الحرية والقيود والانتماء في الكتابة الإبداعية

صورة الكاتب
بقلم: أ. د. مصطفى عطية جمعة
التاريخ: 8 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2572
الحرية والقيود والانتماء في الكتابة الإبداعية

الحرية والقيود والانتماء في الكتابة الإبداعية

الكتابة حرية نعم، ولكنها حرية مقيدة، بحدود كثيرة: اجتماعية وسياسية وإنسانية، والحرية درجات، وتختلف حسب المجتمعات، وأيضا حسب شخصيات الروائيين، وقدرتهم على الاستقلال الفكري، فالروائي الرائد يختلف عن المقلّد، وصاحب الإيديولوجيا لا يقاس عليه من هو بلا فكر، ولا توجه. ولكن -حتما- فإن الكتابة توفّر مساحة من الحرية للروائي: على مستوى الموضوعات المختارة، وعلى مستوى التوجهات المبتغاة، ومدى حرص الروائي على دعم انتمائه إلى المجتمع.
مساحة الحرية
إن الكتابة تعبر عن مساحة الحرية -التي لا تخلو من القيود- والتي يتحرك فيها المؤلف. إنها المجال الذي يمكن أن يمارس فيه الكاتب الاختيار على مستوى التعبير. ويتعلق هذا بكيفية رسم توجهاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية، وعندما نكتشف صيغ الكتابة في النص، نكون قد تنبهنا إلى الإشارات الدالة على هذه التوجهات، والتي يدمجها الكاتب عمدا في النص. فالكاتب الجاد المخلص، لديه رغبة في الانتماء الاجتماعي والسياسي، ولديه أيضا حلمه بالتضامن مع مجموعة يتوجه إليها، ويأمل في أن يكون ممثلا لها.
وقضية الانتماء تأتي على درجات، فهناك الانتماء إلى المجتمع القريب: القرية، الحي، القبيلة. وهناك انتماء إلى المجتمع الواسع: المحافظة والدولة، وهناك المجتمع الأكبر، الذي يكون عادة في محيط الثقافة القومية، الناطقة بلسان واحد، والمشتركة في التاريخ والعادات والتقاليد، مثل الدائرة العربية، المعبر عنها باللغة العربية، والتي تجمعها جغرافيا واحدة، وتاريخ واحد، وتتشابه العادات والتقاليد والقيم والسلوكيات، بحكم أن الإسلام هو الجامع والمنبع للثقافة.
وهناك الدائرة الإنسانية الرحبة، التي تتجاوز العرقيات والقوميات والألسنة والديانات والجغرافيا والتاريخ، إلى الإنسان بكل ما يتصل بالكلمة من حقوق وقيم وتوجهات وأفكار، تنحاز للإنسانية، وتنتصر للخيرية، والوحدة والتعايش بين أجناس البشر، ولا تعرف تمييزا، ولا تمايزا، على أساس عرقي أو ثقافي أو لغوي.
التغيير في المجتمع
وفي هذا الصدد يثور سؤال من قبل نقاد الأدب حول موقف الروائي من التغيير في المجتمع، هل يتبنى رؤية بعينها للتغيير، مثلما يطرح الماركسيون أو يكتفي بتسليط الضوء على قضايا اجتماعية وإنسانية وثقافية؟
ولا يكتفي دعاة هذا السؤال بالطرح، وإنما يضعون تقييمات ومعايير بعينها يقيسون عليه الأدب، فهم يريدون أدبا ينادي بالمجتمع الخالي من الطبقات في المستقبل، ويمارسون في ذلك نقدا خاليا من أية معايير أدبية، وينتصرون لرؤية سياسية وخلقية وإيديولوجية، ذاكرين ما ينبغي ويتوجب على الكاتب أن يراعيه في نصوصه، فهم ليسوا دارسين للأدب وللمجتمع فقط، وإنما يعدّون أنفسهم أنبياء المستقبل، والمبشرين به، والمنذَرين من أجله، ويصعب عليهم الفصل بين هاتين الوظيفتين.
وتلك إشكالية كبرى، أن يفرض الأديب رؤية ما لإصلاح المجتمع، مثلما نرى في الواقعية الاشتراكية، وجوهرها يكمن في الإخلاص لحقيقة الحياة، بغض النظر عما تكون عليه من جفاء، ويكون التعبير عنها في صور فنية من الزاوية الشيوعية. أما أهم مبادئها الفكرية فتتمثل في الوفاء للإيديولوجيا الشعبية، ووضع النشاط الإنساني في خدمة الشعب، وروح الحزب، والارتباط العضوي بنضال الجماهير الكادحة، وهي تعبر أيضا عن نزعة اشتراكية أممية، ورفض الإغراق في الذاتية والشكلانية. وتتخذ من البطل الاشتراكي مخلصا لها، والسعي لكتابة تاريخ جديد.
ونرى أن من حق الأديب أن ينتهج في كتاباته ما يشاء من رؤى وفلسفات، ولا بأس أن يتبنى توجها بعينه للحل، ولكن الإشكالية أن يتحول هذا التوجه إلى مذهب أدبي رسمي، يتم فرضه قسرا على الأدباء، ولا فكاك منه، ومن يخالفه يصبح معارضا للثورة والنظام والسلطة، ويواجه تهما خطيرة. وفي هذه الحالة يصبح الفكر ديماجوجيا، والأديب متحجرا جامدا.
التفكير والتأمل
والأصل أن الأديب في حالة دائمة من التفكير والتأمل، يختبر فرضياته ورؤاه وبنياته النصية وعالمه الكتابي من خلال تجربته الممتدة، فيمكن أن تكون له تصورات بعينها، يتبناها في أعماله الأولى، ولكن مع مرور الزمن، والنضج العقلي، وحنكة الحياة، واختبار مقولاته في الواقع؛ يبدأ في مراجعة قناعاته، ومن ثم تبني جديدا غيرها. فتحجر الأديب يعني ببساطة ثباته أدبيا وجموده إبداعيا. وللأسف كثير من المبدعين الذين تبنوا توجها ما، ولم يفسحوا مجالا لمراجعة ذواتهم الإبداعية، وثوابتهم الفكرية، تحولت إبداعاتهم إلى صيغ مكررة الفكرة، متشابهة العوالم، لأن الأديب ألزم نفسه بعين إيديولوجية واحدة، ينظر بها إلى الواقع، ويرنو بها إلى المستقبل، لم يفكر في تغيير الزاوية، أو تصويب الرؤية، أو مراجعة الذات.

