قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب) للكاتب التشيكي فرانز كافكا

صورة الكاتب
بقلم: اسماعيل آلرجب
التاريخ: 1 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2883
قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب)  للكاتب التشيكي فرانز كافكا

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب)

للكاتب التشيكي فرانز كافكا

 

سنحاول تلخيص القراءة على شكل نقاط وكما يأتي:-

  1. تفكيك رمزية انسنة بنات آوى والغاية منها:

بنات آوى هنا لسن مجرد حيوانات، بل يمثلن فئة إنسانية (أنسنة واضحة). يتمتعن بوعي زائف بالتميز، ويتحدثن بلغة بليغة مليئة بالكآبة والشكوى من “الواقع القذر”.

أ. يطالبن بـ”حياة نظيفة” ويزدرين العرب لأنهم يذبحون ليأكلوا، ويرين في أنفسهن رمزاً للنقاء لمجرد أنهن يأكلن الجيف (ما نفق طبيعياً). هذا يرمز إلى الوعي المشوه الذي يرى الرذيلة فضيلة.

ب. اعتمادهنّ  على “المخلِّص” الخارجي لأنّهن  عاجزات عن الفعل؛ يمتلكن الأنياب لكنهن لا يستخدمنها للتغيير، بل ينتظرن “المستشرق” أو “الرجل الشمالي الأبيض” ليقوم بالعمل القذر نيابة عنهن مستخدماً “المقص الصدئ”. المقص هنا رمز لأداة الخلاص البالية أو الحلول الاستعمارية الجاهزة.

2. في توصيف”العرب”:

يظهر العرب في القصة ككتلة واحدة، ملامحهم قاسية، “صلفهم بارد”، ويمثلون سلطة الأمر الواقع والسيادة على الأرض.

أ. العربي لا يلتفت لخطابات بنات آوى ولا يكترث لعوائهن. هو يعيش وفق قانون الصحراء (العمل، القافلة، السوط، والذبح من أجل الطعام)، بينما تعيش بنات آوى في عالم من الأساطير والانتظار التاريخي.

ب. الوعي باللعبة: القائد العربي يعرف بنات آوى تمام المعرفة، يسميهن “كلابنا”، ويعرف أن مقتهن للعرب هو “تسلية” يومية تتكرر مع كل مسافر أوروبي يمر بالمنطقة.

3. السقوط أمام “الجيفة”: انتصار الغريزة على الشعارات

في مشهد الارتماء على الجيفة وهنا الذروة التفكيكية في القصة، حيث تنهار كل البلاغة والادعاءات بمجرد إلقاء جيفة البعير.

أ. زيف الخطاب الأخلاقي: بنات آوى اللواتي كن يمسحن أخطامهن اشمئزازاً من “قذارة العرب” ويدعين الرغبة في “أفق مطهر”، نسين العرب ونسين المقص بمجرد ظهور اللحم الفاسد.

ب. الطبع يغلب التطبع: يرمز هذا السقوط إلى أن الفئات المستلبة أو الشعوب التي اعتادت العيش على الهوامش (أكل الجيف) لا تملك مشروعاً حقيقياً للتحرر، بل إن شعاراتها الأخلاقية تسقط عند أول إشباع لغرائزها الأساسية أو عند تقديم “الفُتات” لها.

ت. التحول إلى “جبل فوق الجيفة”: في لمح البصر، تحول الوعي والخطاب الدبلوماسي مع الأوروبي إلى صراع حيواني هستيري، مما أثبت وجهة نظر العربي الذي يراهن دائماً على أن غريزتهن ستقودهن للعودة تحت السوط في النهاية.

4. البُعد السياسي والنفسي (الاستشراق والذات اليهودية)

لا يمكن فصل القصة عن سياق كافكا التاريخي (عام 1917، عام وعد بلفور واحتدام المسألة اليهودية في أوروبا):

أ. النقد الذاتي لكافكا: يرى العديد من النقاد أن كافكا كان يرمز ببنات آوى إلى وضع “اليهود في الشتات” في ذلك الوقت؛ يعيشون بين شعوب يكرهونها (العرب كرمز للآخر المهيمن)، ويمتلكون بلاغة فكرية وتاريخاً من المعاناة، لكنهم عاجزون عن الفعل وينتظرون خلاصاً من القوى الأوروبية (الرجل الشمالي)، وفي النهاية محكومون بغرائز البقاء الصرفة.

