حيث تنتهي الأسقف

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 9 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2554
حيث تنتهي الأسقف

حيث تنتهي الأسقف

في قرية صغيرة محاطة بالتلال عاش الأقزام منذ أجيال طويلة. كانت بيوتهم منخفضة وأبوابهم قصيرة وأسقفهم تكاد تلامس رؤوسهم كانوا جميعًا متشابهين قصار القامة، بأعناق قصيرة ووجوه مستديرة إلا فتاة واحدة كانت تُدعى سماء وُلدت برقبة طويلة بشكل غريب، وعينين واسعتين حالمتين تشبهان اللوز وساقين أطول من الجميع منذ طفولتها كانت تبدو وكأنها تنتمي إلى لوحة قديمة نُسيت في عالم آخر لم يفهمها أحد كان أطفال القرية يركضون خلفها وهم يهتفون رقبة الزرافة! الشجرة المتحركة! كلما مرت في السوق انطلقت الضحكات حتى بيتها لم يكن يشبه بيوت الآخرين فكلما بُني لها سقف كانت رقبتها تصطدم به وفي النهاية اضطرت متحملة المشقة إلى إزالة جزء من السقف نهائيًا، فأصبح بيتها الوحيد المفتوح نحو السماء في الليالي الباردة كان المطر يبلل شعرها وفي الشتاء كانت تنام جالسة لأن رقبتها لا تستطيع الانحناء داخل الغرفة الصغيرة. كبرت وهي تظن أنها خلل في الطبيعة كانت تنظر إلى انعكاسها في الماء وتتمنى لو أصبحت قصيرة مثل الجميع وتسأل نفسها : لماذا خُلقت هكذا؟ ومع مرور السنوات أصبحت أكثر صمتًا صارت تقضي ساعات طويلة تحدق في الغيوم، كأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه وفي أحد الأيام، خرجت إلى التلال البعيدة هربًا من سخرية أهل القرية . هناك رأت شخصًا يقف فوق صخرة تجمدت في مكانها.. كان طويلًا مثلها ورقبته طويلة وعيناه كالوزيتان الحالمتان ووجهه يحمل الحزن نفسه الذي عاش داخلها لسنوات .اقترب منها بدهشة مماثلة كأن كل واحد منهما يرى نفسه لأول مرة .. قالت : ظننتُ أنني الوحيدة وأجهشت بالبكاء لأول مرة في حياتها لم تشعر بأنها غريبة . أخذها الشاب عبر ممرات جبلية مخفية، حتى وصلا إلى وادٍ لم تسمع به من قبل وهناك وقعت الصدمة آلاف الأشخاص كلهم يشبهونها رقاب طويلة وجوه ممدودة عيون حالمة بيوت مرتفعة أبواب عالية مقاعد مصممة لأجسادهم . عالم كامل بُني من أجلهم ولم تكن استثناءً كانت طبيعية تمامًا فقط وُضعت بالخطأ في المكان الخطأ وعاشت بينهم شهورًا طويلة تعلمت الضحك تعلمت المشي مرفوعة الرأس . تعلمت أن شكلها ليس لعنة وفي أحد الأيام طلبت من أهل الوادي العودة معها إلى قرية الأقزام وافق الجميع وفي صباح ضبابي، استيقظ الأقزام على اهتزاز الأرض خرجوا من بيوتهم مذعورين ورأوا مئات الأشخاص طوال القامة يقتربون من القرية ثم آلافًا. ثم بحرًا كاملًا من الوجوه الشبيهة بليان توقفت الجموع عند حدود القرية وفي المقدمة وقفت سماء نفس الفتاة التي كانوا يسخرون منها ولكنها لم تعد منحنية . لم تعد خائفة كانت تقف مستقيمة كمنارة عندها أدرك الأقزام شيئًا مرعبًا لم تكن سماء هي الغريبة بل كانوا هم الذين ظنوا أن عالمهم هو العالم كله . ولأول مرة شعروا بصغرهم الحقيقي أما سماء ، فرفعت رأسها نحو السماء التي طالما احتضنت رقبتها الطويلة، وابتسمت لقد أمضت عمرًا كاملًا تحاول أن تصبح مثل الآخرين.ثم اكتشفت أن قيمتها كانت موجودة منذ البداية كانت فقط تعيش داخل القصة والمكان الخطأ

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الثانية وسبع عشرة دقيقة

الثانية وسبع عشرة دقيقة

الثانية وسبع عشرة دقيقة كان أول ما لاحظته المحققة ليان حمزة في منزل فاضل هو…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
26 مايو 2026
اقرأ المزيد
الصوت الميت

