خلخال العشق: رواية على هامش التاريخ الملاحظات النقدية في رواية رعد الحلي الجزء الأخير

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 22 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3525
خلخال العشق: رواية على هامش التاريخ الملاحظات النقدية في رواية رعد الحلي الجزء الأخير

تبدو رواية “خلخال العشق” للروائي رعد الحلي، للوهلة الأولى، وكأنها رواية تاريخية تستعيد مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث، ولا سيما العهد الملكي وما ارتبط به من أحداث وشخصيات وتحولات سياسية واجتماعية. غير أن الاقتراب من بنية الرواية يكشف أن الحلي لا يريد أن يكون مؤرخاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما يحاول أن يكتب رواية على هامش التاريخ؛ أي أن التاريخ يشكل خلفية للأحداث، لكنه لا يفرض على الرواية أن تلتزم حرفياً بكل ما هو مثبت في المدونات التاريخية.
ومن هنا يمكن فهم تجنب الروائي تسمية بعض الشخصيات التاريخية بأسمائها الحقيقية، وإعادة تشكيلها وفق رؤيته الفنية. فالرواية لا تعيد إنتاج التاريخ كما وقع، وإنما تستثمره وتعيد تأويله من خلال الخيال الروائي. وهذه المساحة بين الحقيقة التاريخية والخيال تمنح الكاتب حرية الإضافة والحذف وإعادة بناء الشخصيات والأحداث بما يخدم رؤيته السردية. لذلك فإن عنوان الرواية، “خلخال العشق”، لا يحيل مباشرة إلى التاريخ، بل يفتح الباب أمام الجانب الإنساني والعاطفي في الحكاية، في الوقت الذي يؤدي فيه النص الروائي دوراً موازياً لدور المؤرخ، ولكن بأدوات مختلفة.
وإذا أردنا وضع الرواية في سياقها الفني، يمكن أن نطلق عليها تسمية “الرواية على هامش التاريخ”، وهي تسمية تقترب، من حيث الفكرة، من عنوان كتاب طه حسين “على هامش السيرة” إذ لا يكون الهدف استعادة الوقائع التاريخية بوصفها وثيقة، وإنما الاقتراب منها من زاوية سردية تسمح للخيال بإعادة تشكيلها.
*التاريخ بوصفه مادة روائية
اختار رعد الحلي مرحلة العهد الملكي الأول في العراق، وهي مرحلة غنية بالأحداث السياسية والاجتماعية، لكنه لم يتعامل معها بوصفها مادة تاريخية جامدة. لقد انتقى منها ما ينسجم مع عالمه الروائي، ثم أضاف إليها شخصيات ومواقف وعلاقات تتيح له بناء حبكة تقوم على التشويق.
وتبرز أهمية هذا الاختيار في أن الروائي يضع الشخصيات التاريخية في مواجهة الشخصيات المتخيلة، ويجعل الأحداث الشخصية تتقاطع مع الأحداث العامة. وبذلك يصبح التاريخ فضاءً تتحرك فيه الشخصيات، وليس هو الغاية الوحيدة من الرواية.
ومن اللافت أن الرواية تتوقف عند مقتل الملك غازي، ثاني ملوك العراق، وهي لحظة تاريخية مفصلية تفتح باباً واسعاً أمام احتمالات سردية أخرى. ومن هنا يمكن أن نتوقع، إذا اختار الروائي مواصلة المشروع، أن يكتب جزءاً ثانياً يمتد من مقتل الملك غازي إلى ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وبذلك يمكن أن تتشكل لديه تجربة روائية ترصد مراحل متتابعة من التاريخ العراقي من خلال الشخصيات والعلاقات الإنسانية، على نحو يذكر، من زاوية بعيدة، بالمشروع الروائي الذي أنجزه نجيب محفوظ في ثلاثيته، حين جعل التاريخ الاجتماعي والسياسي خلفية لحياة الشخصيات وتحولاتها.