ب. سخرية من الدور الأوروبي: الراوي (الأوروبي) يقف موقف المتفرج؛ ينجذب عاطفياً لشكوى بنات آوى في البداية، لكنه في النهاية يمنع العربي من ضربهن، ليس إنقاذاً لهن، بل رغبة في تركهن “عاكفات على عملهن” (أكل الجيفة)، وهو ما يعكس التواطؤ أو النظرة الاستعلائية التي ترى في هذه الصراعات مجرد “مخلوقات عجيبة” تثير الفضول.

  1. الرأي النقدي:

قصة كافكا هي إدانة للفكر الذي يعيش على المظلومية والشعارات الطنانة بينما سلوكه الفعلي تحكمه الغرائز الدنيا والمصالح الضيقة. لقد نجح كافكا في جعل “جيفة البعير” مرآة حقيقية كشفت زيف “بنات آوى” وجعلت صلف العربي، على قسوته، يبدو أكثر واقعية وانسجاماً مع الطبيعة

القصة: بنات آوى والعرب

قصة فرانز كافكا

كنا نضرب خيامنا في الواحة. وغطّ رفاقي بنوم عميق. مر من جانبي عربي طويل القامة مرتدياً اللون الأبيض ويرعى جماله، كان بطريقه إلى مكان نومه.

رميت بنفسي على ظهري في العشب محاولاً النوم. لم أستطع لأن عواء بنات آوى على مسافة قريبة، فجلست منتصباً مرة أخرى. وما كان يبدو بعيدًا جدًا أصبح قريبًا فجأة. مجموعة محتشدة من بنات آوى حولي، تلمع عيونهم باللون الذهبي الباهت، أجسادهم النحيلة تتقافز بطريقة سريعة ومنسقة، كما لو كانت تستجيب للسعات سوط.

جاء أحدهم من الخلف، ودفع نفسه تحت ذراعي، كما لو كان بحاجة إلى الدفء، ثم وقف أمامي وتحدث معي وجهاً لوجه، وقال:

“أنا أقدم ابن آوى في كل هذه المنطقة. وأنا سعيد لأنني ما زلت قادراً على الترحيب بك هنا. لقد كدت أفقد الأمل بالفعل، لأننا كنا في انتظارك لفترة طويلة جداً. انتظرتك والدتي  وكذلك فعلت والدتها من قبلها وجدة جدتي وجميع جداتي الأوائل إلى أن تصل أول جدة لجميع بنات آوى. صدقني!”

قلت: “هذا يفاجئني”، وانتبهت إلى أنني نسيت أن أشعل كومة الخشب التي كانت مجهزة لإشعالها لأن دخانها سوف يبعد بنات آوى، وأردفتُ: “أنا مندهش جدًا لسماع ذلك. لقد أتيت من أقصى الشمال بالصدفة وأنا في منتصف رحلة قصيرة. ماذا تريدون بعد ذلك؟”

شجعتهم هذه المحادثة، التي ربما كانت ودية للغاية، فقد تحلّقوا على شكل دائرة حولي، وكلهم يلهثون ويزمجرون.

بدأ أكبرهم: “نعلم أنك أتيت من الشمال. يكمن أملنا في تلك النقطة بالذات. في الشمال طريقة لفهم الأشياء التي لا يستطيع المرء أن يجدها هنا بين العرب. فكما تعلم، بسبب كبريائهم المقيتة لا يمكننا نحن أن نعيش على فطرتنا السليمة. لأنهم يذبحون الحيوانات لأكلها، ويتجاهلون الجثث المتعفنة”.

قلت: “لا تتحدث بصوت عالٍ”. “فيوجد عرب ينامون بالقرب منك.”

قال ابن آوى: “غريب أنت حقًا. يبدو أنك لاتعرف أنه على مدار التاريخ لم يخاف ابن آوى من أي عربي، فلماذا يجب أن نخاف منهم الآن؟ أليس من سوء الحظ أن ننهزم أمام هؤلاء القوم؟”

قلت “ربما، أنا لست قادراً على الحكم على الأشياء التي كانت بعيدة جدًا عني. ويبدو أنه صراع قديم جدًا، ربما حدث به سفك دماء وربما لن ينتهي إلّا بسفك الدماء فقط”.

