كتاب يكشف المسكوت عنه في الذاكرة العراقية

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 9 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2353
كتاب يكشف المسكوت عنه في الذاكرة العراقية

كتاب يكشف المسكوت عنه في الذاكرة العراقية
قراءة في كتاب “يوميات كاتب عرايض” للكاتب والشاعر كاظم غيلان

المقدمة
تمثل المذكرات واليوميات أحد أهم الأجناس الكتابية القادرة على توثيق التاريخ غير الرسمي للمجتمعات، ذلك التاريخ الذي لا تعثر عليه في الوثائق الحكومية أو الكتب الأكاديمية بل في تفاصيل الحياة اليومية وتجارب الأفراد. وفي كتابه “يوميات كاتب عرايض”، الصادر عن دار كوديا للنشر والتوزيع سنة 2026، يقدم الشاعر والكاتب كاظم غيلان شهادة إنسانية جريئة عن مرحلة معقدة من تاريخ العراق، مستنداً إلى ذاكرة شخصية غنية بالأحداث والمفارقات والوجوه التي عبرت حياته خلال سنوات الحصار وما سبقها وما تلاها.
يقع الكتاب في 174 صفحة من القطع المتوسط، ويضم خمسة وثلاثين مقطعاً تمثل يوميات وذكريات اختار لها المؤلف عنوان “يوميات كاتب عرايض”، نسبة إلى المهنة التي اضطر إلى امتهانها في منطقة باب المعظم ببغداد هرباً من ألغام الوسط الثقافي والسياسي في زمن النظام السابق وسعياً لتأمين متطلبات العيش الكريم.
*جرأة الاعتراف وصدق التوثيق
كان أول ما استوقفني بعد قراءة الكتاب أن كاظم غيلان يمتلك جرأة لا تتوافر لدى كثير ممن كتبوا مذكراتهم. فهو لا يلجأ إلى التورية أو إخفاء الأسماء بل يذكر الأشخاص بأسمائهم الحقيقية متحملاً تبعات ذلك أخلاقياً وتاريخياً. ومع أن هذا الخيار قد يبدو تجاوزاً لخصوصية بعض الشخصيات التي تقاطعت حيواتها مع حياته فإنه في المقابل يعكس رغبة واضحة في تقديم شهادة صادقة غير منقوصة تحترم الوقائع أكثر مما تجامل الأشخاص.
في تمهيده المعنون “تمهيد ليوميات صاخبة”، يكشف المؤلف أن فكرة كتابة هذه اليوميات جاءت استجابة لاقتراحات متكررة من أصدقاء ومثقفين عرفوا حجم التجارب التي مر بها. ويستعرض حوارات ومواقف جمعته بعدد من الأدباء والصحفيين الذين شجعوه على تدوين ذاكرته ومنهم كريم عبد، وزاهر الجيزاني، وجمعة الحلفي، وغيرهم.
*كاتب العرايض بوصفه شاهداً على المجتمع
لا تكمن أهمية الكتاب في سيرة صاحبه وحدها، بل في الموقع الذي شغله داخل المجتمع. فكاتب العرايض ليس موظف يحرر الطلبات والشكاوى، بل شاهد يومي على آلام الناس وأسرارهم ومآسيهم.
ومن خلال هذه المهنة يطلع القارئ على نماذج إنسانية مؤثرة:امرأة تشكو خيانة زوجها مع ابنتها، وأب يبحث عن ابنه المفقود، وشقيق يستجدي الرحمة لأخيه المحكوم بالإعدام، وآخرون دفعتهم الظروف السياسية والاجتماعية إلى طرق أبواب السلطة طلباً للنجاة.
هنا تتحول العريضة من وثيقة إدارية بسيطة إلى نافذة واسعة على المجتمع العراقي في سنوات الحصار والخوف والرقابة وتصبح مهنة كاتب العرائض مدخلاً لقراءة التاريخ الاجتماعي والنفسي لتلك المرحلة.
*بين اليوميات والتاريخ الشفهي
يؤكد غيلان أن اهتمامه بكتابة اليوميات يعود إلى إعجابه بهذا الشكل من الكتابة منذ اطلاعه على “يوميات سائق تكسي” للناقد ياسين النصير. غير أن يومياته تختلف من حيث المادة والخبرة فهي تجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق الثقافي والتاريخ الشفهي.
واللافت أن المؤلف يصر على تسجيل الوقائع كما يتذكرها مع ذكر الأسماء الصريحة انطلاقاً من قناعته بأن الصمت أو التجميل قد يؤديان إلى تشويه الذاكرة العامة. لذلك يبدو الكتاب أقرب إلى شهادة شخصية على زمن كامل، لا إلى مجرد مذكرات فردية.
*الحنين وتأمل العمر
لا يخلو الكتاب من لحظات إنسانية شديدة التأثير خصوصاً حين يستعيد المؤلف ذكرياته مع شجرة زرعها في باب المعظم خلال تسعينيات القرن الماضي. فالشجرة التي كبرت مع مرور الزمن تتحول إلى رمز للعمر الذي يمضي سريعاً، وإلى مناسبة للتأمل في معنى الزمن والفقد والتحولات التي عصفت بالأفراد والأمكنة.
وفي هذه المقاطع يتراجع التوثيق لصالح التأمل الوجداني، فتظهر لغة شاعرية حزينة تمنح النص دفئه الإنساني وتبعده عن جفاف السرد التقريري.
*الخاتمة
يقدم “يوميات كاتب عرايض” مادة ثرية تجمع بين الاعتراف الشخصي والتوثيق الاجتماعي والثقافي. إنه كتاب يفتح أبواب الذاكرة العراقية على مصاريعها، ويكشف كثيراً من التفاصيل التي ظلت حبيسة الأحاديث الخاصة ولم تجد طريقها إلى الكتابة.
ورغم ما قد يثيره من جدل بسبب صراحته وذكره للأسماء والوقائع فإن قيمته الأساسية تكمن في كونه شهادة حية على مرحلة مضطربة من تاريخ العراق، كتبها صاحبها بصدق وشجاعة تاركاً للقارئ فرصة التأمل في ما بين السطور من أسرار ومفارقات ودروس إنسانية.
إنه كتاب لا يشعر قارئه بالملل لأن كل صفحة فيه تحمل حكاية أو مفاجأة أو ابتسامة ممزوجة بمرارة الواقع ليقدم في النهاية نموذجاً لما يمكن أن نسميه “التاريخ الشفهي غير المصرح به” ذلك التاريخ الذي يكتبه الناس العاديون قبل أن يكتبه المؤرخون.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد

عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد

عوالم مصغرة تتحول إلى عراق مصغر في رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفته سعيد  …

صورة الكاتب حمدي العطار
6 يونيو 2026
اقرأ المزيد
مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي قراءة نقدية في رواية «مذكرات خاتون كرخية»…

صورة الكاتب حمدي العطار
23 مايو 2026
اقرأ المزيد
من رحلاتي الى إيران رامسر… مدينة الأحلام ومهرجان الفن والحياة واللوحة التشكيلية

من رحلاتي الى إيران رامسر… مدينة الأحلام ومهرجان الفن والحياة واللوحة التشكيلية

من رحلاتي الى إيران رامسر… مدينة الأحلام ومهرجان الفن والحياة واللوحة التشكيلية مقدمة تبدو بعض…

صورة الكاتب حمدي العطار
18 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


كتاب يكشف المسكوت عنه في الذاكرة العراقية

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 9 يونيو 2026

التصنيف: الأدب

كتاب يكشف المسكوت عنه في الذاكرة العراقية
قراءة في كتاب “يوميات كاتب عرايض” للكاتب والشاعر كاظم غيلان

المقدمة
تمثل المذكرات واليوميات أحد أهم الأجناس الكتابية القادرة على توثيق التاريخ غير الرسمي للمجتمعات، ذلك التاريخ الذي لا تعثر عليه في الوثائق الحكومية أو الكتب الأكاديمية بل في تفاصيل الحياة اليومية وتجارب الأفراد. وفي كتابه “يوميات كاتب عرايض”، الصادر عن دار كوديا للنشر والتوزيع سنة 2026، يقدم الشاعر والكاتب كاظم غيلان شهادة إنسانية جريئة عن مرحلة معقدة من تاريخ العراق، مستنداً إلى ذاكرة شخصية غنية بالأحداث والمفارقات والوجوه التي عبرت حياته خلال سنوات الحصار وما سبقها وما تلاها.
يقع الكتاب في 174 صفحة من القطع المتوسط، ويضم خمسة وثلاثين مقطعاً تمثل يوميات وذكريات اختار لها المؤلف عنوان “يوميات كاتب عرايض”، نسبة إلى المهنة التي اضطر إلى امتهانها في منطقة باب المعظم ببغداد هرباً من ألغام الوسط الثقافي والسياسي في زمن النظام السابق وسعياً لتأمين متطلبات العيش الكريم.
*جرأة الاعتراف وصدق التوثيق
كان أول ما استوقفني بعد قراءة الكتاب أن كاظم غيلان يمتلك جرأة لا تتوافر لدى كثير ممن كتبوا مذكراتهم. فهو لا يلجأ إلى التورية أو إخفاء الأسماء بل يذكر الأشخاص بأسمائهم الحقيقية متحملاً تبعات ذلك أخلاقياً وتاريخياً. ومع أن هذا الخيار قد يبدو تجاوزاً لخصوصية بعض الشخصيات التي تقاطعت حيواتها مع حياته فإنه في المقابل يعكس رغبة واضحة في تقديم شهادة صادقة غير منقوصة تحترم الوقائع أكثر مما تجامل الأشخاص.
في تمهيده المعنون “تمهيد ليوميات صاخبة”، يكشف المؤلف أن فكرة كتابة هذه اليوميات جاءت استجابة لاقتراحات متكررة من أصدقاء ومثقفين عرفوا حجم التجارب التي مر بها. ويستعرض حوارات ومواقف جمعته بعدد من الأدباء والصحفيين الذين شجعوه على تدوين ذاكرته ومنهم كريم عبد، وزاهر الجيزاني، وجمعة الحلفي، وغيرهم.