*أين نجح رعد الحلي؟
من أبرز نقاط نجاح الرواية قدرتها على صناعة التشويق، ولا سيما من خلال العلاقة بين “يتيم” والملك، وكذلك العلاقة التي تنشأ بين يتيم و”مسز جيم”. فقد استطاع الروائي أن يجعل هذه العلاقات تتجاوز كونها مجرد أحداث فرعية، لتصبح جزءاً من آلية التشويق التي تدفع القارئ إلى متابعة الرواية.
كما أن مزج الشخصيات المتخيلة بالشخصيات المرتبطة بالتاريخ يمنح الرواية حيوية، لأن القارئ لا يجد نفسه أمام سرد تاريخي جاف، بل أمام شخصيات لها رغبات ومخاوف ومصالح وعلاقات، وتتحرك في زمن سياسي مضطرب.
وتنجح الرواية كذلك في استثمار بعض الوقائع التاريخية لا باعتبارها نهايات مغلقة، وإنما بوصفها نقاطاً قابلة للتأويل الروائي. وهذه إحدى أهم خصائص الرواية التاريخية أو الرواية التي تستند إلى التاريخ: أن الكاتب لا يكتفي بما تقوله الوثيقة، وإنما يبحث عما يمكن أن تقوله الرواية من خلال الإنسان.
*الملك غازي… بين التاريخ والتخييل
مع ذلك فإن الشخصية التاريخية تظل بحاجة إلى قدر من الإقناع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية مثل الملك غازي. وهنا يمكن تسجيل ملاحظة نقدية على الطريقة التي رسم بها الحلي شخصية الملك، ولا سيما في ما يتعلق بجولاته متنكراً في بغداد، وتأثره بالولايات المتحدة الأميركية على حساب علاقته بالبريطانيين.
فهذا التحول في موقف الملك يحتاج إلى دوافع أكثر عمقاً وإقناعاً داخل البناء الروائي. وإذا كان موقفه من بريطانيا مرتبطاً برغبته في الانتقام لمقتل والده الملك فيصل الأول، الذي تذهب الرواية إلى أنه مات مسموماً بفعل جريمة إنكليزية، فإن هذا الدافع كان يحتاج إلى معالجة سردية أكثر وضوحاً، حتى لا يبدو موقف الشخصية مجرد اختيار من الروائي، بل نتيجة طبيعية لتراكمات نفسية وسياسية عاشتها الشخصية.
فالروائي حين يستعير شخصية تاريخية يمتلك حق تخييلها، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يجعل هذا التخييل منسجماً مع منطق الشخصية داخل الرواية. فالحرية الروائية لا تعني غياب المبررات، وإنما تعني إعادة بناء الشخصية وفق منطق فني مقنع.
بعض الثغرات في قراءة المرحلة التاريخية
توجد في الرواية بعض التفاصيل التي تحتاج إلى مراجعة من الناحية التاريخية، خصوصاً في ما يتعلق بدور بريطانيا في العراق. ومن ذلك الحديث عن توجه بريطاني إلى جعل العراق دولة صناعية في حين كان العراق في تلك المرحلة يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد الزراعي، وكانت الزراعة تشكل قاعدة أساسية في بنيته الاقتصادية والاجتماعية.
كما تحتاج الرواية إلى مزيد من الدقة في تناول موضوع الضرائب في العهد العثماني والعهد البريطاني. فليس دقيقاً القول إن الضرائب في العهد العثماني كانت تجبى من العراقيين جميعاً بطريقة منتظمة، ثم جاء الإنكليز ليخففوا من هذا المورد الداخلي أو يتعاملوا معه بالطريقة نفسها. كانت الجباية في العهد العثماني تعاني من الفوضى وتعدد الأساليب والوسطاء، بينما شهد عهد الاحتلال والانتداب البريطاني قدراً أكبر من التنظيم الإداري في تحصيل الضرائب، الأمر الذي جعل العبء الضريبي أكثر وضوحاً وثقلاً على شرائح واسعة من المجتمع، وكان ذلك أحد أسباب تنامي الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية.كما ورد حديث في عهد الملك الاول عن رغبة يتيم بالدراسة بجامعة بغداد في فترة عشرينيات القرن الماضي بينما لم تكن هناك جامعة كانت هناك كليات ولمةيتم تأسيس جامعة بغداد الا في عهد عبد الكريم قاسم، وأيضا عمر يتيم عند وقوع طائرة الملك الاول لم يتجاوز 12 عاما وكان ذلك عام 1926 وبذلك هناك قفزة زمنية ونحن نرى يتيم قد تخرج من كلية القانون وصار سكرتيرا للملك!
