مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 23 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2664
مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

قراءة نقدية في رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي

حمدي العطار

تسعى رواية «مذكرات خاتون كرخية» إلى تقديم بانوراما اجتماعية ونفسية لعالمين متناقضين في بغداد، عالم المهمشين والمنكسرين الذين يعيشون على هامش الحياة داخل مقهى شعبي قديم، وعالم العائلات الثرية التي تخفي خلف الواجهة الاجتماعية اللامعة صراعات الطمع والإرث والمؤامرات العائلية.

ويحاول الروائي عبر تقنية “المذكرات” والأبواب السردية أن يبني نصاً يقوم على كشف الأسرار وتفكيك الشخصيات، إلا أن الرواية، على الرغم من غناها بالشخصيات والأفكار وقعت أحياناً في ارتباك سردي أضعف ترابط الأحداث وأفقد بعض الرموز فاعليتها الفنية.

اعتمدت الرواية تقسيم فصولها على شكل “أبواب” حملت عناوين ذات دلالات رمزية مثل: باب الكهف، باب الروشن، باب لعبتي النرد والدومينو، باب الأنا، والباب الأخير مذكرات مغتصبة.

وكان من المتوقع أن يفتح كل باب أفقاً سردياً جديداً يقود إلى تطور الحدث أو تعميق الشخصيات إلا أن غياب التصاعد الدرامي جعل هذه الأبواب أقرب إلى عناوين منفصلة منها إلى مفاصل بنائية مترابطة. فالرواية تلمّح منذ البداية إلى وجود سر كبير يتعلق بـ “سعاد خاتون”، لكن هذا السر يتأخر كثيراً في الظهور، بينما ينشغل السرد بتفاصيل جانبية واستطرادات مطولة عن رواد المقهى.

ويبرز “مقهى الطرف” بوصفه الفضاء المركزي للرواية إذ يتحول من مجرد مكان شعبي إلى صورة رمزية لبغداد المنهكة والهامش الاجتماعي المنسي.

فالروائي يستعرض شخصيات المقهى بتفاصيل دقيقة: الأعمى، والمشلول، والعاطل، والمجنون، والمتسول، والمطرود،و الملحد ، والبطئء وغيرهم من النماذج التي تمثل الانكسار الإنساني والاجتماعي. وهذه الشخصيات لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل أراد الكاتب من خلالها أن يكشف قسوة الواقع العراقي وتشوهاته النفسية بعد سنوات طويلة من الحروب والفقر والتهميش.

وقد نجح الروائي في رسم أجواء المقهى بوصفه “جمهورية للمهمشين”، وهو توصيف يحمل بعداً رمزياً واضحاً؛ فالمقهى هنا ليس مكاناً للترفيه بل فضاء مكشوفاً تتعرى فيه النفوس وتظهر الأحقاد والهزائم المكبوتة.

ويبدو حسن القربان، الشخصية المحورية في الرواية، مراقباً لهذا العالم وسارداً له في الوقت نفسه إذ يتنقل بين دور الراوي والشاهد والمشارك محاولاً الإمساك بحكايات الآخرين وتحويلها إلى مادة سردية.

غير أن الرواية تبدأ بالتعثر حين تنتقل إلى خط “سعاد خاتون الكرخية”، الشخصية التي تحمل الرواية اسمها.

فالسرد يوحي منذ البداية بأن هناك علاقة غامضة تربط القاص الراحل ـ والد زيد ـ بحكاية الخاتون، لكن هذه العلاقة تبقى مبهمة وغير مكتملة التفسير. كما أن الانتقال من عالم المقهى إلى عالم العائلة الأرستقراطية الثرية جاء مفاجئاً من دون تمهيد كافٍ يربط المسارين عضوياً.

وتتمحور حكاية “سعاد خاتون” حول حادثة اغتصاب غامضة تعرضت لها في شبابها على يد ابن عمها في ليلة تختلط فيها الرغبة بالخديعة والشك باليقين.

وقد حاول الكاتب أن يجعل من هذه الحادثة مفتاحاً نفسياً لفهم شخصية الخاتون وتحولاتها اللاحقة، إلا أن السرد بقي متردداً في حسم طبيعة الواقعة نفسها، ما جعل الحدث المركزي في الرواية يفتقر إلى الوضوح الدرامي الكافي.

كما أن العلاقة بين الخاتون وحسن القربان بدت مضطربة ومتسارعة، إذ تتحول من مجرد اتفاق على كتابة المذكرات إلى علاقة مشحونة بالتوتر والرغبة والتهديد، من دون بناء نفسي متدرج يقنع القارئ بهذا التحول.

