لم تكن علاقتي وطيدة بمدينة البطحاء، بحكم بُعد المسافة بيني وبينها؛ إلى أن شاء القدر أتعرفُ في مرحلة الدراسة الجامعية الأولية، والعليا على رجل يقظ، هو الشاب سعد شليويح، إذ وجدته مهتما بالأدب، والوعي، وأخذ يشرح لي بين الفينة والفينة عن العطاء الإنساني في مدينته الطيبة، وبعد ذاك جمعتني الثقافة، والانتماء إلى اتحاد الأدباء بمحمد الكاظم، وهو قاص واع، وبيوسف هداي ميس، وهو روائي أحبه، ووجدتهما بطحاوييَن غير متعالييَن، وتعزز في داخلي ذلك الوهج من بقايا حضارة لارسا القديمة، وبدأت من خلالهما علاقتي تتوطد بالرجل التربوي المهذب حسن صاحب الركابي، وأدام حضوره على الأجواء الثقافية، التي تعقد في الناصرية، حتى أضاء المشهد بكتابه الموسوم (مشافهة الندوب والصور)، الصادر عن دار الورشة في بغداد، سنة 2026م، بتقديم الشاعر شاكر الغزي.
كتاب مشافهة الندوب والصور لحسن الركابي، وثيقة أنثروبولوجية، ولوحة أصفها بأنها عتيقة، دوَّنت جزءا من الحياة البدائية للإنسان في مدينة عريقة، هي مدينة لارسا، ومن بعد تحدثت عن تحولات هذا الإنسان في ظل علاقته بالسلطة الحاكمة، والمجتمع، والدين، وصلة الإنسان بالإنسان، وصوَّرت طقوسه، وتعليمه، وذاكرته، ويومياته، وغير ذلك.
تحدث حسن صاحب بلغة فردية، وتجربة ذاتية، ألتمسُ منها الروح الجماعية، والآخر الذي صادفه في مدينة البطحاء، بمعنى أنه تحدث عن الإنسان عامة، من جهة دينه، وذاته، وتعليمه، ومجتمعه، وعلاقاته التي تتكرر عند الجميع، لذا جاءت مقدمته مزدانة بضمير الجماعة، ((هي استعادة صور من الحياة اليومية البسيطة التي عشناها)) (ص 13)، فلم يقتنع بأن كتابه سرد ذاتي، أو سيرة ذاتية، وإنما هي مسيرة الإنسان العراقي على شكل سرد واقعي، يقدَّم بلغة سلسة جدا، ولعل الهدف الأسمى عند الكاتب ليس اللغة التزيينية، وإنما الهدف صناعة التأثير في المتلقي، وتسويق الهُوية التي يتبناها في هذا الكتاب، ولاسيما الهُوية الاجتماعية، التي تتمثل بالتناسق الاجتماعي، وعدم هدر النسيج فيه، فضلا عن هُوية المكان، وانتماء الكاتب إلى حضارة لها جذور ضاربة في القدم، إذ تأسست مدينة البطحاء على حفريات تاريخية، تنسبها إلى ما يقال لها لارسا، بوصفها حضارة سومرية، صار الإنسان فيها ضحية السلطة، والحروب، فجاءت أغلب قصصه في هذا الإطار، فعرض حديثا عن استشهاد الدكتور عقيل محمد، أحد رجال المدينة، وكذلك حديثا عن تسويقه في اليوم الأول للجيش العراقي سنة 1984م، وكذلك تحدث لنا عن الساتر في الخدمة العسكرية، وغير ذلك.
الذي أتبناه في هذه المقالة، سؤال مهم للغاية: كيف صوَّر لنا الكاتبُ الإنسانَ في كتابه، أيحق لي أن أزِن صورة الإنسان، هل جاء مكرَّما، مهدورا، مرفها، مقيدا، متحديا، منتصرا، مهزوما، محظوطا، قد نال حظه من بلده؟
سأقسَّم تصوراتي عن الإنسان ثلاثة أقسام، الأول الإنسان والذاكرة، والثاني الإنسان والمكان، ثم الثالث الإنسان والتجربة.