قال ابن آوى العجوز: “أنت ذكي جدًا”، وكانوا جميع بنات آوى يلهثون، وتتنفس رئاتهم بسرعة، رغم أنهم كانوا واقفين دون حركة قوية. وانبعثت رائحة كريهة من بين أشداقهن الفاغرة، وكنت أتحملها فقط عن طريق الضغط على أسناني. “أنت ذكي جداً. ما قلته يتوافق مع مذهبنا القديم. فسوف نأخذ دمائهم وينتهي الشجار”.

قلت: “أوه”، لكن بشكل أكثر حدة مما كنت أنوي، وأكملت: “سوف يدافعون عن أنفسهم. سوف يطلقون النار عليكم بأعداد كبيرة من أسلحتهم”.

قال: “إنك لا تفهمنا، وهي سمة من سمات البشر التي لن تزول، ولا حتى في أعالي الشمال. لن نقتلهم. لن يكون في نهر النيل ما يكفي من الماء كي نغتسل من دمهم. إن مجرد منظر أجسادهم يجعلنا نهرب على الفور إلى هواء أنظف، إلى الصحراء، التي لهذا السبب بالذات هي منزلنا”.

تجمهرت جميع بنات آوى من حولنا – وفي هذه الأثناء ظهر الكثير منهم من مسافة بعيدة – أنزلوا رؤوسهم بين أرجلهم الأمامية وراحوا ينظفونها بأقدامهم. كان الأمر كما لو كانوا يريدون إخفاء شعور مثير للقرف، لدرجة أنني كنت سأفضل كثيراً أن أقفز قفزة كبيرة وأهرب خارج دائرتهم.

سألته: “إذن، ماذا تنوي أن تفعل؟”. أردت أن أقف، لكنني لم أستطع. كان حيوانان صغيران يمسكانني بقوة من الخلف وفكهما يقضمان سترتي وقميصي. كان علي أن أبقى جالسا. قال ابن آوى العجوز بجدية، على سبيل التوضيح: “إنهم يمسكون بملابسك كعلامة احترام”. فصرخت: “يجب أن يتركوني أذهب”، وأنا أتحرك يمنةً ويسرةً، بين العجوز وصغار بنات أوى. ثم قال عجوزهم: “بالطبع سيفعلون، إذا كان هذا ما تريده. لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت، كما هي عادتنا، فقد حفروا أسنانهم بعمق ويجب أولاً أن يتركوا فكيهم ينفتحون تدريجياً. في غضون ذلك، استمع إلى طلبنا”. قلت: “إن سلوككم يجعلني لا أتقبل طلبكم”. قال: “لا تجعلنا ندفع ثمن سخافاتنا”. هنا ولأول مرة استخدم العجوز نبرة حزينة أضافها لصوته الطبيعي لمساعدته. “نحن حيوانات فقيرة، كل ما لدينا هو أسناننا. لكل شيء نريد القيام به – سواء أكان جيداً أم سيئاً – الشيء الوحيد المتاح لنا هو أسناننا”. “إذا ما الذي تريده؟” سألته بنبرة مطمئنة قليلاً.

صرخ: “سيدي”، وصرخ معه كل أبناء آوى. أما بالنسبة لي، بدا الأمر مثل اللحن أو النغم القادم من البعيد. “سيدي، يجب أن تنهي الخلاف الذي يقسم العالم إلى قسمين. وصف أسلافنا لنا رجلاً مثلك بأنه هو من سيفعل ذلك. يجب أن نتحرر من العرب، فنريد رؤية الأفق من حولنا خالٍ من العرب، ولا نريد أن نسمع صرخات ألم من شاة طعنها عربي، بل يجب أن يموت كل حيوان بسلام ويترك بلا إزعاج لنا، لتصريفه وإفراغه وتنظيفه وصولاً إلى العظام. النظافة – هذا ما نريده – لا شيء سوى النظافة “. الآن أصبحوا جميعهم يبكون وينتحبون. “كيف يمكنك أن تحتملهم أيها النبيل الطيب القلب؟ يعيشون مع القذارة والأوساخ ؛ ولحاهم مروعة. وحالما ننظر في عيونهم يتملكنا شعور بأننا نريد البصاق. وإذا رفعوا أذرعهم تخرج رائحة كريهة من تحت  إبطهم. وهذا هو السبب، يا سيدي العزيز، بمساعدة يديك القوية، يجب عليك استخدام هذه المقصات لشق حناجرهم مباشرة”. وراح يهز رأسه، فجاء ابن آوى آخر يحمل بين أسنانه مقصاً صغيراً للخياطة يتآكله الصدأ.