الصوت الميت

الصوت الميت لم تكن الجثة أول ما لفت انتباهي حين دخلنا بيت أم رائد تلك…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
20 مايو 2026
اقرأ المزيد
أدلة صامته

أدلة صامته

أدلة صامته كان المطر ينزل خفيفاً فوق نوافذ دائرة الطب العدلي حين وصلت جثة ياسين…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حيث تنتهي الأسقف

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 9 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

حيث تنتهي الأسقف

في قرية صغيرة محاطة بالتلال عاش الأقزام منذ أجيال طويلة. كانت بيوتهم منخفضة وأبوابهم قصيرة وأسقفهم تكاد تلامس رؤوسهم كانوا جميعًا متشابهين قصار القامة، بأعناق قصيرة ووجوه مستديرة إلا فتاة واحدة كانت تُدعى سماء وُلدت برقبة طويلة بشكل غريب، وعينين واسعتين حالمتين تشبهان اللوز وساقين أطول من الجميع منذ طفولتها كانت تبدو وكأنها تنتمي إلى لوحة قديمة نُسيت في عالم آخر لم يفهمها أحد كان أطفال القرية يركضون خلفها وهم يهتفون رقبة الزرافة! الشجرة المتحركة! كلما مرت في السوق انطلقت الضحكات حتى بيتها لم يكن يشبه بيوت الآخرين فكلما بُني لها سقف كانت رقبتها تصطدم به وفي النهاية اضطرت متحملة المشقة إلى إزالة جزء من السقف نهائيًا، فأصبح بيتها الوحيد المفتوح نحو السماء في الليالي الباردة كان المطر يبلل شعرها وفي الشتاء كانت تنام جالسة لأن رقبتها لا تستطيع الانحناء داخل الغرفة الصغيرة. كبرت وهي تظن أنها خلل في الطبيعة كانت تنظر إلى انعكاسها في الماء وتتمنى لو أصبحت قصيرة مثل الجميع وتسأل نفسها : لماذا خُلقت هكذا؟ ومع مرور السنوات أصبحت أكثر صمتًا صارت تقضي ساعات طويلة تحدق في الغيوم، كأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه وفي أحد الأيام، خرجت إلى التلال البعيدة هربًا من سخرية أهل القرية . هناك رأت شخصًا يقف فوق صخرة تجمدت في مكانها.. كان طويلًا مثلها ورقبته طويلة وعيناه كالوزيتان الحالمتان ووجهه يحمل الحزن نفسه الذي عاش داخلها لسنوات .اقترب منها بدهشة مماثلة كأن كل واحد منهما يرى نفسه لأول مرة .. قالت : ظننتُ أنني الوحيدة وأجهشت بالبكاء لأول مرة في حياتها لم تشعر بأنها غريبة . أخذها الشاب عبر ممرات جبلية مخفية، حتى وصلا إلى وادٍ لم تسمع به من قبل وهناك وقعت الصدمة آلاف الأشخاص كلهم يشبهونها رقاب طويلة وجوه ممدودة عيون حالمة بيوت مرتفعة أبواب عالية مقاعد مصممة لأجسادهم . عالم كامل بُني من أجلهم ولم تكن استثناءً كانت طبيعية تمامًا فقط وُضعت بالخطأ في المكان الخطأ وعاشت بينهم شهورًا طويلة تعلمت الضحك تعلمت المشي مرفوعة الرأس . تعلمت أن شكلها ليس لعنة وفي أحد الأيام طلبت من أهل الوادي العودة معها إلى قرية الأقزام وافق الجميع وفي صباح ضبابي، استيقظ الأقزام على اهتزاز الأرض خرجوا من بيوتهم مذعورين ورأوا مئات الأشخاص طوال القامة يقتربون من القرية ثم آلافًا. ثم بحرًا كاملًا من الوجوه الشبيهة بليان توقفت الجموع عند حدود القرية وفي المقدمة وقفت سماء نفس الفتاة التي كانوا يسخرون منها ولكنها لم تعد منحنية . لم تعد خائفة كانت تقف مستقيمة كمنارة عندها أدرك الأقزام شيئًا مرعبًا لم تكن سماء هي الغريبة بل كانوا هم الذين ظنوا أن عالمهم هو العالم كله . ولأول مرة شعروا بصغرهم الحقيقي أما سماء ، فرفعت رأسها نحو السماء التي طالما احتضنت رقبتها الطويلة، وابتسمت لقد أمضت عمرًا كاملًا تحاول أن تصبح مثل الآخرين.ثم اكتشفت أن قيمتها كانت موجودة منذ البداية كانت فقط تعيش داخل القصة والمكان الخطأ