في محور الإنسان والذاكرة، جعل حسن صاحب ذاكرته شريط فديو، أو شريط كاميرا، أعاد عن طريقه عددا من الملامح الماضية، وعرض حديثا عن الندوب التي يشترك فيها مع أقرانه، فسجل نصا عن علاقته بالكتاب، وعلاقته بدرس الإنشاء، ووجوده في المدرسة، ولاسيما في الأول متوسط، أي إنه استمد مادة سردية، واجتماعية من مخزونه الفني، والاجتماعي، فتذكر قيمة الإنسان، ومعاناته في ظل الحرب الثمانينية القسرية التي عانها الإنسان العراقي من دون جدوى، إذ عرضت مقالته السردية الموسومة (ندوب عتيقة) جوًّا من القهر، والحزن، الذي خيَم عليه ردحا من الزمن، ((رغم أني كنت طالبا في الإعدادية حين بدأت الحرب، ولكنها استمرت إلى أن تخرجت في عام ثمانين من القرن الماضي، كنت قد نجحت من الصف الرابع الإعدادي)) (ص 15).
لم يجن الإنسان في هذه المسافة الحربية سوى عسكرة المجتمع، وحربية الخطاب، وخطاب الحرب، إذ يتأسف على التحولات التي بانت على الأناشيد، من الوعي إلى النمط العسكري، والتحولات في الخطاب الشعري من الوعي إلى التمجيد بالقائد البعثي، بل وصل الأمر في خطابهم الشعري إلى التحريض، والتحفيز على الحرب التي لا أوَّل لها ولا آخر، التي استمدت ديمودتها الموهومة من انتشار الأسلحة في أعناق رجال البعث، ومن انتشار الربايا في أعلى البنايات. وكذلك يتأسف على تحول الخطاب التلفزيوني إلى خطاب بيانات، وادعاءات للنصر، وأبواق للسلطة، وتحولت المناهج الدراسية إلى فضاء حزبي، وحربي أيضا، فلم تَسلم حتى أسئلة الامتحانات من أمثلة الحرب، وسيق الناس إلى الجيش، أو ضويقوا بحجة سحبهم إلى الجيش الشعبي، يختصر تلك الملحمة المؤلمة بقوله: ((المدن تعسكرت، والكراجات مملوءة بالجيش ليلا ونهارا، هذا ملتحق وذاك مُجاز، المجاز سعيد، والملتحق مكتئب، المرآب كالثكنة العسكرية، عطل الدوام لمدة شهرين تقريبا عندما بدأت الحرب…))(ص17).
أفهم من سياقه الأدبي في ندوب عتيقة أن السلطة جعلت الإنسان دون خط البشر.
ويستمر في جولة الذاكرة، وذاكرة المدينة ليعرض تاريخ التعليم الثانوي في مدينة البطحاء، ومعاناة أهلها من عدم وجود المدرسة الثانوية، ((في الجنوب، في عقد الستينات وما قبلها، عانى جيلنا من عدم توفر المدارس في المدن الصغيرة كالنواحي والأقضية، وفي ناحيتنا، كان الطالب بعد أن يُكمل الابتدائية، إما أن يترك الدراسة، وإما أن يتطوع في الجيش، وإما أن يكمل دراسته إذا كانت حالته ميسورة))(ص21).
ويستمر في تدوين الملاحظ التاريخية حول تأسيس الدراسة المتوسطة، بأن كانت في دار خاله الحاج خميس، بعد أن تبرع بها للمديرية العامة للتربية، ثم انتقلت المدرسة المتوسطة إلى كراج البلدية الكبير، إلى أن أُغلقت؛ بسبب نقص أعداد الطلبة، والكادر.
فبادر رجال المدينة الخيرون، ومنهم الأستاذ خيري الجشعمي، بوصفه مديرا لمدرسة ابتدائية، وتعهد أن يدمج المتوسطة معها، ويتكفل المعلمون بتدريس الأول، والثاني المتوسط، مع وجود مفارقة مؤلمة عدم وجود الكوادر من سنة 1969 وصولا إلى سنة دخوله المتوسطة سنة 1976م ((في عام 1976 كنت قد دخلت في الصف الأول المتوسط، وحينها كانت المدرسة تعاني من قلة الكادر التعليمي….)) (ص22).