وتزداد الرواية ارتباكاً في نهايتها، خاصة مع موقف زيد من القربان واتهامه له بالمتاجرة بأسرار العائلات من أجل المال، وهي خاتمة حاولت إثارة سؤال أخلاقي عن وظيفة الكاتب وحدود كشف الأسرار، لكنها جاءت أقرب إلى الحكم المباشر منها إلى النتيجة الطبيعية لتطور الأحداث.

ومن الناحية الفنية، تبدو الرواية غنية باللغة الوصفية والحوار الطويل، وتمتلك قدرة واضحة على رسم الشخصيات الثانوية ومنحها حضوراً حياً، إلا أن كثرة الاستطرادات أضعفت إيقاع السرد وأخرت الوصول إلى العقدة الأساسية.

كما أن النص اعتمد أحياناً على التفسير المباشر للأفكار بدلاً من ترك الشخصيات والأحداث تكشف أبعادها تلقائياً الأمر الذي أفقد بعض المقاطع عمقها الفني.

ومع ذلك تبقى «مذكرات خاتون كرخية» محاولة روائية جادة لقراءة المجتمع البغدادي من زاويتين متقابلتين: الهامش الشعبي المنسي، والطبقة الثرية التي تخفي خلف أناقتها الكثير من العنف والطمع والخوف.

وقد استطاع الروائي خضير فليح الزيدي أن يلتقط تفاصيل البيئة البغدادية ولهجتها وأمزجتها الإنسانية، مقدماً نصاً مشبعاً بالحكايات والرموز والأسئلة الأخلاقية، حتى وإن تعثرت بعض خيوطه السردية ولم تكتمل روابطها الفنية بالشكل الذي يمنح الرواية تماسكا أكبر.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

من رحلاتي الى إيران رامسر… مدينة الأحلام ومهرجان الفن والحياة واللوحة التشكيلية

من رحلاتي الى إيران رامسر… مدينة الأحلام ومهرجان الفن والحياة واللوحة التشكيلية

من رحلاتي الى إيران رامسر… مدينة الأحلام ومهرجان الفن والحياة واللوحة التشكيلية مقدمة تبدو بعض…

صورة الكاتب حمدي العطار
18 مايو 2026
اقرأ المزيد
احتفاء بالدكتور جابر خليفة جابر وكتابه (القراءة تحت الحمراء)

احتفاء بالدكتور جابر خليفة جابر وكتابه (القراءة تحت الحمراء)

احتفاء بالدكتور جابر خليفة جابر وكتابه (القراءة تحت الحمراء) اصبوحة رائعة أقامتها دار توليب للطباعة…

صورة الكاتب حمدي العطار
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي   مقدمة تعد الرواية…

صورة الكاتب حمدي العطار
14 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 23 مايو 2026

التصنيف: الأدب

مذكرات خاتون كرخية.. سرد المهمشين وضياع الخيط الروائي

قراءة نقدية في رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي

حمدي العطار

تسعى رواية «مذكرات خاتون كرخية» إلى تقديم بانوراما اجتماعية ونفسية لعالمين متناقضين في بغداد، عالم المهمشين والمنكسرين الذين يعيشون على هامش الحياة داخل مقهى شعبي قديم، وعالم العائلات الثرية التي تخفي خلف الواجهة الاجتماعية اللامعة صراعات الطمع والإرث والمؤامرات العائلية.

ويحاول الروائي عبر تقنية “المذكرات” والأبواب السردية أن يبني نصاً يقوم على كشف الأسرار وتفكيك الشخصيات، إلا أن الرواية، على الرغم من غناها بالشخصيات والأفكار وقعت أحياناً في ارتباك سردي أضعف ترابط الأحداث وأفقد بعض الرموز فاعليتها الفنية.

اعتمدت الرواية تقسيم فصولها على شكل “أبواب” حملت عناوين ذات دلالات رمزية مثل: باب الكهف، باب الروشن، باب لعبتي النرد والدومينو، باب الأنا، والباب الأخير مذكرات مغتصبة.

وكان من المتوقع أن يفتح كل باب أفقاً سردياً جديداً يقود إلى تطور الحدث أو تعميق الشخصيات إلا أن غياب التصاعد الدرامي جعل هذه الأبواب أقرب إلى عناوين منفصلة منها إلى مفاصل بنائية مترابطة. فالرواية تلمّح منذ البداية إلى وجود سر كبير يتعلق بـ “سعاد خاتون”، لكن هذا السر يتأخر كثيراً في الظهور، بينما ينشغل السرد بتفاصيل جانبية واستطرادات مطولة عن رواد المقهى.