قلت لنفسي: وأخيراً المقص. لكني سمعت: “حان وقت التوقف!” أطلقها زعيم قافلتنا العربي الذي ظهر علينا من الجهة التي تأتي منها الريح. يحمل بيده سوطاً طويلاً، ويضربه في الهواء.

هربت جميع بنات آوى بسرعة، لكنها ظلت على مسافة بعيدة متجمعة معاً. بدت كأنها مجموعة من الحيوانات المحشورة في حظيرة ضيقة.

قال العربي وهو يضحك بمرح بقدر ما سمح به وقار بني قومه: “إذن، أنت أيضاً يا سيدي، شاهدت وسمعت هذا المشهد”. فسألته: “فهل أنت تعرف ما تريده الحيوانات؟”. قال: “بالطبع يا سيدي”. “هذه معرفة عامة، طالما أننا عرب، فإن المقصات سوف تتجول معنا عبر الصحاري حتى نهاية العمر. يقتربون من كل أوروبي من أجل هذا الهدف؛ يعتقدون أن كل أوروبي هو الشخص المؤهل للقيام بذلك، فهذه الحيوانات لديها أمل سخيف. إنهم أغبياء، أغبياء حقيقيون. لهذا السبب نحن مغرمون بهم. ولهذا السبب هم كلابنا، فهم أجود من تلك التي لديك. الآن، شاهد هذا  الجمل الذي مات الليلة الفائتة. لقد أحضرته إلى هنا”.

جاء أربعة أشخاص حاملين الجثة الثقيلة وألقوها أمامنا مباشرة. لم تكد الجيفة أن تمس الأرض حتى رفعت بنات آوى أصواتهم. زحف كل واحد منهم إلى الأمام، وجسده يمشط الأرض ، كما لو كان مشدوداً بحبل سميك. لقد نسوا العرب ونسوا كراهيتهم. قضى وجود جثة كريهة الرائحة بقوة على كل شيء، وكان له مفعول السحر عليهم. غرز أحدهم أنيابه في حلق البعير بعد أن وجد الشريان من خلال عضته الأولى. ومثلما تعمل مضخة صغيرة تسعى إلى إخماد نيران قاهرة بكل همة وتصميم، راحت كل عضلة من بني آوى تسحب وتنتفض في مكانها. وعلى الفور كانوا جميعاً مستلقين هناك فوق الجثة يعملون بالنشاط نفسه، متراكمين مثل الجبل.

ثم ضرب القائد سوطه الحاد بقوة فوقهم في كل مكان. رفعوا رؤوسهم، نصف مخدرين في شدة النشوة، نظروا إلى وقوف العربي أمامهم ، بدأوا يشعرون بالسوط يضرب أخطامهم فقفزوا بعيدًا، وتراجعوا إلى الوراء، لكن دم البعير كان على شكل بركة من الدم، رائحة نتانة الجيفة ارتفعت إلى السماء ، وكان الجسد ممزقًا في عدة أماكن. لم يستطيعوا المقاومة فعادوا مرة أخرى. رفع القائد سوطه مرة ثانية يريد أن يضرب به، فأمسكت بذراعه. قال: “سيدي، أنت على حق، سوف ندعهم وشأنهم. بالإضافة إلى أنه حان وقت الخروج من المكان. ها أنت قد رأيتهم. إنهم مخلوقات عجيبة، أليس كذلك؟ فلماذا يكرهوننا؟”

عن الکاتب / الکاتبة

اسماعيل آلرجب
اسماعيل آلرجب
قاص وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

صبحة

صبحة

صبحة ينقشع ضباب الفجر في اول اطلالة ضوء على وجه “صبحة”، وجهٌ حفر فيه ازميل…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
25 مايو 2026
اقرأ المزيد
احتفال في كيس الطّحين