ثمة سرد للذاكرة في موضوعَي عسكرة الإنسان، وتعليمه، ولكنه سردي ينضوي فيه الآخر، وأجد مظاهر الجمعية قد طغت على تلك الدلالات، حتى تنتابك اللوعة، وتنهض الدلالات النفسية على شخص المتلقي، الذي صار ضحية الجلادين للعراق من لحظة تأسيس الدولة العراقية إلى لحظة مشافهة هذه الندوب التي أراها عذابا للإنسان، وهدرا لذاته، وكرامته، إذ أتى على العراق عام 1970م، ولا توجد مدرسة إعدادية في بقعة تاريخية عظيمة، إذ علمت لارسا الدنيا الحرف، والكتابة، والإبداع.
وقد أفرد الكاتب مساحة غير قليلة من كتابه لعلاقة الإنسان بالمكان، في مقالاته التي حملت عنوانات: المقهى، ومكتبات المدينة، والناصرية في عين الفتى، وأطول ليلة شتاء على بغداد، والمساجد وسدنتها.
إذ تعكس لنا هذه الأمكنة النزعة الانثروبولوجية، وتركيبة المدينة الاجتماعية، والدينية، والهامشية قياسا بتبعيتها لمركز الناصرية، فضلا عن تأثرها ببغداد كعاصمة، وسيرها على النسق نفسه، واستمرار الظيم، وتقهقر بغداد العاصمة، وتراجع خدماتها، وتعاون العدوان عليها، حتى تحولت بغداد إلى خربة، وضاع وجه ساكنيها، وبقوا يعانون المرارة، وآفات الحروب، ((تذكرت مثل هذه الليلة كيف اختبأ أهل بغداد في الملاجئ، وكيف ارتعب الأطفال من هز الشبابيك، والزجاج المتطاير منها، ليال مرعبة، وصافرات إنذار لم تسترح، بدأت الأسعار تتصاعد شيئا فشيئا على أثر الحصار المفروض على شعب ليس له ناقة ولا جمل بقرارات حاكم مستبد، عنده الحرب نزهة)) (ص 47).
ومن ترسبات المكان، علاقة المكان المركز بالمكان الهامش، إذ تمثل الناصرية مكانا مركزا في نظر الكاتب الذي ينتمي إلى المكان الهامش من جهة التنظيمات الإدارية، وتبعية البطحاء إلى قضاء الناصرية، فصوَّر لنا بساتينها، ووجود منافذ الطاقة فيها، فضلا عن عمرانها، وشاخصية تمثال الحبوبي، وتنظيم شارع الحبوبي، ووجود الشوارع المعبدة منذ ستينيات القرن المنصرم، ونشاط الشخصية آنذاك، وتمتعها بالموْدَات المنتشرة آنذاك نحو: مودة الخنافس، ووجود أماكن النزهة، والأسواق الحديثة، وكثرة المطاعم، ووجود السينما، فضلا عن الفوضى التي يصنعها المجانين في شوارعها، ووجود المصورين الذي يصورون الصور الشمسية آنذاك (ص 112- 113)، وغير ذلك من معطيات المدينة الناضجة مما يوفر فضاء من الحكم على جاهزية المدينة، وحداثتها، واختلافها عن المدن المغلقة، والصغيرة، التي لا تعدو أن تكون هامشا على ضفاف الفرات.
وقد تحول في القسم الثالث من خطابه تُجاه الإنسان إلى علاقة الإنسان بالتجربة، وأقصد بها مجموعة الأحداث التي صادفت الإنسان، وطبيعة تعامله معها، من جهة التماهي، والتحدي، والقبول، والرفض، والممارسة لها، ومن ذلك حدث: اليوم الأول في الجيش، الانتفاضة الشعبانية، على الساتر، الشهيد عقيل محمد، التلفزيون، مهنة التعليم، الدُخول (عيد نوروز)، العشق.