وهذه التفاصيل وإن بدت صغيرة أمام البناء العام للرواية تصبح مهمة عندما يختار الروائي أن يجعل التاريخ أحد المكونات الأساسية لعالمه السردي: لأن القارئ المتخصص في التاريخ سيقارن بالضرورة بين ما يقرأه في الرواية وما يعرفه من الوقائع التاريخية.
*بين حرية الرواية وصرامة التاريخ
المشكلة الأساسية التي تطرحها “خلخال العشق” ليست في أن الروائي غير بعض الوقائع أو أعاد تشكيل الشخصيات: فهذا من حق الرواية، بل ربما هو أحد أسباب وجودها. وإنما تكمن المسألة في الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الخيال الروائي والمعلومة التاريخية.
فحين يعلن الكاتب صراحة أو ضمناً أنه يكتب رواية تستند إلى التاري فإن القارئ يمنحه مساحة واسعة للتخييل، لكنه ينتظر في الوقت نفسه أن تكون التحولات التاريخية الكبرى مقنعة ومنسجمة مع السياق العام للعصر. لذلك يمكن للروائي أن يتخيل وأن يضيف وأن يحذف، لكن عليه أن يحافظ على روح المرحلة وملامحها الاجتماعية والسياسية والثقافية، حتى لا يتحول التخييل إلى تشويه غير مقصود للسياق التاريخي.
ومن هذه الزاوية، فإن “خلخال العشق” تجربة تستحق النقاش: لأنها لا تقدم التاريخ بوصفه حقيقة نهائية وإنما بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة والتخييل. وهذا تحديداً ما يمنح الرواية أهميتها النقدية حتى في المواضع التي يمكن تسجيل ملاحظات عليها.
*خاتمة
في المحصلة تظل “خلخال العشق” رغم الملاحظات النقدية المتعلقة ببعض الشخصيات والتفاصيل التاريخية رواية جديرة بالقراءة: لأنها تقدم محاولة روائية للاقتراب من العهد الملكي الأول في العراق من زاوية مختلفة فلا تجعل التاريخ غاية في ذاته، وإنما تستخدمه فضاءً تتحرك داخله الشخصيات والعلاقات والصراعات.
وقد نجح رعد الحلي في خلق قدر من التشويق وفي إقامة صلات بين الشخصيات المتخيلة والشخصيات المرتبطة بالتاريخ كما نجح في منح القارئ فرصة للنظر إلى مرحلة تاريخية معقدة من خلال عين الروائي لا عين المؤرخ.
وربما تكمن قيمة الرواية الحقيقية في هذا التوتر بين ما حدث فعلاً وما كان يمكن أن يحدث، فالمؤرخ يبحث عن الحقيقة التي وقعت، أما الروائي فيبحث أيضاً عن الحقيقة الإنسانية الكامنة خلف الحدث. ومن هنا يمكن قراءة “خلخال العشق”بوصفها رواية على هامش التاريخ، رواية لا تدعي أنها وثيقة تاريخية لكنها تستعير من التاريخ زمنه وشخصياته وأسئلته ثم تعيد تشكيلها وفق رؤية رعد الحلي الروائية.