احتفال في كيس الطّحين

احتفال في كيس الطّحين   لاتنسي صديقكِ وانتِ تقظمين البسكوت ، هشّا ، مقرمشا، ،…

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
17 مايو 2026
اقرأ المزيد
قراءة مختصرة لرواية حين تركنا الجسر لعبدالرحمن منیف

قراءة مختصرة لرواية حين تركنا الجسر لعبدالرحمن منیف

قراءة مختصرة لرواية حين تركنا الجسر للكاتب الكبير عبد الرحمن منيف – رحمه الله  …

صورة الكاتب اسماعيل آلرجب
13 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب) للكاتب التشيكي فرانز كافكا

بقلم: اسماعيل آلرجب | التاريخ: 1 يونيو 2026

التصنيف: الأدب

قراءة نقدية في قصة(بنات آوى والعرب)

للكاتب التشيكي فرانز كافكا

 

سنحاول تلخيص القراءة على شكل نقاط وكما يأتي:-

  1. تفكيك رمزية انسنة بنات آوى والغاية منها:

بنات آوى هنا لسن مجرد حيوانات، بل يمثلن فئة إنسانية (أنسنة واضحة). يتمتعن بوعي زائف بالتميز، ويتحدثن بلغة بليغة مليئة بالكآبة والشكوى من “الواقع القذر”.

أ. يطالبن بـ”حياة نظيفة” ويزدرين العرب لأنهم يذبحون ليأكلوا، ويرين في أنفسهن رمزاً للنقاء لمجرد أنهن يأكلن الجيف (ما نفق طبيعياً). هذا يرمز إلى الوعي المشوه الذي يرى الرذيلة فضيلة.

ب. اعتمادهنّ  على “المخلِّص” الخارجي لأنّهن  عاجزات عن الفعل؛ يمتلكن الأنياب لكنهن لا يستخدمنها للتغيير، بل ينتظرن “المستشرق” أو “الرجل الشمالي الأبيض” ليقوم بالعمل القذر نيابة عنهن مستخدماً “المقص الصدئ”. المقص هنا رمز لأداة الخلاص البالية أو الحلول الاستعمارية الجاهزة.

2. في توصيف”العرب”:

يظهر العرب في القصة ككتلة واحدة، ملامحهم قاسية، “صلفهم بارد”، ويمثلون سلطة الأمر الواقع والسيادة على الأرض.

أ. العربي لا يلتفت لخطابات بنات آوى ولا يكترث لعوائهن. هو يعيش وفق قانون الصحراء (العمل، القافلة، السوط، والذبح من أجل الطعام)، بينما تعيش بنات آوى في عالم من الأساطير والانتظار التاريخي.

ب. الوعي باللعبة: القائد العربي يعرف بنات آوى تمام المعرفة، يسميهن “كلابنا”، ويعرف أن مقتهن للعرب هو “تسلية” يومية تتكرر مع كل مسافر أوروبي يمر بالمنطقة.

3. السقوط أمام “الجيفة”: انتصار الغريزة على الشعارات

في مشهد الارتماء على الجيفة وهنا الذروة التفكيكية في القصة، حيث تنهار كل البلاغة والادعاءات بمجرد إلقاء جيفة البعير.

أ. زيف الخطاب الأخلاقي: بنات آوى اللواتي كن يمسحن أخطامهن اشمئزازاً من “قذارة العرب” ويدعين الرغبة في “أفق مطهر”، نسين العرب ونسين المقص بمجرد ظهور اللحم الفاسد.

ب. الطبع يغلب التطبع: يرمز هذا السقوط إلى أن الفئات المستلبة أو الشعوب التي اعتادت العيش على الهوامش (أكل الجيف) لا تملك مشروعاً حقيقياً للتحرر، بل إن شعاراتها الأخلاقية تسقط عند أول إشباع لغرائزها الأساسية أو عند تقديم “الفُتات” لها.

ت. التحول إلى “جبل فوق الجيفة”: في لمح البصر، تحول الوعي والخطاب الدبلوماسي مع الأوروبي إلى صراع حيواني هستيري، مما أثبت وجهة نظر العربي الذي يراهن دائماً على أن غريزتهن ستقودهن للعودة تحت السوط في النهاية.

