ثمن الشعور

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 11 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2717
ثمن الشعور

ثمن الشعور

عند تخوم القرية، حيث يلامس الغبار حوافّ الحياة اليومية، تقف حظيرة صغيرة كأنها فكرة منسية أُسقِطت على الأرض ولم يلتفت إليها أحد. هيكل خشبي متآكل، تعلوه صفائح معدنية فقدت بريقها، وأسلاك تحيط بالمكان لا كحدود بقدر ما هي كإعلانٍ باهت عن انفصالٍ غير مفهوم بين الموجودات.
في الداخل، كائنات تشترك في الاسم وتختلف في الحظ. في أحد الأركان، أنثى حمار وابنها، وفي الركن الآخر خمسة خرفان، يفصل بينها وبينهما سياج لا يبدو صلباً، لكنه كافٍ ليصنع عالماً منقسماً قابلاً للتفسير.
كل صباح، يتكرر المشهد ذاته، وكأنه ليس فعلاً بل طقساً كونياً بلا بداية، إذ تُلقى معالف الخرفان بما يشبه الامتنان: شعيرٌ حيّ، وقطع خبزٍ طريّة، فوق تبنٍ أبيض كأنه اختير بعناية ليبدو صالحاً للحياة. أما في الجهة الأخرى، فلا شيء يشبه الاختيار. تبنٌ يابس، نباتٌ جافّ تآكلت ذاكرته تحت الشمس، وأعشاب تنمو في أطراف الأرض كما تنمو الأفكار المنسية في رؤوس لا تُصغي.
الصغير كان يراقب.
لم يكن الجوع ما يؤرقه فحسب، بل المقارنة التي لا تفسر نفسها. كان يقف أمام السياج كمن يقف أمام سؤال لا يريد جواباً، يحدّق في ما يُمنح للآخرين، ثم يعود إلى ظله مثقلاً بشيء لا يشبه الحرمان، بل يشبه الوعي حين يبدأ بالتكون.
أما الأم، فكانت تبدو كأنها مرّت من كل هذا سابقاً، ثم قررت ألا تمر مرة أخرى. لم تعد ترى الفارق بوصفه ظلماً، بل بوصفه انتظاماً قديماً للأشياء، انتظاماً لا يُسأل لأنه ببساطة استقر خارج الأسئلة.
في صباحٍ بدا أكثر صمتاً من المعتاد، كان الضوء يتسلل بخفة إلى أطراف الحظيرة، حين لمح الصغير الجزار. كان يقف أمام دكانه عند المدخل، يمرر سكيناً طويلة على حجر صلب، فتتقد شرارة صغيرة كأنها فكرة تولد من الاحتكاك. في تلك اللحظة، لم يكن النصل مجرد أداة، بل إعلاناً عن نهاية لم تُسم بعد.
تراجع الصغير. لم يكن يعرف هل يهرب من الصورة أم من المعنى الذي بدأ يتشكل فيها. أخذ يضرب الأرض بحافريه كمن يحاول تثبيت واقعٍ يتفلت من بين يديه.
في تلك اللحظات، اقتربت الأم بصمت، وكأنها تعرف أن الأسئلة في لحظات كهذه لا تُجاب، بل تُحتوى.
قالت دون أن تنظر إليه:
ـ ما بالك يا ولدي؟
أجاب، وصوته مثقوب بالارتباك:
ـ الجزار… إنه هناك يحد السكين.
التفتت الأم نحو الجهة التي أشار إليها، ثم عادت إلى الصمت ذاته الذي خرجت منه، وسألته كمن يختبر شيئاً قديماً في الذاكرة:
ـ هل أكلت الشعير؟
تردد، ثم قال:
ـ لا.
هزّت رأسها، لا بأسف، بل بما يشبه الفهم المتأخر:
ـ ثمة أشياء لا تُؤكل مرتين، وثمة أشياء لا تُؤكل دون أن تُدفع… فكل لقمةٍ تُمنح بلا حساب، إنما تؤجل ثمنها إلى حينٍ لا يُتوقع.
صمتٌ ثقيل مرّ بينهما، كأنه يمرّ عبر الكائنات جميعها دون أن يُرى .في تلك اللحظة، لم يكن الجزار يقترب من الحظيرة وحدها، بل كان شيء آخر يقترب أيضاً: لحظة الإدراك التي لا تعود بعدها الأشياء كما كانت.
وكان الباب يُفتح.

