حين تُطرق الأبواب

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 29 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2669
حين تُطرق الأبواب

حين تُطرق الأبواب

كانت رائحة المطهِّرات تملأ ممرات الطوارئ، رائحة تعرفها منذ اليوم الذي فقدت فيه أمها هنا، في هذا المكان بالذات. دفعت ورقة المستشفى للطبيب دون أن تنظر إليه. سمعَت صوته يمرّ فوقها أسئلة محفوظة، وإجابات تخرج منها بلا انتباه. استلمت الدواء ومضت حيث أشارت الممرضة.
جلست بجانب مريضها أنبوب المغذّي يقطر ببطء. قطرة… ثم أخرى صدره يرتفع بصعوبة، كأن الهواء دينٌ ثقيل. حين دخل الرجل الخمسيني، كانت الفتاة خلفه صغيرة على هذا التعب. جلست قرب السرير المقابل ومدّت يدها دون كلام.
انحنت الممرضة تبحث عن وريد.
توقفت.
الأظافر طويلة، مصقولة لامعة أكثر مما ينبغي في هذا الضوء البارد.
تأخرت الإبرة لحظة ثم دخلت. انقبضت يد الفتاة، ولم تصرخ. شيء ما انقبض في صدرها هي.
لم يكن خوفًا على الفتاة
كان انكشافًا.
نظرت إلى يدها هي كأنها تراها لأول مرة.
جلد. خطوط. أشياء يمكن أن تُترك كما هي… أو لا.
صوت جهازٍ قريب انقطع فجأة. ارتبكت الممرضة عند السرير الآخر ارتفعت نبرة الأوامر، تحرك أكثر من جسد في لحظة واحدة.
لم تلتفت
بقيت تنظر..
الفكرة لم تأتِ كاملة جاءت كوميضٍ حاد..
الآن… لو توقّف كل شيء.
لم تُكملها
الفتاة سحبت يدها بهدوء بعد أن ثُبّتت الإبرة. الأب شكر الممرضة بصوت منخفض والحياة عادت إلى إيقاعها البطيء كأن شيئًا لم يحدث.
حتى هي..
لم تعد كما كانت
مدّت يدها وعدّلت غطاء مريضها، ثم مسحت على ظاهر كفّه بحذر كأنها تتحقق من شيء لا يُرى.
في الممر حين خرجت، مرّت بجانب المغسلة وتوقفت لحظة نظرت إلى الماء وهو ينساب، ثم أدارت وجهها ومضت.
لم تأخذ معها جوابًا.
أخذت يقظة.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أدلة صامته

أدلة صامته

أدلة صامته كان المطر ينزل خفيفاً فوق نوافذ دائرة الطب العدلي حين وصلت جثة ياسين…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
“الحقيقة”

“الحقيقة”

“الحقيقة” الحقيقة خارج النص لم تكن الخيانة كما اكتشف لاحقًا فعلًا مفاجئًا غريبة الخيانة الحقيقية…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
2 مايو 2026
اقرأ المزيد
ماذا لو قال الذئب؟

ماذا لو قال الذئب؟

ماذا لو قال الذئب؟ لم أكن قد وُلدت بعد حين وقعت تلك المأساة التي ظل…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
26 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين تُطرق الأبواب

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 29 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

حين تُطرق الأبواب

كانت رائحة المطهِّرات تملأ ممرات الطوارئ، رائحة تعرفها منذ اليوم الذي فقدت فيه أمها هنا، في هذا المكان بالذات. دفعت ورقة المستشفى للطبيب دون أن تنظر إليه. سمعَت صوته يمرّ فوقها أسئلة محفوظة، وإجابات تخرج منها بلا انتباه. استلمت الدواء ومضت حيث أشارت الممرضة.
جلست بجانب مريضها أنبوب المغذّي يقطر ببطء. قطرة… ثم أخرى صدره يرتفع بصعوبة، كأن الهواء دينٌ ثقيل. حين دخل الرجل الخمسيني، كانت الفتاة خلفه صغيرة على هذا التعب. جلست قرب السرير المقابل ومدّت يدها دون كلام.
انحنت الممرضة تبحث عن وريد.
توقفت.
الأظافر طويلة، مصقولة لامعة أكثر مما ينبغي في هذا الضوء البارد.
تأخرت الإبرة لحظة ثم دخلت. انقبضت يد الفتاة، ولم تصرخ. شيء ما انقبض في صدرها هي.
لم يكن خوفًا على الفتاة
كان انكشافًا.
نظرت إلى يدها هي كأنها تراها لأول مرة.
جلد. خطوط. أشياء يمكن أن تُترك كما هي… أو لا.
صوت جهازٍ قريب انقطع فجأة. ارتبكت الممرضة عند السرير الآخر ارتفعت نبرة الأوامر، تحرك أكثر من جسد في لحظة واحدة.
لم تلتفت
بقيت تنظر..
الفكرة لم تأتِ كاملة جاءت كوميضٍ حاد..
الآن… لو توقّف كل شيء.
لم تُكملها
الفتاة سحبت يدها بهدوء بعد أن ثُبّتت الإبرة. الأب شكر الممرضة بصوت منخفض والحياة عادت إلى إيقاعها البطيء كأن شيئًا لم يحدث.
حتى هي..
لم تعد كما كانت
مدّت يدها وعدّلت غطاء مريضها، ثم مسحت على ظاهر كفّه بحذر كأنها تتحقق من شيء لا يُرى.
في الممر حين خرجت، مرّت بجانب المغسلة وتوقفت لحظة نظرت إلى الماء وهو ينساب، ثم أدارت وجهها ومضت.
لم تأخذ معها جوابًا.
أخذت يقظة.