تدل تلك الأحداث في مجملها على الحالة القصوى للضياع، والتهميش، والإنفعال، والسعي نحو الاقتدار، وتحقيق حسن الحال، إلا أن الظروف تمنعه من تحقيق النمذجة، والنهضة، فقد وضع الماوس على ظاهرة العشق، وحديثا عن طبيعة العشق، والفشل فيه بعد الزواج، ((بعضهم يجد [ملامحا] هو يعشقها، وهناك نزوة تنتهي في وقتها، ولكن هناك حالة مرض تداهمه وتبقى شغله الشاغل، ويعاني من السهر، ويتصور وجه حبيبته في كل شيء يراه، أما عن فشل زواج بعض العشاق فحسب رأيي أن الرجل يحب في قلبه فقط ولم يشرك العقل في ذلك)) (ص221).
يمكن أن يقودنا الحديث عن علاقته بالتجربة، والأحداث إلى الحكم عليه بأنه ينتمي إلى الخطاب السوداوي في الكتابة، إذ ركز على البؤس، والظاهرة السلبية في السرد الواقعي الذي سجله، أي إنه سجل سردا واقعيا سوداويا للمجتمع، يتبنى وجهة نظر النقد الاجتماعي للمجتمع أولا، وللسلطة ثانيا، وهذا ما حدث بالفعل في مقالته (على الساتر)، إذ كان الإنسان العراقي مهدورا بسبب سياسة السلطة: ((أتذكر كيف كان ذلك النظام يفرض على كل إنسان أن ينخرط إلى الجبهة بحجة المعايشة شاء أم أبى، مقتنعا أم عير مقتنع، خريجا أم خريج، وشعار الجيش الشهير: خريج مرَيج الكل يشرب بالبريج، أي إن الشهادة لا تساوي شيئا)) (ص 189).
ثمة بغية من هذا السرد الاجتماعي، تتمثل في توثيق مفاصل المدينة، وأماكنها، وتراثها، وشخصياتها؛ لذا ذكر بعض الوجهاء فيها، نحو: الحاج خميس، وخضر بكوري، وكريم حسان خبن وغيرهم.
ولم يفته أن يبين مأثر المدينة الاجتماعية ولاسيما في حديثه عن فريق الأخوَّة الرياضي، ذلك الفريق الذي تشكل من مجموعة الشباب، يتلقون تعليماتهم الرياضية من أحدهم في ساحات المدينة.
وكذلك تقييم الحركة الثقافية في المدينة، والحديث عن مكتباتها، فتحدث عن مكتبتين هما ((في مدينتنا في فترة السبعينيات مكتبتان، مكتبة دينية، ومكتبة حكومية))(ص89).
وقد سعى إلى بيان القدرة الذاتية، وإمكانيته السردية، والاهتمامات الأدبية، فقد حرص على إسداء تقنيات الإقناع الارتجالي في كتابته فأفاد من الأمثال نحو: اختلط الحابل بالنابل، وخرِّيج مريج الكل يشرب بالبريج، وكذلك توظيف الأشعار الشعبية ولاسيما في موضوع العشق وما ومما ينضوي في اهتماماته حديثه عن أرشيف الصور.
أراد أن يختصر سيرة الإنسان العراقي منذ ستينيات القرن الماضي إلى حد هذه اللحظة، فقد عرج على بعض المواقف، والثقافات، والسلطات آنذاك، وحدد نوع قهريته، ثم صورته في العصر الحديث. ومن ذلك وقفته على ثيمة التقاعد مثلا، وما يخص الإنسان، وتعرضه للتحولات في الشخصية، التي تنال من التعامل الفطري وسط التعامل الحرباوي في العصر الحديث.
أقول: إن كتاب مشافهة الندوب والصور كتاب ينتمي إلى السرد التوثيقي بلغة واقعية، يسجل حياة الإنسان، ومركزه، وهامشه.
