاسيت. ولأول مرة شعرت أن شيئًا باردًا تحرك داخل معدتي. لكن سالم لم يتكلم. وهذا ما أخافني أكثر.
في اليوم التالي عاد سالم وحده إلى مسرح الجريمة.
جثا قرب الباب.ثم طلب من كريم مفتاحًا مشابهًا وخيطًا رفيعًا. ظل يجرّب بصمت طويل.. مرة مرتين. ثلاثًا. حتى نجح المفتاح بالانزلاق لمسافة بعيدة فوق الأرضية.حينها فقط نهض. وقال:مو خيط… شريط كاسيت. جمعنا الجميع مساءً داخل غرفة أم رائد.
المروحة القديمة تدور فوق رؤوسنا ببطء. وصوت قطار بعيد مرّ مرة أخرى قرب البيت، فاهتز الزجاج كما حدث ليلة الجريمة. نظر سالم نحو الأرض.
ثم قال:صوت القطار غطّى صوت المفتاح.شعرت بقشعريرة صغيرة. أخرج سالم شريط كاسيت طويلًا من جيبه وربط طرفه بالمفتاح وقال:القاتل احتاج شي واحد… يخلي الباب مقفول من الداخل بدون ما يبقى جوه. مرر الشريط أسفل الباب ثم خرج إلى الشرفة.
بعد ما خنقها، نزل من شرفته إلى شرفة الضحية. سكر الباب بشكل طبيعي. بعدها أدخل المفتاح من تحت الباب وسحب الشريط بهدوء. بدأ وجه ناظم يشحب تدريجيًا. أما سالم فأكمل:لكن جزءًا صغيرًا من الشريط تمزق بسبب احتكاكه بأسفل الباب… وبقي هنا. وأخرج قطعة الشريط الصغيرة… ساد الصمت ولم يتكلم أحد.حتى أبو سعد بدا كأنه توقف عن التنفس. قال سالم أخيرًا: أنت ما قتلتها لأنك تكرهها فقط… قتلتها لأنك كنت تشوف نفسك تختفي. ارتجفت شفتا ناظم. ثم جلس ببطء على الأرض. قال بصوت خافت: كانت تضحك على الشغل… كل يوم تكول: منو بعد يسمع كاسيت بهالزمن؟ ظل ينظر إلى الرفوف الفارغة حوله كأنه يراها الآن. أربعين سنة أحفظ أصوات الناس… وبالأخير محد يريد يسمع صوتي. لم يبكِ ولم ينكر.
فقط أخرج من جيبه شريطًا صغيرًا ووضعه أمام سالم.
قال: آخر تسجيل إلها لم يلمسه أحد. كان صوت القطار يقترب مرة أخرى بالخارج. أما سالم فبقي ينظر إلى الشريط بصمت، ثم أشعل سيجارة جديدة وقال: الغريب بالأصوات القديمة… أن الخشخشة تبقى… حتى بعد ما يموت الصوت نفسه.

 

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أدلة صامته

أدلة صامته

أدلة صامته كان المطر ينزل خفيفاً فوق نوافذ دائرة الطب العدلي حين وصلت جثة ياسين…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
“الحقيقة”

“الحقيقة”

“الحقيقة” الحقيقة خارج النص لم تكن الخيانة كما اكتشف لاحقًا فعلًا مفاجئًا غريبة الخيانة الحقيقية…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
2 مايو 2026
اقرأ المزيد
حين تُطرق الأبواب

حين تُطرق الأبواب

حين تُطرق الأبواب كانت رائحة المطهِّرات تملأ ممرات الطوارئ، رائحة تعرفها منذ اليوم الذي فقدت…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
29 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الصوت الميت

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 20 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