*كاتب العرايض بوصفه شاهداً على المجتمع
لا تكمن أهمية الكتاب في سيرة صاحبه وحدها، بل في الموقع الذي شغله داخل المجتمع. فكاتب العرايض ليس موظف يحرر الطلبات والشكاوى، بل شاهد يومي على آلام الناس وأسرارهم ومآسيهم.
ومن خلال هذه المهنة يطلع القارئ على نماذج إنسانية مؤثرة:امرأة تشكو خيانة زوجها مع ابنتها، وأب يبحث عن ابنه المفقود، وشقيق يستجدي الرحمة لأخيه المحكوم بالإعدام، وآخرون دفعتهم الظروف السياسية والاجتماعية إلى طرق أبواب السلطة طلباً للنجاة.
هنا تتحول العريضة من وثيقة إدارية بسيطة إلى نافذة واسعة على المجتمع العراقي في سنوات الحصار والخوف والرقابة وتصبح مهنة كاتب العرائض مدخلاً لقراءة التاريخ الاجتماعي والنفسي لتلك المرحلة.
*بين اليوميات والتاريخ الشفهي
يؤكد غيلان أن اهتمامه بكتابة اليوميات يعود إلى إعجابه بهذا الشكل من الكتابة منذ اطلاعه على “يوميات سائق تكسي” للناقد ياسين النصير. غير أن يومياته تختلف من حيث المادة والخبرة فهي تجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق الثقافي والتاريخ الشفهي.
واللافت أن المؤلف يصر على تسجيل الوقائع كما يتذكرها مع ذكر الأسماء الصريحة انطلاقاً من قناعته بأن الصمت أو التجميل قد يؤديان إلى تشويه الذاكرة العامة. لذلك يبدو الكتاب أقرب إلى شهادة شخصية على زمن كامل، لا إلى مجرد مذكرات فردية.
*الحنين وتأمل العمر
لا يخلو الكتاب من لحظات إنسانية شديدة التأثير خصوصاً حين يستعيد المؤلف ذكرياته مع شجرة زرعها في باب المعظم خلال تسعينيات القرن الماضي. فالشجرة التي كبرت مع مرور الزمن تتحول إلى رمز للعمر الذي يمضي سريعاً، وإلى مناسبة للتأمل في معنى الزمن والفقد والتحولات التي عصفت بالأفراد والأمكنة.
وفي هذه المقاطع يتراجع التوثيق لصالح التأمل الوجداني، فتظهر لغة شاعرية حزينة تمنح النص دفئه الإنساني وتبعده عن جفاف السرد التقريري.
*الخاتمة
يقدم “يوميات كاتب عرايض” مادة ثرية تجمع بين الاعتراف الشخصي والتوثيق الاجتماعي والثقافي. إنه كتاب يفتح أبواب الذاكرة العراقية على مصاريعها، ويكشف كثيراً من التفاصيل التي ظلت حبيسة الأحاديث الخاصة ولم تجد طريقها إلى الكتابة.
ورغم ما قد يثيره من جدل بسبب صراحته وذكره للأسماء والوقائع فإن قيمته الأساسية تكمن في كونه شهادة حية على مرحلة مضطربة من تاريخ العراق، كتبها صاحبها بصدق وشجاعة تاركاً للقارئ فرصة التأمل في ما بين السطور من أسرار ومفارقات ودروس إنسانية.
إنه كتاب لا يشعر قارئه بالملل لأن كل صفحة فيه تحمل حكاية أو مفاجأة أو ابتسامة ممزوجة بمرارة الواقع ليقدم في النهاية نموذجاً لما يمكن أن نسميه “التاريخ الشفهي غير المصرح به” ذلك التاريخ الذي يكتبه الناس العاديون قبل أن يكتبه المؤرخون.