الإنسان في كتاب مشافهة الندوب والصور قراءة في الذاكرة والمكان والتجربة
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
الإنسان في كتاب مشافهة الندوب والصور قراءة في الذاكرة والمكان والتجربة
لم تكن علاقتي وطيدة بمدينة البطحاء، بحكم بُعد المسافة بيني وبينها؛ إلى أن شاء القدر أتعرفُ في مرحلة الدراسة الجامعية الأولية، والعليا على رجل يقظ، هو الشاب سعد شليويح، إذ وجدته مهتما بالأدب، والوعي، وأخذ يشرح لي بين الفينة والفينة عن العطاء الإنساني في مدينته الطيبة، وبعد ذاك جمعتني الثقافة، والانتماء إلى اتحاد الأدباء بمحمد الكاظم، وهو قاص واع، وبيوسف هداي ميس، وهو روائي أحبه، ووجدتهما بطحاوييَن غير متعالييَن، وتعزز في داخلي ذلك الوهج من بقايا حضارة لارسا القديمة، وبدأت من خلالهما علاقتي تتوطد بالرجل التربوي المهذب حسن صاحب الركابي، وأدام حضوره على الأجواء الثقافية، التي تعقد في الناصرية، حتى أضاء المشهد بكتابه الموسوم (مشافهة الندوب والصور)، الصادر عن دار الورشة في بغداد، سنة 2026م، بتقديم الشاعر شاكر الغزي.
كتاب مشافهة الندوب والصور لحسن الركابي، وثيقة أنثروبولوجية، ولوحة أصفها بأنها عتيقة، دوَّنت جزءا من الحياة البدائية للإنسان في مدينة عريقة، هي مدينة لارسا، ومن بعد تحدثت عن تحولات هذا الإنسان في ظل علاقته بالسلطة الحاكمة، والمجتمع، والدين، وصلة الإنسان بالإنسان، وصوَّرت طقوسه، وتعليمه، وذاكرته، ويومياته، وغير ذلك.
تحدث حسن صاحب بلغة فردية، وتجربة ذاتية، ألتمسُ منها الروح الجماعية، والآخر الذي صادفه في مدينة البطحاء، بمعنى أنه تحدث عن الإنسان عامة، من جهة دينه، وذاته، وتعليمه، ومجتمعه، وعلاقاته التي تتكرر عند الجميع، لذا جاءت مقدمته مزدانة بضمير الجماعة، ((هي استعادة صور من الحياة اليومية البسيطة التي عشناها)) (ص 13)، فلم يقتنع بأن كتابه سرد ذاتي، أو سيرة ذاتية، وإنما هي مسيرة الإنسان العراقي على شكل سرد واقعي، يقدَّم بلغة سلسة جدا، ولعل الهدف الأسمى عند الكاتب ليس اللغة التزيينية، وإنما الهدف صناعة التأثير في المتلقي، وتسويق الهُوية التي يتبناها في هذا الكتاب، ولاسيما الهُوية الاجتماعية، التي تتمثل بالتناسق الاجتماعي، وعدم هدر النسيج فيه، فضلا عن هُوية المكان، وانتماء الكاتب إلى حضارة لها جذور ضاربة في القدم، إذ تأسست مدينة البطحاء على حفريات تاريخية، تنسبها إلى ما يقال لها لارسا، بوصفها حضارة سومرية، صار الإنسان فيها ضحية السلطة، والحروب، فجاءت أغلب قصصه في هذا الإطار، فعرض حديثا عن استشهاد الدكتور عقيل محمد، أحد رجال المدينة، وكذلك حديثا عن تسويقه في اليوم الأول للجيش العراقي سنة 1984م، وكذلك تحدث لنا عن الساتر في الخدمة العسكرية، وغير ذلك.
الذي أتبناه في هذه المقالة، سؤال مهم للغاية: كيف صوَّر لنا الكاتبُ الإنسانَ في كتابه، أيحق لي أن أزِن صورة الإنسان، هل جاء مكرَّما، مهدورا، مرفها، مقيدا، متحديا، منتصرا، مهزوما، محظوطا، قد نال حظه من بلده؟
سأقسَّم تصوراتي عن الإنسان ثلاثة أقسام، الأول الإنسان والذاكرة، والثاني الإنسان والمكان، ثم الثالث الإنسان والتجربة.