عن الکاتب / الکاتبة

أ. د. مصطفى عطية جمعة
أ. د. مصطفى عطية جمعة
أستاذ الأدب العربي والنقد / مصر

مقالات أخرى للكاتب

الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية ضد الاستكبار والغطرسة

الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية ضد الاستكبار والغطرسة

الإبداع العربي؛ صراع المقاومة والهوية ضد الاستكبار والغطرسة   ثمة سؤال جدلي يطرح نفسه على…

صورة الكاتب أ. د. مصطفى عطية جمعة
11 يناير 2026
اقرأ المزيد
قصص قصیرة جداً

قصص قصیرة جداً

قصص قصیرة جداً هجرة ممسكا دليلاً بالإنجليزية، أخبرهم بعزمه على الهجرة فور تخرّجه. معللا أن…

صورة الكاتب أ. د. مصطفى عطية جمعة
23 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي

الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي

الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي الشعر فن إبداعي أساسه اللغة والشعور والرؤية ، إنه فن تشترك…

صورة الكاتب أ. د. مصطفى عطية جمعة
22 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الحرية والقيود والانتماء في الكتابة الإبداعية

بقلم: أ. د. مصطفى عطية جمعة | التاريخ: 8 يونيو 2026

التصنيف: الأدب

الحرية والقيود والانتماء في الكتابة الإبداعية

الكتابة حرية نعم، ولكنها حرية مقيدة، بحدود كثيرة: اجتماعية وسياسية وإنسانية، والحرية درجات، وتختلف حسب المجتمعات، وأيضا حسب شخصيات الروائيين، وقدرتهم على الاستقلال الفكري، فالروائي الرائد يختلف عن المقلّد، وصاحب الإيديولوجيا لا يقاس عليه من هو بلا فكر، ولا توجه. ولكن -حتما- فإن الكتابة توفّر مساحة من الحرية للروائي: على مستوى الموضوعات المختارة، وعلى مستوى التوجهات المبتغاة، ومدى حرص الروائي على دعم انتمائه إلى المجتمع.
مساحة الحرية
إن الكتابة تعبر عن مساحة الحرية -التي لا تخلو من القيود- والتي يتحرك فيها المؤلف. إنها المجال الذي يمكن أن يمارس فيه الكاتب الاختيار على مستوى التعبير. ويتعلق هذا بكيفية رسم توجهاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية، وعندما نكتشف صيغ الكتابة في النص، نكون قد تنبهنا إلى الإشارات الدالة على هذه التوجهات، والتي يدمجها الكاتب عمدا في النص. فالكاتب الجاد المخلص، لديه رغبة في الانتماء الاجتماعي والسياسي، ولديه أيضا حلمه بالتضامن مع مجموعة يتوجه إليها، ويأمل في أن يكون ممثلا لها.
وقضية الانتماء تأتي على درجات، فهناك الانتماء إلى المجتمع القريب: القرية، الحي، القبيلة. وهناك انتماء إلى المجتمع الواسع: المحافظة والدولة، وهناك المجتمع الأكبر، الذي يكون عادة في محيط الثقافة القومية، الناطقة بلسان واحد، والمشتركة في التاريخ والعادات والتقاليد، مثل الدائرة العربية، المعبر عنها باللغة العربية، والتي تجمعها جغرافيا واحدة، وتاريخ واحد، وتتشابه العادات والتقاليد والقيم والسلوكيات، بحكم أن الإسلام هو الجامع والمنبع للثقافة.
