الفصلية
(عندما تصبح الروح ثمناً لدم لم تسفكه)
لم يكن لي ذنب بما حدث، حتى وجدت نفسي فجأة ضحية لثأر غارق في القدم، وقربانا لعادات ما أنزل الله بها من سلطان. لم أكن أتخيل يوما أنني سأهوي إلى هذا القاع البائس، حيث تلاشت ملامح آدميتي عند أول خطوة خطوتها خارج عتبة داري.
حين أزفت ساعة الرحيل، كان صمت والدي أثقل من الجبال، وانكسار أخي أشد مرارة من العلقم. قادوني إلى مصيري لا كابنة تزف بكرامة، بل كرهينة تسلم لخصومها. في تلك اللحظة، شعرت أن التاريخ عاد بي القهقرى إلى الجاهلية الأولى؛ إلى زمن ينكس فيه رأس المرأة كسلعة للمقايضة، بل وجدتني أقول في سري: حتى الجواري في قديم الزمان كان حالهن أفضل مني. فربما كانت الجارية تلقى شذرة من حنية من سيدها، أما أنا، فقد سلبت روحي قبل جسدي.
دخلت تلك الدار الغريبة، لا بصفتي زوجة أو كنة، بل بصفتي فصلية. كنت أمشي والعيون تنهش كرامتي، ونظراتهم الحاقدة تذكرني في كل لحظة بأنني لست بشرا، بل وثيقة صلح. حية. كان زوجي يرى في وجهي دماء قتيله، وأهله يرون في خادمة سلبت إرادتها بقوة العرف. بت غريبة تحت سقف يلفظني، وأسيرة لقلوب لا تعرف للغفران سبيلا.
كل همي كان يتلخص في سؤال واحد يمزق صدري: كيف أتخطى ما أنا فيه؟ لكن الأيام كانت تمر كأنها دهر من الرصاص، لا تحمل إلا مزيدا من الذل والوحدة. أدركت أخيرا أنني لن أتخطى هذا التيه، لأن الذي انكسر في داخلي لم يكن غصنا يرجو الربيع، بل كان كبرياء إنسانة ذبحت بصمت إرضاء للقبيلة.
لم أعد أقاوم، ولم أعد أنتظر فجرا يحررني. استسلمت لخيبة بدأت تنهش جسدي حتى أذب لته وفي تلك الغرفة الباردة المظلمة، لفظت أنفاسي الأخيرة وحيدة، رحلت بصمت كما عشت بصمت. لم يكتبوا على قبري اسمي الذي أحببته يوما، بل تركوه بلا عنوان.. لتنتهي حكايتي كقصة عابرة في ديوان المظالم، ضحية أخرى دفنت حية في مقبرة التقاليد التي لا ترحم.
داود سلمان عجاج
عدنان لفتة السماوي
التعليقات