في محور الإنسان والذاكرة، جعل حسن صاحب ذاكرته شريط فديو، أو شريط كاميرا، أعاد عن طريقه عددا من الملامح الماضية، وعرض حديثا عن الندوب التي يشترك فيها مع أقرانه، فسجل نصا عن علاقته بالكتاب، وعلاقته بدرس الإنشاء، ووجوده في المدرسة، ولاسيما في الأول متوسط، أي إنه استمد مادة سردية، واجتماعية من مخزونه الفني، والاجتماعي، فتذكر قيمة الإنسان، ومعاناته في ظل الحرب الثمانينية القسرية التي عانها الإنسان العراقي من دون جدوى، إذ عرضت مقالته السردية الموسومة (ندوب عتيقة) جوًّا من القهر، والحزن، الذي خيَم عليه ردحا من الزمن، ((رغم أني كنت طالبا في الإعدادية حين بدأت الحرب، ولكنها استمرت إلى أن تخرجت في عام ثمانين من القرن الماضي، كنت قد نجحت من الصف الرابع الإعدادي)) (ص 15).
لم يجن الإنسان في هذه المسافة الحربية سوى عسكرة المجتمع، وحربية الخطاب، وخطاب الحرب، إذ يتأسف على التحولات التي بانت على الأناشيد، من الوعي إلى النمط العسكري، والتحولات في الخطاب الشعري من الوعي إلى التمجيد بالقائد البعثي، بل وصل الأمر في خطابهم الشعري إلى التحريض، والتحفيز على الحرب التي لا أوَّل لها ولا آخر، التي استمدت ديمودتها الموهومة من انتشار الأسلحة في أعناق رجال البعث، ومن انتشار الربايا في أعلى البنايات. وكذلك يتأسف على تحول الخطاب التلفزيوني إلى خطاب بيانات، وادعاءات للنصر، وأبواق للسلطة، وتحولت المناهج الدراسية إلى فضاء حزبي، وحربي أيضا، فلم تَسلم حتى أسئلة الامتحانات من أمثلة الحرب، وسيق الناس إلى الجيش، أو ضويقوا بحجة سحبهم إلى الجيش الشعبي، يختصر تلك الملحمة المؤلمة بقوله: ((المدن تعسكرت، والكراجات مملوءة بالجيش ليلا ونهارا، هذا ملتحق وذاك مُجاز، المجاز سعيد، والملتحق مكتئب، المرآب كالثكنة العسكرية، عطل الدوام لمدة شهرين تقريبا عندما بدأت الحرب…))(ص17).
أفهم من سياقه الأدبي في ندوب عتيقة أن السلطة جعلت الإنسان دون خط البشر.
ويستمر في جولة الذاكرة، وذاكرة المدينة ليعرض تاريخ التعليم الثانوي في مدينة البطحاء، ومعاناة أهلها من عدم وجود المدرسة الثانوية، ((في الجنوب، في عقد الستينات وما قبلها، عانى جيلنا من عدم توفر المدارس في المدن الصغيرة كالنواحي والأقضية، وفي ناحيتنا، كان الطالب بعد أن يُكمل الابتدائية، إما أن يترك الدراسة، وإما أن يتطوع في الجيش، وإما أن يكمل دراسته إذا كانت حالته ميسورة))(ص21).
ويستمر في تدوين الملاحظ التاريخية حول تأسيس الدراسة المتوسطة، بأن كانت في دار خاله الحاج خميس، بعد أن تبرع بها للمديرية العامة للتربية، ثم انتقلت المدرسة المتوسطة إلى كراج البلدية الكبير، إلى أن أُغلقت؛ بسبب نقص أعداد الطلبة، والكادر.
فبادر رجال المدينة الخيرون، ومنهم الأستاذ خيري الجشعمي، بوصفه مديرا لمدرسة ابتدائية، وتعهد أن يدمج المتوسطة معها، ويتكفل المعلمون بتدريس الأول، والثاني المتوسط، مع وجود مفارقة مؤلمة عدم وجود الكوادر من سنة 1969 وصولا إلى سنة دخوله المتوسطة سنة 1976م ((في عام 1976 كنت قد دخلت في الصف الأول المتوسط، وحينها كانت المدرسة تعاني من قلة الكادر التعليمي….)) (ص22).