ولعل توقف الرواية عند مقتل الملك غازي لا يمثل نهاية الحكاية بقدر ما يترك باباً مفتوحاً أمام مشروع روائي آخر يمكن أن يواصل رصد العراق من تلك اللحظة حتى ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وبذلك يتحول التاريخ من خلفية للرواية إلى فضاء واسع لمشروع سردي يمتد عبر واحدة من أكثر مراحل العراق الحديث اضطراباً وتحولاً.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي   ما قبل النقد…

صورة الكاتب حمدي العطار
3 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل

الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل

الورقة التي قدمت في جلسة الورشة الثقافية بالمركز الثقافي البغدادي بعنوان ( الاديب حارس الذاكرة…

صورة الكاتب حمدي العطار
19 يوليو 2026
اقرأ المزيد
رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب مقدمة تعد رواية “الحسم”…

صورة الكاتب حمدي العطار
18 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


خلخال العشق: رواية على هامش التاريخ الملاحظات النقدية في رواية رعد الحلي الجزء الأخير

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 22 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

تبدو رواية “خلخال العشق” للروائي رعد الحلي، للوهلة الأولى، وكأنها رواية تاريخية تستعيد مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث، ولا سيما العهد الملكي وما ارتبط به من أحداث وشخصيات وتحولات سياسية واجتماعية. غير أن الاقتراب من بنية الرواية يكشف أن الحلي لا يريد أن يكون مؤرخاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما يحاول أن يكتب رواية على هامش التاريخ؛ أي أن التاريخ يشكل خلفية للأحداث، لكنه لا يفرض على الرواية أن تلتزم حرفياً بكل ما هو مثبت في المدونات التاريخية.
ومن هنا يمكن فهم تجنب الروائي تسمية بعض الشخصيات التاريخية بأسمائها الحقيقية، وإعادة تشكيلها وفق رؤيته الفنية. فالرواية لا تعيد إنتاج التاريخ كما وقع، وإنما تستثمره وتعيد تأويله من خلال الخيال الروائي. وهذه المساحة بين الحقيقة التاريخية والخيال تمنح الكاتب حرية الإضافة والحذف وإعادة بناء الشخصيات والأحداث بما يخدم رؤيته السردية. لذلك فإن عنوان الرواية، “خلخال العشق”، لا يحيل مباشرة إلى التاريخ، بل يفتح الباب أمام الجانب الإنساني والعاطفي في الحكاية، في الوقت الذي يؤدي فيه النص الروائي دوراً موازياً لدور المؤرخ، ولكن بأدوات مختلفة.
وإذا أردنا وضع الرواية في سياقها الفني، يمكن أن نطلق عليها تسمية “الرواية على هامش التاريخ”، وهي تسمية تقترب، من حيث الفكرة، من عنوان كتاب طه حسين “على هامش السيرة” إذ لا يكون الهدف استعادة الوقائع التاريخية بوصفها وثيقة، وإنما الاقتراب منها من زاوية سردية تسمح للخيال بإعادة تشكيلها.
*التاريخ بوصفه مادة روائية
اختار رعد الحلي مرحلة العهد الملكي الأول في العراق، وهي مرحلة غنية بالأحداث السياسية والاجتماعية، لكنه لم يتعامل معها بوصفها مادة تاريخية جامدة. لقد انتقى منها ما ينسجم مع عالمه الروائي، ثم أضاف إليها شخصيات ومواقف وعلاقات تتيح له بناء حبكة تقوم على التشويق.
وتبرز أهمية هذا الاختيار في أن الروائي يضع الشخصيات التاريخية في مواجهة الشخصيات المتخيلة، ويجعل الأحداث الشخصية تتقاطع مع الأحداث العامة. وبذلك يصبح التاريخ فضاءً تتحرك فيه الشخصيات، وليس هو الغاية الوحيدة من الرواية.
ومن اللافت أن الرواية تتوقف عند مقتل الملك غازي، ثاني ملوك العراق، وهي لحظة تاريخية مفصلية تفتح باباً واسعاً أمام احتمالات سردية أخرى. ومن هنا يمكن أن نتوقع، إذا اختار الروائي مواصلة المشروع، أن يكتب جزءاً ثانياً يمتد من مقتل الملك غازي إلى ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وبذلك يمكن أن تتشكل لديه تجربة روائية ترصد مراحل متتابعة من التاريخ العراقي من خلال الشخصيات والعلاقات الإنسانية، على نحو يذكر، من زاوية بعيدة، بالمشروع الروائي الذي أنجزه نجيب محفوظ في ثلاثيته، حين جعل التاريخ الاجتماعي والسياسي خلفية لحياة الشخصيات وتحولاتها.