الصوت الميت

لم تكن الجثة أول ما لفت انتباهي حين دخلنا بيت أم رائد تلك الليلة.كان المفتاح وممددًا قرب قدمها اليسرى، بعيدًا قليلًا عن الباب كأنه سقط في المكان الخطأ. وقف المفوض كريم عند المدخل يلهث من صعود الدرج القديم وقال: الباب كان مقفول من الداخل أستاذ. دخل سالم ببطء دون أن يجيبه. كانت رائحة البيت خليطًا من رطوبة قديمة وشاي بارد ودخان متراكم منذ سنوات. المروحة الصغيرة فوق السقف تدور بصوت متقطع، فيما عبر قطار بعيد قرب السكة القريبة فاهتز زجاج الشرفة لحظة قصيرة.
الجثة كانت قرب الكنبة الخضراء، مائلة نحو اليسار، وعينا المرأة مفتوحتين نحو الأعلى. انحنى كريم وقال:خنق واضح لا كسر لا مقاومة تقريبًا. ظل سالم صامتًا. تعلمت مع الوقت أن صمته ليس هدوءًا. بل طريقة لترك الأشياء تتكلم قبله. اقترب من الباب. مرر إصبعه أسفل الحافة الخشبية ببطء، ثم نظر إلى المفتاح ثانية. قال:ليش المفتاح بعيد عن الباب؟
أجاب كريم: يمكن وقع وتدحرج هز سالم رأسه دون اقتناع. كنت أظن القضية واضحة. امرأة عجوز تعيش وحدها. سارق دخل البيت، انكشف أمره، فخنقها وهرب. النهاية المعتادة لمدينة تعبت حتى من عدّ موتاها. لكن سالم كان يحتقر النهايات السهلة.
خارج البيت، كانت السماوة شبه فارغة والمحلات نصف مغلقة، وأعمدة الكهرباء ترمي ضوءًا أصفر باهتًا فوق الإسفلت الرطب … عند الباب تجمع الجيران بوجوه متحفزة كأنهم ينتظرون عرضًا أخيرًا قبل النوم.
قال أحدهم: الله يرحمها… بس لسانها كان صعب سأل سالم: منو آخر واحد شافها؟ تقدم رجل نحيف أصلع يرتدي دشداشة رمادية. كان يتكلم بصوت مرتفع أكثر من اللازم.أني شفتها العصر. همس كريم:هذا أبو سعد… ساكن بالطابق الأرضي. سمعه ضعيف قال الرجل بعصبية: وكانت تريد ترفع الإيجار عليّه. كل يوم مشاكل. سأله سالم:وين كنت بالليل؟
كاعد أتابع التلفزيون.
قالت امرأة من الخلف:سمعناه يصيح عليها البارحة.
التفت الرجل فورًا: مو عليها… على المباراة! راقبه سالم بصمت طويل جعل الرجل يتلعثم دون سبب. ثم سأل: تسمع زين؟
شويّة.
بس الجيران سمعوك تشتم؟
لم يجب.
في تلك اللحظة ظننت أننا وجدنا القاتل. لكن سالم أشعل سيجارة فقط، ونظر نحو الطابق العلوي. كانت هناك شرفة صغيرة مفتوحة نصف فتحة المستأجر الثاني كان ناظم. نزل الدرج ببطء حين استدعوه. رجل في أواخر الخمسين، نحيف بصورة توحي أن الحياة استهلكته قطعة قطعة. على أصابعه بقايا مادة سوداء، ورائحة غبار قديم تلتصق بثيابه. قال قبل أن نسأله: — والله ما أعرف شي. تجاوز سالم الإنكار فورًا: اشتغلت بتصليح أجهزة التسجيل؟ رفع ناظم عينيه بسرعة قصيرة جدًا ولكن سالم التقطها.قال: بعدك تصلّح أشرطة؟ أحيانًا. تحب الشغل؟