ثمة سرد للذاكرة في موضوعَي عسكرة الإنسان، وتعليمه، ولكنه سردي ينضوي فيه الآخر، وأجد مظاهر الجمعية قد طغت على تلك الدلالات، حتى تنتابك اللوعة، وتنهض الدلالات النفسية على شخص المتلقي، الذي صار ضحية الجلادين للعراق من لحظة تأسيس الدولة العراقية إلى لحظة مشافهة هذه الندوب التي أراها عذابا للإنسان، وهدرا لذاته، وكرامته، إذ أتى على العراق عام 1970م، ولا توجد مدرسة إعدادية في بقعة تاريخية عظيمة، إذ علمت لارسا الدنيا الحرف، والكتابة، والإبداع.
وقد أفرد الكاتب مساحة غير قليلة من كتابه لعلاقة الإنسان بالمكان، في مقالاته التي حملت عنوانات: المقهى، ومكتبات المدينة، والناصرية في عين الفتى، وأطول ليلة شتاء على بغداد، والمساجد وسدنتها.
إذ تعكس لنا هذه الأمكنة النزعة الانثروبولوجية، وتركيبة المدينة الاجتماعية، والدينية، والهامشية قياسا بتبعيتها لمركز الناصرية، فضلا عن تأثرها ببغداد كعاصمة، وسيرها على النسق نفسه، واستمرار الظيم، وتقهقر بغداد العاصمة، وتراجع خدماتها، وتعاون العدوان عليها، حتى تحولت بغداد إلى خربة، وضاع وجه ساكنيها، وبقوا يعانون المرارة، وآفات الحروب، ((تذكرت مثل هذه الليلة كيف اختبأ أهل بغداد في الملاجئ، وكيف ارتعب الأطفال من هز الشبابيك، والزجاج المتطاير منها، ليال مرعبة، وصافرات إنذار لم تسترح، بدأت الأسعار تتصاعد شيئا فشيئا على أثر الحصار المفروض على شعب ليس له ناقة ولا جمل بقرارات حاكم مستبد، عنده الحرب نزهة)) (ص 47).
ومن ترسبات المكان، علاقة المكان المركز بالمكان الهامش، إذ تمثل الناصرية مكانا مركزا في نظر الكاتب الذي ينتمي إلى المكان الهامش من جهة التنظيمات الإدارية، وتبعية البطحاء إلى قضاء الناصرية، فصوَّر لنا بساتينها، ووجود منافذ الطاقة فيها، فضلا عن عمرانها، وشاخصية تمثال الحبوبي، وتنظيم شارع الحبوبي، ووجود الشوارع المعبدة منذ ستينيات القرن المنصرم، ونشاط الشخصية آنذاك، وتمتعها بالموْدَات المنتشرة آنذاك نحو: مودة الخنافس، ووجود أماكن النزهة، والأسواق الحديثة، وكثرة المطاعم، ووجود السينما، فضلا عن الفوضى التي يصنعها المجانين في شوارعها، ووجود المصورين الذي يصورون الصور الشمسية آنذاك (ص 112- 113)، وغير ذلك من معطيات المدينة الناضجة مما يوفر فضاء من الحكم على جاهزية المدينة، وحداثتها، واختلافها عن المدن المغلقة، والصغيرة، التي لا تعدو أن تكون هامشا على ضفاف الفرات.
وقد تحول في القسم الثالث من خطابه تُجاه الإنسان إلى علاقة الإنسان بالتجربة، وأقصد بها مجموعة الأحداث التي صادفت الإنسان، وطبيعة تعامله معها، من جهة التماهي، والتحدي، والقبول، والرفض، والممارسة لها، ومن ذلك حدث: اليوم الأول في الجيش، الانتفاضة الشعبانية، على الساتر، الشهيد عقيل محمد، التلفزيون، مهنة التعليم، الدُخول (عيد نوروز)، العشق.