*أين نجح رعد الحلي؟
من أبرز نقاط نجاح الرواية قدرتها على صناعة التشويق، ولا سيما من خلال العلاقة بين “يتيم” والملك، وكذلك العلاقة التي تنشأ بين يتيم و”مسز جيم”. فقد استطاع الروائي أن يجعل هذه العلاقات تتجاوز كونها مجرد أحداث فرعية، لتصبح جزءاً من آلية التشويق التي تدفع القارئ إلى متابعة الرواية.
كما أن مزج الشخصيات المتخيلة بالشخصيات المرتبطة بالتاريخ يمنح الرواية حيوية، لأن القارئ لا يجد نفسه أمام سرد تاريخي جاف، بل أمام شخصيات لها رغبات ومخاوف ومصالح وعلاقات، وتتحرك في زمن سياسي مضطرب.
وتنجح الرواية كذلك في استثمار بعض الوقائع التاريخية لا باعتبارها نهايات مغلقة، وإنما بوصفها نقاطاً قابلة للتأويل الروائي. وهذه إحدى أهم خصائص الرواية التاريخية أو الرواية التي تستند إلى التاريخ: أن الكاتب لا يكتفي بما تقوله الوثيقة، وإنما يبحث عما يمكن أن تقوله الرواية من خلال الإنسان.
*الملك غازي… بين التاريخ والتخييل
مع ذلك فإن الشخصية التاريخية تظل بحاجة إلى قدر من الإقناع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية مثل الملك غازي. وهنا يمكن تسجيل ملاحظة نقدية على الطريقة التي رسم بها الحلي شخصية الملك، ولا سيما في ما يتعلق بجولاته متنكراً في بغداد، وتأثره بالولايات المتحدة الأميركية على حساب علاقته بالبريطانيين.
فهذا التحول في موقف الملك يحتاج إلى دوافع أكثر عمقاً وإقناعاً داخل البناء الروائي. وإذا كان موقفه من بريطانيا مرتبطاً برغبته في الانتقام لمقتل والده الملك فيصل الأول، الذي تذهب الرواية إلى أنه مات مسموماً بفعل جريمة إنكليزية، فإن هذا الدافع كان يحتاج إلى معالجة سردية أكثر وضوحاً، حتى لا يبدو موقف الشخصية مجرد اختيار من الروائي، بل نتيجة طبيعية لتراكمات نفسية وسياسية عاشتها الشخصية.
فالروائي حين يستعير شخصية تاريخية يمتلك حق تخييلها، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يجعل هذا التخييل منسجماً مع منطق الشخصية داخل الرواية. فالحرية الروائية لا تعني غياب المبررات، وإنما تعني إعادة بناء الشخصية وفق منطق فني مقنع.
بعض الثغرات في قراءة المرحلة التاريخية
توجد في الرواية بعض التفاصيل التي تحتاج إلى مراجعة من الناحية التاريخية، خصوصاً في ما يتعلق بدور بريطانيا في العراق. ومن ذلك الحديث عن توجه بريطاني إلى جعل العراق دولة صناعية في حين كان العراق في تلك المرحلة يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد الزراعي، وكانت الزراعة تشكل قاعدة أساسية في بنيته الاقتصادية والاجتماعية.
كما تحتاج الرواية إلى مزيد من الدقة في تناول موضوع الضرائب في العهد العثماني والعهد البريطاني. فليس دقيقاً القول إن الضرائب في العهد العثماني كانت تجبى من العراقيين جميعاً بطريقة منتظمة، ثم جاء الإنكليز ليخففوا من هذا المورد الداخلي أو يتعاملوا معه بالطريقة نفسها. كانت الجباية في العهد العثماني تعاني من الفوضى وتعدد الأساليب والوسطاء، بينما شهد عهد الاحتلال والانتداب البريطاني قدراً أكبر من التنظيم الإداري في تحصيل الضرائب، الأمر الذي جعل العبء الضريبي أكثر وضوحاً وثقلاً على شرائح واسعة من المجتمع، وكان ذلك أحد أسباب تنامي الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية.كما ورد حديث في عهد الملك الاول عن رغبة يتيم بالدراسة بجامعة بغداد في فترة عشرينيات القرن الماضي بينما لم تكن هناك جامعة كانت هناك كليات ولمةيتم تأسيس جامعة بغداد الا في عهد عبد الكريم قاسم، وأيضا عمر يتيم عند وقوع طائرة الملك الاول لم يتجاوز 12 عاما وكان ذلك عام 1926 وبذلك هناك قفزة زمنية ونحن نرى يتيم قد تخرج من كلية القانون وصار سكرتيرا للملك!