4. البُعد السياسي والنفسي (الاستشراق والذات اليهودية)

لا يمكن فصل القصة عن سياق كافكا التاريخي (عام 1917، عام وعد بلفور واحتدام المسألة اليهودية في أوروبا):

أ. النقد الذاتي لكافكا: يرى العديد من النقاد أن كافكا كان يرمز ببنات آوى إلى وضع “اليهود في الشتات” في ذلك الوقت؛ يعيشون بين شعوب يكرهونها (العرب كرمز للآخر المهيمن)، ويمتلكون بلاغة فكرية وتاريخاً من المعاناة، لكنهم عاجزون عن الفعل وينتظرون خلاصاً من القوى الأوروبية (الرجل الشمالي)، وفي النهاية محكومون بغرائز البقاء الصرفة.

ب. سخرية من الدور الأوروبي: الراوي (الأوروبي) يقف موقف المتفرج؛ ينجذب عاطفياً لشكوى بنات آوى في البداية، لكنه في النهاية يمنع العربي من ضربهن، ليس إنقاذاً لهن، بل رغبة في تركهن “عاكفات على عملهن” (أكل الجيفة)، وهو ما يعكس التواطؤ أو النظرة الاستعلائية التي ترى في هذه الصراعات مجرد “مخلوقات عجيبة” تثير الفضول.

  1. الرأي النقدي:

قصة كافكا هي إدانة للفكر الذي يعيش على المظلومية والشعارات الطنانة بينما سلوكه الفعلي تحكمه الغرائز الدنيا والمصالح الضيقة. لقد نجح كافكا في جعل “جيفة البعير” مرآة حقيقية كشفت زيف “بنات آوى” وجعلت صلف العربي، على قسوته، يبدو أكثر واقعية وانسجاماً مع الطبيعة

القصة: بنات آوى والعرب

قصة فرانز كافكا

كنا نضرب خيامنا في الواحة. وغطّ رفاقي بنوم عميق. مر من جانبي عربي طويل القامة مرتدياً اللون الأبيض ويرعى جماله، كان بطريقه إلى مكان نومه.

رميت بنفسي على ظهري في العشب محاولاً النوم. لم أستطع لأن عواء بنات آوى على مسافة قريبة، فجلست منتصباً مرة أخرى. وما كان يبدو بعيدًا جدًا أصبح قريبًا فجأة. مجموعة محتشدة من بنات آوى حولي، تلمع عيونهم باللون الذهبي الباهت، أجسادهم النحيلة تتقافز بطريقة سريعة ومنسقة، كما لو كانت تستجيب للسعات سوط.

جاء أحدهم من الخلف، ودفع نفسه تحت ذراعي، كما لو كان بحاجة إلى الدفء، ثم وقف أمامي وتحدث معي وجهاً لوجه، وقال:

“أنا أقدم ابن آوى في كل هذه المنطقة. وأنا سعيد لأنني ما زلت قادراً على الترحيب بك هنا. لقد كدت أفقد الأمل بالفعل، لأننا كنا في انتظارك لفترة طويلة جداً. انتظرتك والدتي  وكذلك فعلت والدتها من قبلها وجدة جدتي وجميع جداتي الأوائل إلى أن تصل أول جدة لجميع بنات آوى. صدقني!”

قلت: “هذا يفاجئني”، وانتبهت إلى أنني نسيت أن أشعل كومة الخشب التي كانت مجهزة لإشعالها لأن دخانها سوف يبعد بنات آوى، وأردفتُ: “أنا مندهش جدًا لسماع ذلك. لقد أتيت من أقصى الشمال بالصدفة وأنا في منتصف رحلة قصيرة. ماذا تريدون بعد ذلك؟”

شجعتهم هذه المحادثة، التي ربما كانت ودية للغاية، فقد تحلّقوا على شكل دائرة حولي، وكلهم يلهثون ويزمجرون.

بدأ أكبرهم: “نعلم أنك أتيت من الشمال. يكمن أملنا في تلك النقطة بالذات. في الشمال طريقة لفهم الأشياء التي لا يستطيع المرء أن يجدها هنا بين العرب. فكما تعلم، بسبب كبريائهم المقيتة لا يمكننا نحن أن نعيش على فطرتنا السليمة. لأنهم يذبحون الحيوانات لأكلها، ويتجاهلون الجثث المتعفنة”.

قلت: “لا تتحدث بصوت عالٍ”. “فيوجد عرب ينامون بالقرب منك.”