تدل تلك الأحداث في مجملها على الحالة القصوى للضياع، والتهميش، والإنفعال، والسعي نحو الاقتدار، وتحقيق حسن الحال، إلا أن الظروف تمنعه من تحقيق النمذجة، والنهضة، فقد وضع الماوس على ظاهرة العشق، وحديثا عن طبيعة العشق، والفشل فيه بعد الزواج، ((بعضهم يجد [ملامحا] هو يعشقها، وهناك نزوة تنتهي في وقتها، ولكن هناك حالة مرض تداهمه وتبقى شغله الشاغل، ويعاني من السهر، ويتصور وجه حبيبته في كل شيء يراه، أما عن فشل زواج بعض العشاق فحسب رأيي أن الرجل يحب في قلبه فقط ولم يشرك العقل في ذلك)) (ص221).
يمكن أن يقودنا الحديث عن علاقته بالتجربة، والأحداث إلى الحكم عليه بأنه ينتمي إلى الخطاب السوداوي في الكتابة، إذ ركز على البؤس، والظاهرة السلبية في السرد الواقعي الذي سجله، أي إنه سجل سردا واقعيا سوداويا للمجتمع، يتبنى وجهة نظر النقد الاجتماعي للمجتمع أولا، وللسلطة ثانيا، وهذا ما حدث بالفعل في مقالته (على الساتر)، إذ كان الإنسان العراقي مهدورا بسبب سياسة السلطة: ((أتذكر كيف كان ذلك النظام يفرض على كل إنسان أن ينخرط إلى الجبهة بحجة المعايشة شاء أم أبى، مقتنعا أم عير مقتنع، خريجا أم خريج، وشعار الجيش الشهير: خريج مرَيج الكل يشرب بالبريج، أي إن الشهادة لا تساوي شيئا)) (ص 189).
ثمة بغية من هذا السرد الاجتماعي، تتمثل في توثيق مفاصل المدينة، وأماكنها، وتراثها، وشخصياتها؛ لذا ذكر بعض الوجهاء فيها، نحو: الحاج خميس، وخضر بكوري، وكريم حسان خبن وغيرهم.
ولم يفته أن يبين مأثر المدينة الاجتماعية ولاسيما في حديثه عن فريق الأخوَّة الرياضي، ذلك الفريق الذي تشكل من مجموعة الشباب، يتلقون تعليماتهم الرياضية من أحدهم في ساحات المدينة.
وكذلك تقييم الحركة الثقافية في المدينة، والحديث عن مكتباتها، فتحدث عن مكتبتين هما ((في مدينتنا في فترة السبعينيات مكتبتان، مكتبة دينية، ومكتبة حكومية))(ص89).
وقد سعى إلى بيان القدرة الذاتية، وإمكانيته السردية، والاهتمامات الأدبية، فقد حرص على إسداء تقنيات الإقناع الارتجالي في كتابته فأفاد من الأمثال نحو: اختلط الحابل بالنابل، وخرِّيج مريج الكل يشرب بالبريج، وكذلك توظيف الأشعار الشعبية ولاسيما في موضوع العشق وما ومما ينضوي في اهتماماته حديثه عن أرشيف الصور.
أراد أن يختصر سيرة الإنسان العراقي منذ ستينيات القرن الماضي إلى حد هذه اللحظة، فقد عرج على بعض المواقف، والثقافات، والسلطات آنذاك، وحدد نوع قهريته، ثم صورته في العصر الحديث. ومن ذلك وقفته على ثيمة التقاعد مثلا، وما يخص الإنسان، وتعرضه للتحولات في الشخصية، التي تنال من التعامل الفطري وسط التعامل الحرباوي في العصر الحديث.
أقول: إن كتاب مشافهة الندوب والصور كتاب ينتمي إلى السرد التوثيقي بلغة واقعية، يسجل حياة الإنسان، ومركزه، وهامشه.
حمدي العطار
أ. د. مصطفى عطية جمعة
د. جبَّار ماجد البهادليّ
التعليقات