وهذه التفاصيل وإن بدت صغيرة أمام البناء العام للرواية تصبح مهمة عندما يختار الروائي أن يجعل التاريخ أحد المكونات الأساسية لعالمه السردي: لأن القارئ المتخصص في التاريخ سيقارن بالضرورة بين ما يقرأه في الرواية وما يعرفه من الوقائع التاريخية.
*بين حرية الرواية وصرامة التاريخ
المشكلة الأساسية التي تطرحها “خلخال العشق” ليست في أن الروائي غير بعض الوقائع أو أعاد تشكيل الشخصيات: فهذا من حق الرواية، بل ربما هو أحد أسباب وجودها. وإنما تكمن المسألة في الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الخيال الروائي والمعلومة التاريخية.
فحين يعلن الكاتب صراحة أو ضمناً أنه يكتب رواية تستند إلى التاري فإن القارئ يمنحه مساحة واسعة للتخييل، لكنه ينتظر في الوقت نفسه أن تكون التحولات التاريخية الكبرى مقنعة ومنسجمة مع السياق العام للعصر. لذلك يمكن للروائي أن يتخيل وأن يضيف وأن يحذف، لكن عليه أن يحافظ على روح المرحلة وملامحها الاجتماعية والسياسية والثقافية، حتى لا يتحول التخييل إلى تشويه غير مقصود للسياق التاريخي.
ومن هذه الزاوية، فإن “خلخال العشق” تجربة تستحق النقاش: لأنها لا تقدم التاريخ بوصفه حقيقة نهائية وإنما بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة والتخييل. وهذا تحديداً ما يمنح الرواية أهميتها النقدية حتى في المواضع التي يمكن تسجيل ملاحظات عليها.
*خاتمة
في المحصلة تظل “خلخال العشق” رغم الملاحظات النقدية المتعلقة ببعض الشخصيات والتفاصيل التاريخية رواية جديرة بالقراءة: لأنها تقدم محاولة روائية للاقتراب من العهد الملكي الأول في العراق من زاوية مختلفة فلا تجعل التاريخ غاية في ذاته، وإنما تستخدمه فضاءً تتحرك داخله الشخصيات والعلاقات والصراعات.
وقد نجح رعد الحلي في خلق قدر من التشويق وفي إقامة صلات بين الشخصيات المتخيلة والشخصيات المرتبطة بالتاريخ كما نجح في منح القارئ فرصة للنظر إلى مرحلة تاريخية معقدة من خلال عين الروائي لا عين المؤرخ.
وربما تكمن قيمة الرواية الحقيقية في هذا التوتر بين ما حدث فعلاً وما كان يمكن أن يحدث، فالمؤرخ يبحث عن الحقيقة التي وقعت، أما الروائي فيبحث أيضاً عن الحقيقة الإنسانية الكامنة خلف الحدث. ومن هنا يمكن قراءة “خلخال العشق”بوصفها رواية على هامش التاريخ، رواية لا تدعي أنها وثيقة تاريخية لكنها تستعير من التاريخ زمنه وشخصياته وأسئلته ثم تعيد تشكيلها وفق رؤية رعد الحلي الروائية.
ولعل توقف الرواية عند مقتل الملك غازي لا يمثل نهاية الحكاية بقدر ما يترك باباً مفتوحاً أمام مشروع روائي آخر يمكن أن يواصل رصد العراق من تلك اللحظة حتى ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وبذلك يتحول التاريخ من خلفية للرواية إلى فضاء واسع لمشروع سردي يمتد عبر واحدة من أكثر مراحل العراق الحديث اضطراباً وتحولاً.