ويبرز “مقهى الطرف” بوصفه الفضاء المركزي للرواية إذ يتحول من مجرد مكان شعبي إلى صورة رمزية لبغداد المنهكة والهامش الاجتماعي المنسي.

فالروائي يستعرض شخصيات المقهى بتفاصيل دقيقة: الأعمى، والمشلول، والعاطل، والمجنون، والمتسول، والمطرود،و الملحد ، والبطئء وغيرهم من النماذج التي تمثل الانكسار الإنساني والاجتماعي. وهذه الشخصيات لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل أراد الكاتب من خلالها أن يكشف قسوة الواقع العراقي وتشوهاته النفسية بعد سنوات طويلة من الحروب والفقر والتهميش.

وقد نجح الروائي في رسم أجواء المقهى بوصفه “جمهورية للمهمشين”، وهو توصيف يحمل بعداً رمزياً واضحاً؛ فالمقهى هنا ليس مكاناً للترفيه بل فضاء مكشوفاً تتعرى فيه النفوس وتظهر الأحقاد والهزائم المكبوتة.

ويبدو حسن القربان، الشخصية المحورية في الرواية، مراقباً لهذا العالم وسارداً له في الوقت نفسه إذ يتنقل بين دور الراوي والشاهد والمشارك محاولاً الإمساك بحكايات الآخرين وتحويلها إلى مادة سردية.

غير أن الرواية تبدأ بالتعثر حين تنتقل إلى خط “سعاد خاتون الكرخية”، الشخصية التي تحمل الرواية اسمها.

فالسرد يوحي منذ البداية بأن هناك علاقة غامضة تربط القاص الراحل ـ والد زيد ـ بحكاية الخاتون، لكن هذه العلاقة تبقى مبهمة وغير مكتملة التفسير. كما أن الانتقال من عالم المقهى إلى عالم العائلة الأرستقراطية الثرية جاء مفاجئاً من دون تمهيد كافٍ يربط المسارين عضوياً.

وتتمحور حكاية “سعاد خاتون” حول حادثة اغتصاب غامضة تعرضت لها في شبابها على يد ابن عمها في ليلة تختلط فيها الرغبة بالخديعة والشك باليقين.

وقد حاول الكاتب أن يجعل من هذه الحادثة مفتاحاً نفسياً لفهم شخصية الخاتون وتحولاتها اللاحقة، إلا أن السرد بقي متردداً في حسم طبيعة الواقعة نفسها، ما جعل الحدث المركزي في الرواية يفتقر إلى الوضوح الدرامي الكافي.

كما أن العلاقة بين الخاتون وحسن القربان بدت مضطربة ومتسارعة، إذ تتحول من مجرد اتفاق على كتابة المذكرات إلى علاقة مشحونة بالتوتر والرغبة والتهديد، من دون بناء نفسي متدرج يقنع القارئ بهذا التحول.

وتزداد الرواية ارتباكاً في نهايتها، خاصة مع موقف زيد من القربان واتهامه له بالمتاجرة بأسرار العائلات من أجل المال، وهي خاتمة حاولت إثارة سؤال أخلاقي عن وظيفة الكاتب وحدود كشف الأسرار، لكنها جاءت أقرب إلى الحكم المباشر منها إلى النتيجة الطبيعية لتطور الأحداث.

ومن الناحية الفنية، تبدو الرواية غنية باللغة الوصفية والحوار الطويل، وتمتلك قدرة واضحة على رسم الشخصيات الثانوية ومنحها حضوراً حياً، إلا أن كثرة الاستطرادات أضعفت إيقاع السرد وأخرت الوصول إلى العقدة الأساسية.

كما أن النص اعتمد أحياناً على التفسير المباشر للأفكار بدلاً من ترك الشخصيات والأحداث تكشف أبعادها تلقائياً الأمر الذي أفقد بعض المقاطع عمقها الفني.

ومع ذلك تبقى «مذكرات خاتون كرخية» محاولة روائية جادة لقراءة المجتمع البغدادي من زاويتين متقابلتين: الهامش الشعبي المنسي، والطبقة الثرية التي تخفي خلف أناقتها الكثير من العنف والطمع والخوف.

وقد استطاع الروائي خضير فليح الزيدي أن يلتقط تفاصيل البيئة البغدادية ولهجتها وأمزجتها الإنسانية، مقدماً نصاً مشبعاً بالحكايات والرموز والأسئلة الأخلاقية، حتى وإن تعثرت بعض خيوطه السردية ولم تكتمل روابطها الفنية بالشكل الذي يمنح الرواية تماسكا أكبر.