ساد صمت قصير.ثم قال ناظم بهدوء غريب:الأشرطة القديمة ما تخون… حتى الصوت الميت يبقى عايش بيها.نظر إليه سالم طويلًا. وعرفت من وجهه أنه بدأ يرى شيئًا لا أراه دخلنا شقة ناظم بعد ساعة. شقة ضيقة خانقة. الهواء فيها ثابت كأنه لم يتحرك منذ أعوام. على الجدران رفوف مليئة بأشرطة كاسيت مرتبة بعناية مرضية: لطميات. حفلات. تسجيلات أعراس. محاضرات قديمة. أصوات أطفال. حتى الأشرطة التالفة كانت محفوظة داخل أكياس شفافة.
مرر سالم إصبعه فوق أحدها. سأل: هاي شنو؟أجاب ناظم: أصوات ناس ميتين. ابتسم ابتسامة صغيرة مرعبة:أهلهم يجيبون الأشرطة أصلحها إلهم. فتح سالم درجًا صغيرًا. داخله: مقص دقيق. إبر معدنية. بكرات شريط مفككة. ثم وجد قطعة ممزقة حديثًا من شريط كاسيت. ولأول مرة شعرت أن شيئًا باردًا تحرك داخل معدتي. لكن سالم لم يتكلم. وهذا ما أخافني أكثر.
في اليوم التالي عاد سالم وحده إلى مسرح الجريمة.
جثا قرب الباب.ثم طلب من كريم مفتاحًا مشابهًا وخيطًا رفيعًا. ظل يجرّب بصمت طويل.. مرة مرتين. ثلاثًا. حتى نجح المفتاح بالانزلاق لمسافة بعيدة فوق الأرضية.حينها فقط نهض. وقال:مو خيط… شريط كاسيت. جمعنا الجميع مساءً داخل غرفة أم رائد.
المروحة القديمة تدور فوق رؤوسنا ببطء. وصوت قطار بعيد مرّ مرة أخرى قرب البيت، فاهتز الزجاج كما حدث ليلة الجريمة. نظر سالم نحو الأرض.
ثم قال:صوت القطار غطّى صوت المفتاح.شعرت بقشعريرة صغيرة. أخرج سالم شريط كاسيت طويلًا من جيبه وربط طرفه بالمفتاح وقال:القاتل احتاج شي واحد… يخلي الباب مقفول من الداخل بدون ما يبقى جوه. مرر الشريط أسفل الباب ثم خرج إلى الشرفة.
بعد ما خنقها، نزل من شرفته إلى شرفة الضحية. سكر الباب بشكل طبيعي. بعدها أدخل المفتاح من تحت الباب وسحب الشريط بهدوء. بدأ وجه ناظم يشحب تدريجيًا. أما سالم فأكمل:لكن جزءًا صغيرًا من الشريط تمزق بسبب احتكاكه بأسفل الباب… وبقي هنا. وأخرج قطعة الشريط الصغيرة… ساد الصمت ولم يتكلم أحد.حتى أبو سعد بدا كأنه توقف عن التنفس. قال سالم أخيرًا: أنت ما قتلتها لأنك تكرهها فقط… قتلتها لأنك كنت تشوف نفسك تختفي. ارتجفت شفتا ناظم. ثم جلس ببطء على الأرض. قال بصوت خافت: كانت تضحك على الشغل… كل يوم تكول: منو بعد يسمع كاسيت بهالزمن؟ ظل ينظر إلى الرفوف الفارغة حوله كأنه يراها الآن. أربعين سنة أحفظ أصوات الناس… وبالأخير محد يريد يسمع صوتي. لم يبكِ ولم ينكر.
فقط أخرج من جيبه شريطًا صغيرًا ووضعه أمام سالم.
قال: آخر تسجيل إلها لم يلمسه أحد. كان صوت القطار يقترب مرة أخرى بالخارج. أما سالم فبقي ينظر إلى الشريط بصمت، ثم أشعل سيجارة جديدة وقال: الغريب بالأصوات القديمة… أن الخشخشة تبقى… حتى بعد ما يموت الصوت نفسه.