قال ابن آوى: “غريب أنت حقًا. يبدو أنك لاتعرف أنه على مدار التاريخ لم يخاف ابن آوى من أي عربي، فلماذا يجب أن نخاف منهم الآن؟ أليس من سوء الحظ أن ننهزم أمام هؤلاء القوم؟”

قلت “ربما، أنا لست قادراً على الحكم على الأشياء التي كانت بعيدة جدًا عني. ويبدو أنه صراع قديم جدًا، ربما حدث به سفك دماء وربما لن ينتهي إلّا بسفك الدماء فقط”.

قال ابن آوى العجوز: “أنت ذكي جدًا”، وكانوا جميع بنات آوى يلهثون، وتتنفس رئاتهم بسرعة، رغم أنهم كانوا واقفين دون حركة قوية. وانبعثت رائحة كريهة من بين أشداقهن الفاغرة، وكنت أتحملها فقط عن طريق الضغط على أسناني. “أنت ذكي جداً. ما قلته يتوافق مع مذهبنا القديم. فسوف نأخذ دمائهم وينتهي الشجار”.

قلت: “أوه”، لكن بشكل أكثر حدة مما كنت أنوي، وأكملت: “سوف يدافعون عن أنفسهم. سوف يطلقون النار عليكم بأعداد كبيرة من أسلحتهم”.

قال: “إنك لا تفهمنا، وهي سمة من سمات البشر التي لن تزول، ولا حتى في أعالي الشمال. لن نقتلهم. لن يكون في نهر النيل ما يكفي من الماء كي نغتسل من دمهم. إن مجرد منظر أجسادهم يجعلنا نهرب على الفور إلى هواء أنظف، إلى الصحراء، التي لهذا السبب بالذات هي منزلنا”.

تجمهرت جميع بنات آوى من حولنا – وفي هذه الأثناء ظهر الكثير منهم من مسافة بعيدة – أنزلوا رؤوسهم بين أرجلهم الأمامية وراحوا ينظفونها بأقدامهم. كان الأمر كما لو كانوا يريدون إخفاء شعور مثير للقرف، لدرجة أنني كنت سأفضل كثيراً أن أقفز قفزة كبيرة وأهرب خارج دائرتهم.

سألته: “إذن، ماذا تنوي أن تفعل؟”. أردت أن أقف، لكنني لم أستطع. كان حيوانان صغيران يمسكانني بقوة من الخلف وفكهما يقضمان سترتي وقميصي. كان علي أن أبقى جالسا. قال ابن آوى العجوز بجدية، على سبيل التوضيح: “إنهم يمسكون بملابسك كعلامة احترام”. فصرخت: “يجب أن يتركوني أذهب”، وأنا أتحرك يمنةً ويسرةً، بين العجوز وصغار بنات أوى. ثم قال عجوزهم: “بالطبع سيفعلون، إذا كان هذا ما تريده. لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت، كما هي عادتنا، فقد حفروا أسنانهم بعمق ويجب أولاً أن يتركوا فكيهم ينفتحون تدريجياً. في غضون ذلك، استمع إلى طلبنا”. قلت: “إن سلوككم يجعلني لا أتقبل طلبكم”. قال: “لا تجعلنا ندفع ثمن سخافاتنا”. هنا ولأول مرة استخدم العجوز نبرة حزينة أضافها لصوته الطبيعي لمساعدته. “نحن حيوانات فقيرة، كل ما لدينا هو أسناننا. لكل شيء نريد القيام به – سواء أكان جيداً أم سيئاً – الشيء الوحيد المتاح لنا هو أسناننا”. “إذا ما الذي تريده؟” سألته بنبرة مطمئنة قليلاً.