وهناك الدائرة الإنسانية الرحبة، التي تتجاوز العرقيات والقوميات والألسنة والديانات والجغرافيا والتاريخ، إلى الإنسان بكل ما يتصل بالكلمة من حقوق وقيم وتوجهات وأفكار، تنحاز للإنسانية، وتنتصر للخيرية، والوحدة والتعايش بين أجناس البشر، ولا تعرف تمييزا، ولا تمايزا، على أساس عرقي أو ثقافي أو لغوي.
التغيير في المجتمع
وفي هذا الصدد يثور سؤال من قبل نقاد الأدب حول موقف الروائي من التغيير في المجتمع، هل يتبنى رؤية بعينها للتغيير، مثلما يطرح الماركسيون أو يكتفي بتسليط الضوء على قضايا اجتماعية وإنسانية وثقافية؟
ولا يكتفي دعاة هذا السؤال بالطرح، وإنما يضعون تقييمات ومعايير بعينها يقيسون عليه الأدب، فهم يريدون أدبا ينادي بالمجتمع الخالي من الطبقات في المستقبل، ويمارسون في ذلك نقدا خاليا من أية معايير أدبية، وينتصرون لرؤية سياسية وخلقية وإيديولوجية، ذاكرين ما ينبغي ويتوجب على الكاتب أن يراعيه في نصوصه، فهم ليسوا دارسين للأدب وللمجتمع فقط، وإنما يعدّون أنفسهم أنبياء المستقبل، والمبشرين به، والمنذَرين من أجله، ويصعب عليهم الفصل بين هاتين الوظيفتين.
وتلك إشكالية كبرى، أن يفرض الأديب رؤية ما لإصلاح المجتمع، مثلما نرى في الواقعية الاشتراكية، وجوهرها يكمن في الإخلاص لحقيقة الحياة، بغض النظر عما تكون عليه من جفاء، ويكون التعبير عنها في صور فنية من الزاوية الشيوعية. أما أهم مبادئها الفكرية فتتمثل في الوفاء للإيديولوجيا الشعبية، ووضع النشاط الإنساني في خدمة الشعب، وروح الحزب، والارتباط العضوي بنضال الجماهير الكادحة، وهي تعبر أيضا عن نزعة اشتراكية أممية، ورفض الإغراق في الذاتية والشكلانية. وتتخذ من البطل الاشتراكي مخلصا لها، والسعي لكتابة تاريخ جديد.
ونرى أن من حق الأديب أن ينتهج في كتاباته ما يشاء من رؤى وفلسفات، ولا بأس أن يتبنى توجها بعينه للحل، ولكن الإشكالية أن يتحول هذا التوجه إلى مذهب أدبي رسمي، يتم فرضه قسرا على الأدباء، ولا فكاك منه، ومن يخالفه يصبح معارضا للثورة والنظام والسلطة، ويواجه تهما خطيرة. وفي هذه الحالة يصبح الفكر ديماجوجيا، والأديب متحجرا جامدا.
التفكير والتأمل
والأصل أن الأديب في حالة دائمة من التفكير والتأمل، يختبر فرضياته ورؤاه وبنياته النصية وعالمه الكتابي من خلال تجربته الممتدة، فيمكن أن تكون له تصورات بعينها، يتبناها في أعماله الأولى، ولكن مع مرور الزمن، والنضج العقلي، وحنكة الحياة، واختبار مقولاته في الواقع؛ يبدأ في مراجعة قناعاته، ومن ثم تبني جديدا غيرها. فتحجر الأديب يعني ببساطة ثباته أدبيا وجموده إبداعيا. وللأسف كثير من المبدعين الذين تبنوا توجها ما، ولم يفسحوا مجالا لمراجعة ذواتهم الإبداعية، وثوابتهم الفكرية، تحولت إبداعاتهم إلى صيغ مكررة الفكرة، متشابهة العوالم، لأن الأديب ألزم نفسه بعين إيديولوجية واحدة، ينظر بها إلى الواقع، ويرنو بها إلى المستقبل، لم يفكر في تغيير الزاوية، أو تصويب الرؤية، أو مراجعة الذات.