حمالة صبر
قبل أن أخرج من الغرفة قالت لي:
– أحضر لي حمالة الصدر الحمراء… أو البيضاء… أو كليهما
أومأتُ برأسي موافقاً وخرجتُ…
بالقرب من الباب الرئيسي للمشفى وقفت متسائلاً،
حمالة صدر؟… يا إلهي… هل حقا طلبت ذلك؟
بدا لي للحظة أنني توهمت ذلك، فماذا تفعل امرأة أزالوا ثدييها للتوّ بحمالة صدر؟ لكنها فعلت ذلك… لستُ مخطئاً حتى لو لم أفهم حاجتها لمثل هذه الحمالة، هذا دفعني إلى العودة لكي اتأكد من الأمر، حالما دلفت إلى الممر الذي يؤدي إلى غرف إقامة المرضى رأيت الطبيبة التي أجرت العملية لزوجتي، ركضتُ وراءها وسألتها:
– عفواً… لكنها طلبت مني طلباً غريباَ
– ما هو
– تُريد حمالة صدر
– وماذا في ذلك… أجلب لها ما تريد
– دكتورة… ماذا تفعل به وقد أزلتم؟
– اسألها… وستجيبك
تركتني وذهبت لكنها سرعان ما التفتت أليّ وقالت لي:
– إذا لم تجب عن سؤالك… أنا سأجيبك عنه
ابتسمتُ بوجهها فلم أكن متأكداً من أهمية الإجابة، بالرغم من أن حيرة السؤال داخلي لم تهدأ وهذا جعلني أعيد نفس السؤال على أمي عندما وصلتُ للبيت، بعد أن ذهبت لدولاب الملابس واستخرجت حمالتي الصدر البيضاء والحمراء ووضعتهما بكيس أسود، اشتريت بعض المستلزمات التي ستحتاجها طوال فترة إقامتها في المشفى، أمي أكملت ارتداء ملابسها وسبقتني نحو السيارة بينما وضعت الأغراض في المقعد الخلفي واحتفظت بالكيس الأسود بقربي، أمي اخذت الكيس وفتحته ونظرت ما في داخله لكنها لم تقل شيئا، هذا جعلني التفت إليها وأقول لها:
– هي طلبت مني ذلك
– وماذا في الأمر؟
– أمي… لقد أزالوا ثدييها بالكامل… ماذا تفعل امرأة مثلها بحمالة الصدر؟
– اسألها… وستجيبك
وقبل أن تنزل من السيارة التفتت ألي وقالت:
– إذا لم تجبك… أنا سأجيبك
كنتُ قلقاً عليها لدرجة أنني لم أكن أفكر كيف ستكون حياتي بعد أن تخرج من المشفى، صحيح أن طريق العلاج طويل، ويستمر لفترة طويلة، فمن العلاج الكيميائي حتى العلاج الإشعاعي، بينهما بحر من الآلام والقلق والخوف، وعندما ينتهي كل ذلك عليّ أن أقتنع بأن أعاشر زوجة بلا نهدين، قد يبدو هذا غير مهماً لكنني أعرف أنه بمرور الوقت سيتحول إلى كابوس يصعب الخروج منه، قالت لي: أنها كانت ترى الأضواء المعلقة بسقف الممر الطويل بين صالة العمليات وغرفة العناية المركزة وقد تحولت إلى حيامن ذكرية، تقترب مني ثم تنفلت نحو جهة غامضة، كانت تدرك أن امرأة بلا نهدين لن ترضي رغبة جامحة لرجل مثلي، رغم أن التفكير في مثل هذا الأمر بدا سخيفاً، فأنا اتكلم عن المرأة التي أحببتها بكل جوارحي، المرأة التي تحملتني في الأيام الصعبة، ووقفت بجانبي في السراء والضراء، لا بد أن هذا هو وقت رد الدين، وإن كان ولابد فسأتحول إلى حمالة صبر وأزيل كل الهموم عن صدرها…
عندما عدت برفقة أمي، وجدتها نائمة بعد أن تناولت بعض المهدئات، هذا جعلني أذهب إلى صالة الانتظار واجلس على الأريكة، لم تكن لدي رغبة بفعل أيِّ شيء، فأنا بدأتُ افهم ما عليّ القيام به، ومباريات الموت التي أطلق صافرتها الحكم في اللحظة التي اخبرتنا فيها الطبيبة أن هذه الأورام الصغيرة التي انتشرت في ثدييها عبارة عن غدد سرطانية يجب التخلص منها بأسرع وقت، يجب أن نفوز بهذه المباراة وسأفعل المستحيل من أجل أن تعود بين أحضاني، بنهدين أو من دونهما… لا يهم
لم أنتبه للطبيبة التي اقتربت مني وجلست إلى جانبي وسألتني:
– ما زلت تفكر بحمالة الصدر؟
– لا… افكر بحمالة الصبر التي ستتحمل كل هذه الأوجاع
– هناك آلام أخرى يجب أن تتعامل معها
– ما هي؟
– المرأة دائما تفكر بالطريقة التي يراها الآخرون بها، لذلك تحاول أن تكون مكتملة دائما، نقص مثل هذا سيكون كارثياً عندما ترى تبعاته في عيون الآخرين…
– وحمالة الصدر تغطي هذا النقص طبعاً
– الآن فهمت
– وأنا
– أنت حمالة الصبر الذي ستغطي كل عيوبها الأخرى
ابتسمتْ في وجهي وذهبتْ إلى غرفتها.
بعد يومين، عندما سمحتْ لها الطبيبة بمغادرة المستشفى، طلبتُ من الحاضرين مغادرة الغرفة، قبل أن أذهب إلى الكيس الأسود وأخرج حمالتي الصدر، مسكت كل واحد بيد وقلتُ لها:
– الحمراء أم البيضاء؟
– الحمراء
رفعتُ ثوبها وبهدوء ألبستها حمالة الصدر الحمراء ثم أنزلتُ الثوب، ذهبتْ ونظرتْ في المرأة ثم حركت الحمالة لتبدو بنهدين للرائي قبل أن تلتفت إليّ وتقول لي:
– وأنتَ؟
ابتسمتُ في وجهها وقلتُ لها:
– لا تهتمي… أنتِ بحاجة إلى حمالة من لحمٍ ودم تأخذ بيدك نحو الخلاص
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
د.وليد زيدان اللهيبي
التعليقات