صرخ: “سيدي”، وصرخ معه كل أبناء آوى. أما بالنسبة لي، بدا الأمر مثل اللحن أو النغم القادم من البعيد. “سيدي، يجب أن تنهي الخلاف الذي يقسم العالم إلى قسمين. وصف أسلافنا لنا رجلاً مثلك بأنه هو من سيفعل ذلك. يجب أن نتحرر من العرب، فنريد رؤية الأفق من حولنا خالٍ من العرب، ولا نريد أن نسمع صرخات ألم من شاة طعنها عربي، بل يجب أن يموت كل حيوان بسلام ويترك بلا إزعاج لنا، لتصريفه وإفراغه وتنظيفه وصولاً إلى العظام. النظافة – هذا ما نريده – لا شيء سوى النظافة “. الآن أصبحوا جميعهم يبكون وينتحبون. “كيف يمكنك أن تحتملهم أيها النبيل الطيب القلب؟ يعيشون مع القذارة والأوساخ ؛ ولحاهم مروعة. وحالما ننظر في عيونهم يتملكنا شعور بأننا نريد البصاق. وإذا رفعوا أذرعهم تخرج رائحة كريهة من تحت  إبطهم. وهذا هو السبب، يا سيدي العزيز، بمساعدة يديك القوية، يجب عليك استخدام هذه المقصات لشق حناجرهم مباشرة”. وراح يهز رأسه، فجاء ابن آوى آخر يحمل بين أسنانه مقصاً صغيراً للخياطة يتآكله الصدأ.

قلت لنفسي: وأخيراً المقص. لكني سمعت: “حان وقت التوقف!” أطلقها زعيم قافلتنا العربي الذي ظهر علينا من الجهة التي تأتي منها الريح. يحمل بيده سوطاً طويلاً، ويضربه في الهواء.

هربت جميع بنات آوى بسرعة، لكنها ظلت على مسافة بعيدة متجمعة معاً. بدت كأنها مجموعة من الحيوانات المحشورة في حظيرة ضيقة.

قال العربي وهو يضحك بمرح بقدر ما سمح به وقار بني قومه: “إذن، أنت أيضاً يا سيدي، شاهدت وسمعت هذا المشهد”. فسألته: “فهل أنت تعرف ما تريده الحيوانات؟”. قال: “بالطبع يا سيدي”. “هذه معرفة عامة، طالما أننا عرب، فإن المقصات سوف تتجول معنا عبر الصحاري حتى نهاية العمر. يقتربون من كل أوروبي من أجل هذا الهدف؛ يعتقدون أن كل أوروبي هو الشخص المؤهل للقيام بذلك، فهذه الحيوانات لديها أمل سخيف. إنهم أغبياء، أغبياء حقيقيون. لهذا السبب نحن مغرمون بهم. ولهذا السبب هم كلابنا، فهم أجود من تلك التي لديك. الآن، شاهد هذا  الجمل الذي مات الليلة الفائتة. لقد أحضرته إلى هنا”.

جاء أربعة أشخاص حاملين الجثة الثقيلة وألقوها أمامنا مباشرة. لم تكد الجيفة أن تمس الأرض حتى رفعت بنات آوى أصواتهم. زحف كل واحد منهم إلى الأمام، وجسده يمشط الأرض ، كما لو كان مشدوداً بحبل سميك. لقد نسوا العرب ونسوا كراهيتهم. قضى وجود جثة كريهة الرائحة بقوة على كل شيء، وكان له مفعول السحر عليهم. غرز أحدهم أنيابه في حلق البعير بعد أن وجد الشريان من خلال عضته الأولى. ومثلما تعمل مضخة صغيرة تسعى إلى إخماد نيران قاهرة بكل همة وتصميم، راحت كل عضلة من بني آوى تسحب وتنتفض في مكانها. وعلى الفور كانوا جميعاً مستلقين هناك فوق الجثة يعملون بالنشاط نفسه، متراكمين مثل الجبل.

ثم ضرب القائد سوطه الحاد بقوة فوقهم في كل مكان. رفعوا رؤوسهم، نصف مخدرين في شدة النشوة، نظروا إلى وقوف العربي أمامهم ، بدأوا يشعرون بالسوط يضرب أخطامهم فقفزوا بعيدًا، وتراجعوا إلى الوراء، لكن دم البعير كان على شكل بركة من الدم، رائحة نتانة الجيفة ارتفعت إلى السماء ، وكان الجسد ممزقًا في عدة أماكن. لم يستطيعوا المقاومة فعادوا مرة أخرى. رفع القائد سوطه مرة ثانية يريد أن يضرب به، فأمسكت بذراعه. قال: “سيدي، أنت على حق، سوف ندعهم وشأنهم. بالإضافة إلى أنه حان وقت الخروج من المكان. ها أنت قد رأيتهم. إنهم مخلوقات عجيبة، أليس كذلك؟ فلماذا يكرهوننا؟”