 

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

ليلة لا تُروى

ليلة لا تُروى

قبل غروب الشمس بقليل، كانت القرية تدخل عادتها اليومية في سباق صامت مع الظلام. الفلاحون…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
24 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
الفراش الخالي

الفراش الخالي

في تلك الليلة، بدا القمر أقرب إلى الأرض من أي وقت مضى. كان يسكب ضوءه…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
18 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
ما بعد التصفيق

ما بعد التصفيق

ما بعد التصفيق   لم يكن في ملعب الإدارة المحلية بالموصل موضع قدم. ازدحمت المدرجات…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
8 أغسطس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ثمن الشعور

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 11 يونيو 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

ثمن الشعور

عند تخوم القرية، حيث يلامس الغبار حوافّ الحياة اليومية، تقف حظيرة صغيرة كأنها فكرة منسية أُسقِطت على الأرض ولم يلتفت إليها أحد. هيكل خشبي متآكل، تعلوه صفائح معدنية فقدت بريقها، وأسلاك تحيط بالمكان لا كحدود بقدر ما هي كإعلانٍ باهت عن انفصالٍ غير مفهوم بين الموجودات.
في الداخل، كائنات تشترك في الاسم وتختلف في الحظ. في أحد الأركان، أنثى حمار وابنها، وفي الركن الآخر خمسة خرفان، يفصل بينها وبينهما سياج لا يبدو صلباً، لكنه كافٍ ليصنع عالماً منقسماً قابلاً للتفسير.
كل صباح، يتكرر المشهد ذاته، وكأنه ليس فعلاً بل طقساً كونياً بلا بداية، إذ تُلقى معالف الخرفان بما يشبه الامتنان: شعيرٌ حيّ، وقطع خبزٍ طريّة، فوق تبنٍ أبيض كأنه اختير بعناية ليبدو صالحاً للحياة. أما في الجهة الأخرى، فلا شيء يشبه الاختيار. تبنٌ يابس، نباتٌ جافّ تآكلت ذاكرته تحت الشمس، وأعشاب تنمو في أطراف الأرض كما تنمو الأفكار المنسية في رؤوس لا تُصغي.
الصغير كان يراقب.
لم يكن الجوع ما يؤرقه فحسب، بل المقارنة التي لا تفسر نفسها. كان يقف أمام السياج كمن يقف أمام سؤال لا يريد جواباً، يحدّق في ما يُمنح للآخرين، ثم يعود إلى ظله مثقلاً بشيء لا يشبه الحرمان، بل يشبه الوعي حين يبدأ بالتكون.
أما الأم، فكانت تبدو كأنها مرّت من كل هذا سابقاً، ثم قررت ألا تمر مرة أخرى. لم تعد ترى الفارق بوصفه ظلماً، بل بوصفه انتظاماً قديماً للأشياء، انتظاماً لا يُسأل لأنه ببساطة استقر خارج الأسئلة.
في صباحٍ بدا أكثر صمتاً من المعتاد، كان الضوء يتسلل بخفة إلى أطراف الحظيرة، حين لمح الصغير الجزار. كان يقف أمام دكانه عند المدخل، يمرر سكيناً طويلة على حجر صلب، فتتقد شرارة صغيرة كأنها فكرة تولد من الاحتكاك. في تلك اللحظة، لم يكن النصل مجرد أداة، بل إعلاناً عن نهاية لم تُسم بعد.
تراجع الصغير. لم يكن يعرف هل يهرب من الصورة أم من المعنى الذي بدأ يتشكل فيها. أخذ يضرب الأرض بحافريه كمن يحاول تثبيت واقعٍ يتفلت من بين يديه.
في تلك اللحظات، اقتربت الأم بصمت، وكأنها تعرف أن الأسئلة في لحظات كهذه لا تُجاب، بل تُحتوى.
قالت دون أن تنظر إليه:
ـ ما بالك يا ولدي؟
أجاب، وصوته مثقوب بالارتباك:
ـ الجزار… إنه هناك يحد السكين.
التفتت الأم نحو الجهة التي أشار إليها، ثم عادت إلى الصمت ذاته الذي خرجت منه، وسألته كمن يختبر شيئاً قديماً في الذاكرة:
ـ هل أكلت الشعير؟
تردد، ثم قال:
ـ لا.
هزّت رأسها، لا بأسف، بل بما يشبه الفهم المتأخر:
ـ ثمة أشياء لا تُؤكل مرتين، وثمة أشياء لا تُؤكل دون أن تُدفع… فكل لقمةٍ تُمنح بلا حساب، إنما تؤجل ثمنها إلى حينٍ لا يُتوقع.
صمتٌ ثقيل مرّ بينهما، كأنه يمرّ عبر الكائنات جميعها دون أن يُرى .في تلك اللحظة، لم يكن الجزار يقترب من الحظيرة وحدها، بل كان شيء آخر يقترب أيضاً: لحظة الإدراك التي لا تعود بعدها الأشياء كما كانت.
وكان الباب يُفتح.